فهرس الكتاب

الصفحة 2963 من 10422

يا أهل الجزيرة! لننظر في حياتنا، ولا أقول في حياتكم، لأني أخاطبكم وأنا واحد منكم، لننظر في حياتنا المساجد موجودة، والمصاحف موجودة وحتى مطبوعة في هذه البلاد ذاتها، لكن أليس من الصد عن سبيل الله تعالى أن يكون عامة الناس في بلاد الدنيا كلها يعرفون الإسلام من خلال الرجل العربي الذي يلبس الثياب العربية، أو ما يسمونه بالثياب الخليجية.

فبمجرد ما يشاهدون في التلفاز أو في الجريدة، أو حتى في الشارع، رجلًا يلبس ثوبًا عربيًا، فضلًا عن أن يلبس غترةً، فإنهم يعتبرون هذا رمز الإسلام، وهو عندهم تلقائيًا -ولا تؤاخذوني- رمز التخلف والجهل والإرهاب والعنف والضعف بكل صوره وأشكاله، اللهم إلا أن يكون الجانب المتعلق بالعلاقة مع الأنثى، فهم يعتبرونه في هذا الجانب بالذات رمز القوة والقدرة، فهو الذي يتعاطى مع عدد من النساء ليس فقط بالحلال، في نظر هؤلاء الغربيين، بل وفيما فوق ذلك، وهذا كله بدون شك نتيجة تأثير الإعلام الغربي، لكن هل نستطيع أن نخرج أنفسنا من مسئولية ذلك؟ كلا! فنحن جزءٌ من واقع مرير، يساهم بالصد عن سبيل الله عز وجل.

وكما تشعر أنت بالخوف بمجرد أن ترى أسدًا أو ذئبًا، فإن كبارهم وجهالهم وأطفالهم ونساءهم يشعرون بالخوف والرعب بمجرد أن يشاهدوا هذه الصورة، هكذا رسم إعلامهم، وهكذا ساهمنا نحن سواء من خلال سكوتنا، أو من خلال عدم قدرتنا على تقديم الصورة الإسلامية الصحيحة لهم، أو عدم قدرتنا على تمثل الإسلام في واقع حياتنا، فلماذا نلوم الآخرين دائمًا ولا نلوم أنفسنا؟ لا تلوموا الصورة يا أهل الجزيرة! فالحقيقة أحق باللوم! هل واقعنا يحكي الإسلام، أو يمثل الإسلام بجملته وتفصيله، أفرادًا وجماعات، دولًا وحكومات؟! أقول بملء فمي: لا.

ولا أعتقد أن أحدًا في الدنيا كلها يمكن أن يخالف في ذلك.

يا أهل الجزيرة العربية! يا أهل جزيرة الإسلام! أين هداية القرآن الذي تحملونه، ونزل بلغتكم وفي أرضكم، وبه تفتخرون، وإليه ترجعون فيما تزعمون؟! أين هداية القرآن عن علاقاتنا الاجتماعية التي أصابها خلل كبير، فلم تعد رابطة الإيمان هي الرابطة الحقيقية بيننا؟! بل عملت روابط أخرى كثيرة منها: رابطة النسب، أو القبيلة، أو الأسرة، أو المكانة، ولكن رابطة الإسلام ربما كانت من آخر ما نفكر فيه أحيانًا.

أين هداية القرآن عن علاقاتنا الخارجية مع غيرنا من الناس، أعداءً كانوا أو أصدقاء، مسلمين أو كفارًا، قريبين أو بعيدين؟ كيف اختلت هذه العلاقات؟ فجعلنا العدو صديقًا، والصديق عدوًا، وقربنا البعيد، وأبعدنا القريب، واختلت عندنا الموازين، حتى أصبحنا نخشى ألا نجد يومًا من الأيام من يغضب لغضبنا، أو يرضى لرضانا، أو يستجيب لصيحتنا، أو يتعاطف مع مصابنا؟! أين هداية القرآن عن الإعلام الذي افترضوا فيه أن يكون الصدق بعينه، وأن يكون توجيهًا للعقول والقلوب، وتنويرًا للأبصار، وحفظًا للأمم؟! فما بالنا أصبحنا نتلمس الصدق والحقيقة في إعلام بعيد، يكون في لندن، أو واشنطن، أو حتى في إسرائيل؟! لكن لا تكاد تجد من يثق بالإعلام العربي في تناوله للأحداث، فضلًا عن قدرته على صياغة العقول والقلوب والمجتمعات صياغة حقيقية!! أين هداية القرآن عن الاقتصاد؟ وهو -أعني القرآن- الكتاب الذي جاء بإعلان الحرب الصريحة على الربا.

يا أهل الجزيرة العربية! هذا قرآنكم، وقرآن المسلمين يخاطبكم بالآية الكبيرة البينة، والحجة الواضحة على من كانوا قبلكم: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء:160-161] الظلم يضرب بجرانه في كل مكان، والصد عن سبيل الله من خلال أحوالنا، وأقوالنا، وسلوكنا الشخصي الفردي، والاجتماعي العام والخاص {وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء:161] .

من هو الذي لم يأكل من أموال الناس شيئًا بالباطل، أو لم يتدنس جوفه أو جيبه بالربا، والله تعالى ذكر أنه عاقب الذين هادوا، بأن حرمهم شرعًا من طيبات كانت حلالًا لهم بهذه الذنوب، أفلا يحرمنا الله تعالى قضاءً وقدرًا -فإن شرع الله لا يتغير- من بعض ما أنعم به علينا بسبب هذه الذنوب؟! {وَضَرَبَ اللَّهُ مثلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت