السبب الخامس: ضعف الرقابة على سلوك المسئولين الخاص والعام:- فالمسئولون لهم سلوك خاص، فقد يكون المسئول -مثلًا- منحرفًا، فقد تجد أميرًا يشرب الخمر، أو يرتكب الفواحش، أو يترك الصلاة مع الجماعة، أو يعصي الله عز وجل، فهذا نسميه: سلوكًا شخصيًا.
ولكن هناك السلوك العام، وهو: سلوك الأمير أو الحاكم أو الوزير أو الوالي مع الرعية.
فهذا السلوك عام: هل هو حَسَن المعاملة للناس، يعطي الناس حقوقهم، وينصف المظلومين من الظالمين، ويوصل الأموال لأهلها أم أنه باطش جبارٌ معتدٍ أثيم؟ فالرقابة من أهم الأسباب لضبط سلوك المسئولين الشخصي، والسلوك العام أيضًا، ولذلك نجد أن الدولة النبوية الإسلامية كانت تراقب سلوك المسئولين بطريقة غريبة جدًا، ولعل من أبرز الأمثلة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، بلغ عمر بن الخطاب أن سعد ًا بنى في العراق قصرًا، وأنه وضع فيه بابًا ولا يدخل عليه الناس إلا بإذن، فـ عمر رضي الله عنه حالًا أرسل رسولًا، وقال له: اذهب لقصر سعد فاحرق الباب مباشرة! فانظر! كيف كان علاج تصرفات المسئولين التي لا تعجب عمر، ما ذهب يوبخه ولا يسأله ولا يحقق معه، بل أرسل واحدًا وقال: توقد على الباب، وتحرق الباب، ثم أرسل إلى سعد يعاتبه، وينهاه أن يحتجب عن الرعية.
ومرة أخرى بلغ عمر بن الخطاب أن خالد بن الوليد مدحه شاعر فأعطاه مالًا كثيرًا، فأرسل عمر إلى خالد بن الوليد أن يؤتى به ويدُه مغلولة -كما تقول بعض الروايات- حتى جاء لـ عمر وسأله عما فعل.
ومن أعجب القصص عن عمر رضي الله عنه في الرقابة الشديدة على المسئولين: أن عمر رضي الله عنه كان لا يولي أحدًا من قرابته، فما كان عمر يقول: هذا نوليه لأنه من بني عدي، ولو كان أجهل الناس، وأغبى الناس، وأفسق الناس، وما ولى من بني عدي إلا رجلًا واحدًا؛ لأنه رجل رأى عمر فيه صلاحًا، وجدارة في المنصب، وكان اسمه النعمان بن عدي.
وفي يوم من الأيام جاءت الأخبار إلى عمر عن النعمان بن عدي هذا، فقالوا له: يا أمير المؤمنين إنه يتغنى بأبيات من الشعر، قال: ماذا يقول؟ قالوا: إنه يقول: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بنعمان يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنت لي دهاقين قرية وصنَّاجَةٌ تجثو على حرث منسم إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم يعني إذا كنت نديمي في شرب الخمر، فاسقني بالكأس الكبيرة، ولا تسقني بالكأس الصغير المنكسرة.
لعل أمير المؤمنين يسوؤه تنادمنا في الجوسق المتهدم أي أنه يقول: لو علم عمر فسيسوؤه ذلك وهذا شعر ما له حقيقة، فغضب عمر، وكتب إليه كتابًا، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم {حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر:1-3] .
أما بعد: فإنه قد بلغني أنك تقول: لعل أمير المؤمنين يسوؤه تنادمنا بالجوسق المتهدم، نعم إنه والله ليسوؤني ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فلا تَلِ لي عملًا، واقدُم علي.
جاء الرجل إلى عمر رضي الله عنه، فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما شربت الخمر قط، وإنما هي أبيات من الشعر كنت أتغنى بها.
قال له عمر: أظن ذلك، لكن -والله- لا تلي لي عملا.
