الدلالة الثالثة من دلالات الرؤيا: أن في الرؤيا تطلعا إلى المجهول المغيب عن الإنسان.
ومن حِكمة الله تعالى أنه غيَّب عن الإنسان أشياءَ كثيرة، عالَم الغيب محجوبٌ عن الإنسان، فالإنسان بطبيعته يتطلَّع إلى المغيَّب عنه، فإن كان مؤمنًا فإنه يتطلع بطريقة، وإن كان غير مؤمن فإنه يتطلع بطريقة أخرى.
خُذ على سبيل المثال: كثيرٌ من الناس يتجهون إلى التعرف على المحجوب عنهم عن طريق الخط في الرمل، والضرب بالحصى، وإتيان الكهان والعرافين والمنجِّمين وغيرهم، الذين يدَّعون علم الغيوب، فيقولون للناس: سيحدث كذا وكذا، وكذا، وهذا من وحي الشياطين إليهم.
ومثله الخط في الرمل والضرب بالحصى وغيرها.
فبعض الشباب -مثلًا- إذا أهمه أمر وأراد أن يعرف نتيجته؛ يسلك طريقة هي طريقة الخط في الرمل؛ لأنهم يهتمون بأمور دنيوية؛ فإن الواحد منهم إذا اهتم بموضوع الرياضة، فالرياضة أصبحت همًا مقلقًا لكثير من الشباب، فهو يهتم لقضية من يفوز في مباراة رياضية، لكن لا يهتم بقضية الإسلام، وقضية انتصار الإسلام، وقضية التنصير الذي يجتاح المسلمين، وقضية احتلال اليهود لبلاد الإسلام، والشيوعيين، والنصارى، هذه قد لا تهمه.
يهمه أن فريق كذا انتصر على كذا، فإذا أُعْلِنَ عن مباراة حاوَلَ أن يتعرَّفَ على نتيجة المباراة قبل حصولها، كيف؟ يخط خطوطًا في السبورة أو في الأرض مثلًا هذا يفعله بعض الشباب، يضاهِئون به فِعْل أهل الجاهلية، ويَتْبَعُون به وحيَ الشياطين، فيخطون خطوطًا عشوائية، فيقولون: إن كانت الخطوط فردية، فالنصر حليف فلان، وإن كانت الخطوط زوجية؛ فالنصر حليف فلان، ثم بعدما ينتهون من التخطيط العشوائي يبدءون في العد، فإذا كان فرديًا قالوا: المنتصر فلان، وإن كان زوجيًا قالوا: المنتصر فلان.
إذًا: يتعرف الإنسان غير المؤمن أو ضعيف الإيمان، الذي يَتَّبِع الشيطانَ في كثيرٍ من أموره، يتعرف أو يحاول أن يتعرف على ما حُجِب عنه عن طريق الوسائل المحرمة.
ولعلكم تشاهدون ما يُكْتَب في المجلات والصحف اليوم، وهي تباع في أسواقنا مع الأسف الشديد: حظك هذا الأسبوع، أو ما أشبه ذلك، ويضعون بروجًا معينة، فإذا كنتَ من مواليد برج الثور، أو مواليد برج الحوت، فإنه في هذا اليوم سوف يحصل لك أزمة عاطفية، أو يحصل لك أمور تجارية، ومكاسب تجارية، أو صفقة مربحة، أو يحصل لك كذا وكذا.
ومع الأسف أن المسلمين يشترون هذه الأشياء بأموالهم، ويتعاطونها فيما بينهم، وينسون هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي حذَّر من الكهان والعرافين والمنجمين، وبيَّن أن من صدقهم فإنه كافر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أتاهم ولو لم يصدقهم؛ فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، صح ذلك عنه عليه الصلاة والسلام.
هذا شأن غير المهتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، يتعرفون على المحجوب عنهم بهذه الطريقة.
أما المهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يُفْتَح له روزنة إلى ما حُجِب عنه -إلى المجهول- عن طريق الرؤيا وما أشبهها، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: لم يَبْقَ من النبوة إلا المبشرات.
قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة، يراها الرجل، أو تُرى له وإنما عدَّها النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة؛ لأن هذه المبشرات فيها إشعار للمؤمن بأمر خير سيقع، فيكون فيها تبشير له بما سيقع من هذا الخير، وقد يكون فيها تحذير المسلم من شر سيقع؛ ليأخذ أُهْبَتَه واستعداده له، فتكون محذرات، وإنما سماها مبشرات على سبيل التغليب، ولأنها بالنسبة إلى غيره تعتبر خيرًا له.
فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن هذه الرؤى من المبشرات، كما أنه عليه الصلاة والسلام قال في الحديث المتفق عليه أيضًا: {الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة} وفي لفظ: {الرؤيا الصالحة جزءٌ من سبعين جزءًا من النبوة} .
وقد أطال أهل العلم في الكلام على معنى كون الرؤيا من النبوة، بما لا أرى ما يدعو إلى الحديث عنه الآن والإطالة في شأنه، لكن من الأشياء المشهورة في هذا الباب: ما ذكره الإمام ابن القيم، وذكره قبله جماعة من العلماء: أن معنى كونها جزءًا من (46) جزءًا من النبوة: أن الرؤيا الصالحة في أول النبوة، مكثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم مكث ثلاثًا وعشرين سنة نبيًا رسولًا عليه الصلاة والسلام فستة أشهر إلى ثلاث وعشرين سنة هي جزء من ستة وأربعين جزءًا.
وهذا التفسير عليه بعض الاعتراضات والمآخذ، التي من أهمها: إن الحديث جاء في سياق بيان البشارة للمؤمنين بالرؤيا، وعلى هذا التفسير تكون خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم على أي حال هذا أحد الأقوال في الحديث.
والأقرب والأظهر عندي -والله تعالى أعلم- أن مقصود الحديث: أن الرؤيا فيها إشعار للمؤمن بخير سيقع ليغتنمه، أو بشر سيقع ليجتنبه ويحذر منه ويتخذ أُهبته واستعداده، فهي من هذا الوجه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ لأن فيها إخبارًا لهذا المؤمن بأمر غيب لم يقع، وإن كان لا يمكن الجزم والقطع بهذه الرؤيا إلا إذا وقعت؛ لأنه قد يخطئ الذي عبَّرها، وقد تكون على خلاف ما ظن أو على خلاف ما توقع.
المقصود: أن المؤمن فتح الله تعالى له هذا الرَّوْزَنَة، لمعرفة بعض الأحداث والأشياء التي وقعت أو ستقع أيضًا، كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام علَّم المؤمنين موضوع الاستخارة في الأمور المستقبلية، كما في صحيح البخاري من حديث جابر: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه باسمه- خير لي في ديني ودنياي، وعاجل أمري وآجله، ومعاشي ومعادي فاقْدِرْه لي ويسره لي، وإن كنت تعلم غير ذلك فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضِّني به} في مقابل أن أهل الجاهلية كانوا يستقسمون بالأزلام -مثلًا- لمعرفة الأحسن من الأمور في ظنهم، وأهل هذا الزمان لهم طرق -أيضًا- تناسبهم في معرفة الأنسب من الأمور، وفعلها أو تركها، مثلما يقولون: قراءة الكف، أو غير ذلك من الوسائل الجاهلية، ففي الإسلام بدل وعوض عن كل أمر يطمح ويتطلع إليه الناس.