قال تعالى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق:33-35] فهذا السياق الآن ذكر فيه البعث ووقوف الإنسان بين يدي الله، والكلام والحوار الذي دار مع الملائكة الكرام الكاتبين، وكلام الشياطين القرناء، وتبرءهم من الإنسان، ثم ذكر فيه مصير أهل الجنة وما يلقون فيها من النعيم، ومصير أهل النار وما يلقون فيها من العذاب والنكال والجحيم، فهذا التفصيل ضمن الإجمال في إثبات البعث يقوي إيمان العبد بالبعث، فإن الإيمان يزيد وينقص -كما هو معروف- ومن زيادة الإيمان: الإيمان بالتفصيل، ولهذا قال الله عز وجل: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة:124] .
لماذا زادتهم هذه السورة إيمانًا؟ كيف زادتهم إيمانًا؟ لما فيها من الآيات والعبر، والأوامر والنواهي، فأدى ذلك إلى العمل بها هذا شيء.
وهناك شيء آخر، لأن الإيمان يزداد بزيادة الشيء الذي آمنت به، فأنت الآن نزلت سورة فآمنت بها فزاد إيمانك ثم نزلت سورة ثانية فآمنت بها فزاد إيمانك، كلما آمنت بشيء جديد زاد الإيمان، ولهذا من رحمة الله أن يفصل لعباده في أمور البعث وغيرها لأنهم كلما آمنوا بشيء جديد زاد إيمانهم.
فمثلًا لو لم يكن الإنسان يعلم إلا أن هناك بعثًا فقط فقال: آمنت بالله وصدقت رسله، وهذا إيمان قوي بالبعث، ثم وصل إلى الإنسان علم أنه بعد البعث هناك الجنة والنار فقال: آمنت بالله، بعد ذلك وصله علم جديد أن هناك الصراط المنصوب، والميزان الذي توزن به الأعمال فقال: آمنت بالله فزاد الإيمان، ثم وصل إليه أيضًا علم جديد في صفة أهل النار وما يلقون فيها من النكال فقال: آمنت بالله فزاد إيمانه، ثم وصل إليه علم جديد عن أهل الجنة وما يلقون فيها من النعيم، فقال: آمنت فزاد إيمانه، وهكذا كل شيء جديد وتفصيل ومعلومات جديدة تقدم للعبد فيؤمن بها، يزداد إيمانه بذلك.
فهذا التفصيل الذي ساقه الله عز وجل في أمر البعث هو زيادة في إيمان العبد لزيادة التفصيل، وهو أيضًا ترسيخ وتقوية لهذا الإيمان، فَفَرقٌ بين الإيمان المجمل والإيمان المفصل.