فمجرد كونك تتغنى بمثل هذه الأبيات الخليعة التي تدل على أنك تجاهر بشرب الخمر، ولو كنت عفيفًا لا تشرب الخمر فبهذا لا يمكن أن تلي لي عملًا.
إذًا: من الخطورة بمكان أن أولي إنسانًا، ثم لا أضع رقابة على سلوكه الشخصي؛ لأن سلوك الحاكم أو الوالي الشخصي ينعكس على سلوك الناس؛ فكيف يضرب الحاكم الناس في الخمر وهو يشرب الخمر؟! أو يأمر الناس بالصلاة وهو لا يصلي؟! لاشك أنه مطالب بإقامة الحدود، وأمر الناس بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإن ارتكب هو ما ارتكب، لكن الناس لا يقبلون منه ذلك، ولا ينصاعون لأوامره، وأخطر من هذا كله الغفلة عن مراقبته في سلوكه العام: في طريقة إدارتة -مثلًا- وفي ظلمه، ومعاملته للناس، وفي سلوكه معهم، وفي ما يقدم لهم.
وأضرب لكم مثلًا: أجهزة الإعلام في الدول كلها، هي اللسان الرسمي الناطق عن الدولة، فإذا أردت أن تعرف دولة، هل هي دولة عقدية شرعية دينية، أو دولة علمانية لا دينية، أو دولة شيوعية، أو دولة رافضية، فانظر إلى إعلامها.
فإذا أتيت إلى إعلام الشيعة الرافضة -مثلًا- ماذا تجد؟ لو سمعت إذاعة إيران تجد إذاعات أخذت على عاتقها الدعوة للمذهب الرافضي الباطني الخبيث بكافة الوسائل والأساليب التي يحسنونها.
فتأتي إلى تلفازهم، فتجد أنه أخذ على عاتقه نشر المذهب الرافضي الخبيث والتمكين له.
وتنتقل إلى دولة شيوعية تجدها حاولت من خلال أجهزة الإعلام: من تلفزة، وإذاعة، وصحافة، وغيرها، أن تصبغ الشعب كله بالصبغة الشيوعية.
وتأتي إلى دولة علمانية تجد إعلامها خليطًا: يهتم بالإثارة الجنسية، وبالأغاني، وبالموسيقى، ويهتم بالأخبار العلمية البحتة، ويهتم بالرياضة وأخبار الشباب، وما أشبه ذلك، لأنه علماني -لاديني-.
وتأتي إلى الدول الإسلامية، فماذا نجد في إعلامها؟ هل هناك رقابة على إعلام هذه الدولة، أو على المسئولين في الإعلام؟ ماذا يقدمون للناس؟! إذا أردنا أن نحسن الظن، قلنا: ليس هناك رقابة، ولذلك أصبح الإعلام في البلاد الإسلامية -أيضًا- على أحسن الأحوال، إعلام علماني، فربما يكون أحسن إعلام من الناحية الدينية -فقط- هو في المملكة، ومع ذلك يقولون -هم-: إن البرامج الدينية في التلفاز لا تزيد على (25%) إذًا ماذا تكون بقية البرامج، ثم ما نوعية هذه البرامج التي تقدم؟! أما إذا انتقلنا إلى الإذاعات الأخرى: فإنك تجد العجب العجاب، تنظر -مثلًا- في بعض الإذاعات، وماذا تقدم من برامج للطفل وللمرأة وللمواطن تجد شيئًا مذهلًا!! أنا -مرة من المرات- كنت أسمعهم يشرحون حديثًا نبويًا على أنغام الموسيقى!! وأحيانًا ما بين قراءة القرآن وبين الموسيقى إلا المذيع الذي يقدم أو يقول كلمة أو كلمتين، ثم يأتي العزف! وفي كثير من الأحيان تقدم مسرحيات وتمثيليات فيها محادة لله ورسوله، وحرب لله ورسوله، وقد سمعت مرة مسرحية تقدم في إذاعة البرنامج الثاني، امرأة -حسب المسرحية- تحكي قصة رجل دخل عليها وتزوجها، ماذا يفعل الزوج مع زوجته؟ طبعًا نحن في الإذاعة لا نرى لكن نسمع، نسمع همسات الحب، وكلمات الغرام، والألفاظ الرقيقة التي تكاد تذوب رقة وتوددًا وتقربًا وحبًا؛ حتى إن الإنسان الذي يسمعها قد تتحرك عاطفته، وتثور غريزته، فكيف بالذي يمارسها ويفعلها؟! المذيع نفسه أو المذيعة نفسها كيف نتصور؟! مع أنه قطعًا ليس زوجًا لها بالحقيقة إنما هذا تمثيل.
