النص الثالث وهو نص مهم أحب أن نقف عنده بعض الشيء، وهو قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112] .
تأمل أيها المسلم هذه الآية، هناك في الدنيا منهجان: المنهج الأول: منهج الأنبياء والمرسلين وهو طاعة الله في كل شيء، بما في ذلك طاعته في الحكم والتشريع، ولذلك ستجدون في آخر الآيات قوله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام:114] أي لا أبتغي حكمًا غير الله؛ لأنني على منهج الأنبياء السابقين.
المنهج الثاني: منهج أعداء الأنبياء، من هم أعداء الأنبياء؟ إنهم شياطين الجن والإنس، قال تعالى: {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام:112] ثم بيّن الله عز وجل وحي هؤلاء الشياطين، فقال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] أي: أنهم يخترعون دينًا وشرعًا لم يأذن به الله، ثم يزخرفون هذا الدين وهذا الشرع بالقول الحسن الجميل الذي يخدع ويبهر السذج والغوغاء والدهماء من الناس فيتبعونه {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112] .
إذًا هذه الآية هي في حق كل مشرع من دون الله من طواغيت الشرق والغرب، من المقننين الذين يضعون الأنظمة والدساتير والقوانين لتنظيم شئون الحياة كلها، هذه الآية في حقهم.
ثم تحدثت الآية التي بعدها عمن قبل هذا الشرع وهذا الحكم وانقاد له وأذعن، فقال الله عز وجل: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الأنعام:113] من هم الذين يصغون إلى هذا الزخرف الباطل من القول الذي وضعه حثالات البشر من اليهود وغيرهم؟ من الذين يصغون إلى هذا القول؟ يقول ربنا عنهم: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الأنعام:113] .
إذًا نرجع للقضية الأساسية وهي أن كل من اتبع شرعًا غير شرع الله أو حكمًا غير حكمه، أو دينًا غير دينه؛ فإننا نعلم أن هناك فسادًا في قلبه وإنكارًا للآخرة؛ لأن الله عز وجل قال: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام:113] .