صنف آخر من الناس كفروا بهذه النعم واستعملوه بما يغضب الله عز وجل، واسترسلوا معها ونسوا حق الله فيها واغرقوا، فهؤلاء هم المترفون.
إذًا الترف ليس مظهرًا فقط، ليس الترف أن تأكل حسنًا، أو تلبس حسنًا، أو تركب حسنًا أو تسكن حسنًا لا ليس هذا هو الترف، ولذلك في الحديث الصحيح، الذي رواه أهل السنن وغيرهم أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أشعث الرأس عليه ثياب بذلة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {من أي المال آتاك الله، فقال له: من كل المال يا رسول الله! من الإبل والبقر والغنم والورق والذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده} فما دام أن الله أعطاك من أصناف المال، أظهر هذا، والبس حسنًا واجعل نعلك حسنًا، وثوبك حسنًا، ومركوبك حسنًا، وهيئتك حسنة، وفي صحيح مسلم: {أن أصحاب النبي سألوا وقالوا: يا رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله جميل يحب الجمال} .
إذًا ليس الترف أن يكون ثوبك جميلًا أو سيارتك فارهة، أو فخمة، ليس هو بذاته الترف بل الترف، ما وراء ذلك.
فالترف هو: الإغراق في النعيم والاسترسال معه حتى إنه يصبح همك هو النعيم، يعني الذي سيارته فارهة لكنه يستخدمها في الطاعة ذهابًا وإيابًا في طاعة الله عز وجل، فهذا جعلها بمنزلة الحمار الذي يركبه ويطؤها بقدمه، ويستخدمها ولا يخدمها، لكن الذي سيارته أصبحت كل همه، فهو من حين تطلع عليه الشمس، وهو يشتغل في السيارة وفي تغسيل العجلات، وتصليحها، وكل يوم يخرج بطريقة جديدة واليوم ستائر للسيارة وتغسيلها، ولو حسبت الوقت الذي يقضيه في تغسيل السيارة يمكن يقدر على الأقل خمس ساعات في اليوم، أذكر أنني ما مررت من عند شاب من أمام بيته إلا وهو يغسل سيارته، إما في العجلات أو في الزجاج أو في السيارة أو في المقدمة أو في المؤخرة، هكذا أصبحت السيارة ليست مجرد آلة، أو وسيلة يستخدمها فيما يرضي الله، لا! بل أصبحت همًا يهيمن عليه، وهذا موجود عند كثير من الشباب أي التفاخر بالسيارات وألوانها، ومراكبها والدوران بها، واستخدامها في معاصي الله عز وجل، فهذا يدلك على جانب من الترف، وهو أن تصبح الدنيا وأن تصبح النعم هدفًا ويسعى إليه الإنسان، يسعى في تحصيله بكل ما يستطيع، فهؤلاء هم المترفون وهذا هو الترف.