أيها الأحبة: أمر ثالث: فمجالات الدعوة إلى الله مجالات واسعة، لا تحدها الحدود والسدود، ولا تحول دونها الحوائل والقيود، والداعية الصادق لا يتوقف عن دعوته، ما دام دمه يجري في عروقه، فالدعوة نبضه وحياته وخفق فؤاده، والداعية الصادق هو من إذا ضاق عليه طريق شق لخدمة دعوته ألف طريق؛ وإذا أُغْلِقَ في وجهه باب، فتح لخدمة دينه ألف باب.
وقد جاء الإسلام يعلمنا الكثير أيها الأحبة، وعلى سبيل المثال قف قليلًا وتأمل هذه النصوص النبوية، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: {يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله، فقلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها، قال: فقلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق، قال: قلت يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك} .
فهناك مستويات شتى تبدأ بالجهاد في سبيل الله والإيمان به، الذي فيه بذل الروح ونزف الدم، وعقر الجواد وتنتهي بأن تكف شرك عن الناس، فهو صدقة منك على نفسك، وبين ذلك مراحل ومراحل قال تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة:60] وكل إنسان يضع نفسه في الموضع الذي يرى أنه يطيقه ويستطيعه، حتى أولئك الذين تأصلت فيهم السلبية وعجزوا، يكفي أن يكفوا شرهم عن الناس، وهذه صدقة منهم على أنفسهم، ولم يكن أبو ذر رضي الله عنه -بحال من الأحول- واحدًا من هؤلاء، بل كان من أهل البذل والتضحيات الجسام، لكنه يسأل هذا السؤال تواضعًا لله عز وجل وتعليمًا لمن وراءه، وإدراكًا أن الإنسان الواحد قد يكون في حال من الأحوال، صاحب بذل وتضحية في سبيل الله، وفي حال أخرى قد يدركه شيء من الضعف، فيقعد عن بعض العمل.
وهناك حديث آخر عن أبي ذر رضي الله عنه، قال يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق} من هو الذي لا يملك الابتسامة الصادقة التي تكسو وجهه، فتكشف عن قلب لا يحمل لإخوانه المسلمين، إلا الحب والوداد، ولا يتمنى لهم إلا السعادة والتفوق، وليست البسمة الصفراء، التي تخفي وراءها الغدر والخديعة، {ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وتبسمك في وجه أخيك صدقة} .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة} وفي رواية {ولو ظلفًا محرقًا} أي تتصدق المرأة لجارتها ولو بظلف شاة، ولو كان الظلف محرقا أيضًا، فإنه لا يجوز لها أن تحقر هذه الصدقة لأختها المسلمة، وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة} وكل هذه الأحاديث صحيحة.
ولذلك قال الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين: (باب كثرة طرق الخير) وساق أحاديث كثيرة جدًا، تدل على أن أبواب الخير كثيرة غير محصورة، وأنه لا أحد يقول: لا أستطيع، بل كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فهو يستطيع أن يصنع الكثير، شريطة أن يكون عنده إيمان بالله، ثم عنده ثقة بما أعطاه الله تبارك وتعالى وأنعم عليه.