وكم نسبة الأغاني في إذاعاتنا؟! كم نسبة البرامج الهازلة؟! تجد عجبًا عجابًا، وذلك لضعف الرقابة، أو غياب الرقابة، وأنه تسلل إلى هذه الأجهزة كما تسلل إلى الصحافة من قبل أناس لا خير فيهم من العلمانيين أو غيرهم الذين لا يأبهون بدين الناس.
ومن ناحية أخرى: ما هي ضوابط المسئولين عن الرقابة في الإعلام؟ الآن توجد أجهزة رقابة ولاشك، على التلفاز أو الفيديو أو غيرها، ما هي الضوابط عندكم -يا مسئولون عن الرقابة-؟ على أي أساس تمنعون هذه المادة أو تسمحون بها؟ أليس من المؤسف -يا أحبتي- أن يأتي شيخ يتكلم في برنامج فتوى دينية عن تحريم حلق اللحية، فتلغى هذه الفتوى ولا تأتي، لماذا لا تأتي؟ لأنه صعب أن ننشر فتوى أن حلق اللحية حرام في التلفزيون.
فترى -كما حدثني بعض الشباب- رأس الشيخ إذا اهتز علامة على أن هناك شيئًا حذف في برنامج فتاوى، مع أني أعتقد أن العالم في مثل بلدنا يجب أن تكون كلمته هي الأخيرة، فلا أحد يستدرك عليه، ولا أحد يراقب فتواه أو قوله، لكن في مقابل ذلك تأتي إلى الرقابة على أجهزة وأشرطة الفيديو، فتجد أنهم يجيزون موادًا -أستطيع أن أقول بكل ارتياح وأنا مسئول عما أقول-: خليعة، صحيحٌ أنهم لا يسمحون بظهور الرجل فوق المرأة؛ فهم يقطعونه أو يمنعونه، لكن من ابتلوا بهذه الأشياء، قد يرون المرأة -وهذا موجود، حتى أنه يلاحظه الإخوة العاملون في تلك الأجهزة- يرون المرأة وهي لم تستر إلا سوءتها الكبرى، وعليها لباس لا يكاد يواري إلا سوءتها فقط، وقد تكون على شاطئ نهر أو مع مجموعة من الشباب.
إذًا: ما هو الضابط الذي بسببه نمنع مادة، ونجيز مادة أخرى؟ إذا كنا نقول إنه يوجد تساهل وتفريط، فلماذا لا يكون هذا التساهل والتفريط حتى في البرامج الدينية؟ وليس تساهلًا أو تفريطًا في حق واجب، ولكن على حد زعم هؤلاء المراقبين، وإذا كان هناك تشديد إلى هذا الحد، فلماذا لا تراقب البرامج الأخرى ويبعد منها كل ما يخالف الدين؟ وأنا أثق أنه لو أبعد من تلك البرامج التي تعرض كل ما يخالف الدين، لما عرض ولا عشرة بالمائة منها؛ لأن أي تمثيلية تقدم في التلفزيون -مثلًا- لا يمكن إلا أن يكون فيها امرأة! وامرأة كاشفة عن شعر رأسها، ورقبتها، وكفيها، وذراعيها، وقدميها، وساقيها، وهي مع رجال أجانب!! فهذه أقل مخالفة، وهذا مثال في قضية أهمال الرقابة، وإلا فليس الحديث حديثًا عن الإعلام.