هذه إلى كلمات جميلة، قالها إمام من أئمة المسلمين، وعالم من كبار علمائهم وجهابذتهم هو شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، وإن النفوس خلقت لتعمل لا لتترك، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام} .
لماذا كان أصدق الأسماء حارث وهمام؟ لأن حارثًا مأخوذ من الحرث، وهمامًا مأخوذ من الهم وما من إنسان مخلوق على هذا الأرض إلا وهو حارث وهمام؛ لأنه يهم ويعمل، فالإنسان خلق ليعمل لا ليترك ولا يترك شيئًا إلا بشيء.
ويقول رحمه الله كلمة مكملة للكلمة الأولى: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، ولم بتبديل الفطرة وتغييرها، فالفطرة التي جبل الله الناس عليها نزلت الأديان موافقة لها منسجمة معها، ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة واتفق على إخراجه البخاري ومسلم: {ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، حتى يبين عنه لسانه -والمقصود بالفطرة الملة- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يشركانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء} أي: أن الأصل عند البهيمة أن تولد مكتملة الأعضاء، حتى يأتي أهلها، فيقطعون أذنها أو يشقونها، أو يفعلون ما كانوا يفعلون في الأزمان الغابرة.
ويقول رحمه الله في كلمة له: إن التشديد على النفس ابتداءً يكون سببًا لتشديد آخر يفعله الله، أي أن الإنسان إذا بدأ يشدد على نفسه تشديدًا لم يأتِ به الإسلام والشرع، فإن الله عز وجل يقيض له تشديدًا حقيقيًا، فيكون تشديده على نفسه في البداية سببًا لتشديد آخر يفعله الله به، إما في الشرع وإما في القدر.
قال: فأما بالشرع فمثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا في صلاة التراويح معه، ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل أن من نذر شيئًا من الطاعات وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الموجبة بأسبابها.
أي أن الناس الذين كانوا يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وفي وقت التشريع عن أمور فيها تشديد قد يبتلون نتيجة لذلك بأن تفرض عليهم هذه الأشياء، كما علل الرسول صلى الله عليه وسلم عدم استمراره على صلاة التراويح جماعة في رمضان، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح {إن من أعظم الناس جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته} وكذلك من نذر شيئًا قد يكون صعبًا وشديدًا، هذا الشيء ليس موجبًا عليه في الأصل، فمن نذر إن شفا الله مريضه أن يصوم شهرًا على سبيل المثال، فصوم هذا الشهر هو ليس موجبًا عليه في أصل الشرع، والعليم الخبير بالنفوس لم يوجب على الناس إلا صيام شهر واحد في السنة، لكن من شدد على نفسه بالنذر، شدد الله عليه فصار واجبًا عليه أن يفي بنذره، مع أن النذر ليس مشروعًا في الأصل، بل هو مكروه، بل قال شيخ الإسلام: إنه محرم.
وكذلك الكفارات الموجبة لأسباب يفعلها الإنسان ابتداءً، فهذا تشديد من الله في الشرع على من شدد على نفسه ابتداءً.
أما تشديده سبحانه وتعالى على من شدد على نفسه ابتداء أيضًا، فكثيرًا ما قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء فيبتلى بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من الموسوسين في الطهارات، إذا زادوا على المشروع ابتلوا بأسباب توجب عليهم أشياءً فيها عظيم مشقة ومضرة، فالله عز وجل أوجب علينا في الوضوء غسل هذه الأعضاء مرة، وما زاد إلى ثانية أو ثالثة فهو تطوع، خلا الرأس فإنه لا يمسح إلا مرة واحدة، ولكن من شدد على نفسه في أمور الطهارة، وبالغ في التطهر حتى غلا وبلغ الحد المشروع، قدر الله عليه أسبابًا حقيقية تجعله يزداد في غلوه وتشدده وتنطعه، وهكذا من شدد شدد الله عليه، وفي الحديث {شددوا فُشدِّد عليهم} كما في سنن أبي داود.