النوع الثاني: هو ما يمكن أن يُسمَّى بالحصار الإعلامي.
وأعني بالحصار الإعلامي: محاولة تشويه الدعوة ونشر الإشاعات الكاذبة حولها.
قريش فعلت هذا الحصار الإعلامي، بطريقة تتناسب مع عصرها وبيئتها، فبعد ما استفاد الرسول عليه الصلاة والسلام من التجمعات التي كانت تحدث في مكة، مثل اجتماعهم في سوق عكاظ، ومجنة وذي المجاز وغيرها، وكذلك في مواسم الحج التي كانت العرب تجتمع فيها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يذهب، وأحيانًا كان يذهب ومعه أبو بكر إلى القبائل، فيعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم دعوته، كما ورد في حديث ربيعة بن عباد الديلي، وطارق بن شداد وجابر وغيرهم، وهي أحاديث صحيحة ثابتة، أن الرسول عليه السلام كان يأتي إلى الناس والقبائل، فيقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن بنو فلان.
فيقول: من يؤويني وينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي؟ فإن قريشًا منعوني أن أبلغ رسالة ربي وأحيانًا يقول لهم: {يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} وكان خلفه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين، يلاحقه ويرميه بالحجارة ويضع التراب على رأسه ويقول: لا تطيعوه! إنه صابئ كذاب، يريد أن تتركوا ما تعبدون، ويريد أن تتركوا حلفاءكم من الجن.
فيقول ربيعة: سألت أبي: من هذا؟ قال: هذا محمد وهو يذكر النبوة، وهذا الذي خلفه يمشى وراءه هو أبو لهب بن عبد العزي.
فكانت قريش تحاول أن تحاصر الدعوة الإسلامية حصارًا إعلاميًا، حتى إذا قدم أحد إلى مكة قالوا له: إن محمدًا -ونقول صلى الله عليه وسلم- ساحر، يفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وأخيه.
فلا يزالون ببعض الناس حتى يضعون في آذانهم القطن -كما ورد في قصه الطفيل، وهي قصة في الصحيح- حتى لا يسمعوا شيئًا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى هذا الحد بلغت محاصرة قريش الإعلامية لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
واليوم في هذا العصر وسائل الإعلام أصبحت تؤثر في الناس، وتصوغ عقولهم ومناهجهم وأفكارهم، ربما نستطيع أن نقول: إن وسائل الإعلام أبلغ من أي أمر آخر في التأثير على الناس، أبلغ من المدرسة مثلًا، وأبلغ من الأصدقاء، وأبلغ من أي وسيلة أخرى.
وسائل الإعلام اليوم أخذت جميع الوسائل، فلننظر ماذا تقول وسائل الإعلام أو الكثير منها عن المسلمين وعن الإسلام.
كثيرًا ما نجد من يصف المسلمين والدعاة بأوصاف مثل لفظ الأصوليين، -مثلًا- أو لفظ المتطرفين، أو غير ذلك من الألفاظ التي يريدون من ورائها السب والشتم، أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين -في الماضي والحاضر والمستقبل- يوجد بينهم غلاة، ويوجد بينهم من تجاوز الحد ومن يعتدون ويظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، ويوجد بينهم المخطئ، لكن هل أصبح هؤلاء هم الأكثرية والأغلبية حتى أن معظم الحديث ينصب عليهم؟ ثم ما هذه التقسيمات التي أصبحنا نسمعها عن عامة المسلمين، أن هؤلاء متشددون وهؤلاء معتدلون، وهؤلاء متطرفون وهؤلاء كذا وهؤلاء كذا؟ هل من حق إنسان سواءً كان علمانيًا أو زنديقًا أو ملحدًا أو عدوًا للإسلام، ربما لا يصلي مع الجماعة، ولا يُعرف بأنه من العلماء ولا من طلاب العلم، ولا من الدعاة إلى الله عز وجل، هل من حقه أن يصنف المسلمين إلى مثل هذه الأصناف؟ نحن قد نقبل تصنيف العلماء، حين يقول لنا أهل العلم الشرعي المعروفون الموثوق بهم: إن هذه الفئة ضالة أو غالية أو متطرفة.
نقبل ذلك، وحين نجد أدلة صريحة على ذلك نقبل، لكن حين يقول لنا إنسان -نعرف أنه ليس من أولياء الإسلام، ولا حزبه ولا من أهله، شخص قضى عمره في حرب الإسلام، وفي تشويه التاريخ الإسلامي، وفي الوقيعة بين المسلمين -فنجد أنه يتعارض لشخصيات إسلامية مرموقة، شخصيات جاوزت القنطرة، شخصيات دعوية جهادية، علمية، فيبدأ يشرِّح ويجرح، ويرفع هذا ويخفض ذاك، فإننا نقول لكل مسلم: إنه لا ينبغي لك أن تصغي لمثل هذا، وإن أصغيت له فلا تقبل منه، بل كن معه كما قال الأول: لقد أنلتك أذنًا غير صاغيةٍ ورب متنصت والقلب في صمم أما أن نتقبل نحن -مثلًا- ترويجات الصحافة والإذاعة وأجهزة الإعلام، في تقسيم المسلمين وتصنيفهم، فهذا خطأ كبير، وأعود فأكرر وأقول: أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين من يقع منهم الخطأ، ويوجد غلاة في الماضي والحاضر والمستقبل، بل يوجد في كل أمة من الأمم، على سبيل الإجمال والتفصيل، ما من أمة في الدنيا إلا ويوجد فيها غلاة ومعتدلون، ويوجد فيها مفرطون، سواءً الأمم الكتابية كاليهود والنصارى، أو الأمم الوثنية أو الشيوعية أو غيرها، تجد في الشيوعية -مثلًا- الغلاة الشيوعيون الحمر، الذين لا يؤمنون إلا بالقوة والحديد والنار، وتجد فيهم من دون ذلك، وتجد فيهم من يتسامحون في هذا الأمر ويجاملون الأوضاع، وقد يتمسحون بالإسلام ويخادعون أو يتقون به.
من الاتهامات التي توجه -أحيانًا- عبر هذا الحصار الإعلامي للدعوة الإسلامية: اتهام الدعاة في نياتهم ومقاصدهم.
وإمام هذه الطريقة هو فرعون، فإنه كان يقول لموسى وهارون، يتهمهم بأن لهم مطامع ونيات سياسية: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عليهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} [يونس:78] أي: إنكم تريدون من وراء هذه الدعوة، أن تكونوا زعماء وقادة وسادة، ويكون الأمر لكم {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس:78] .
وبعده واجه الرسول صلى الله عليه وسلم التهمه نفسها، فلما جهر بدعوته وقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص:5-6] وقولهم: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص:6] -كما ذكر بعض المفسرين- يقصدون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليس يريد دعوتكم للإسلام، وإنما يريد أن تكونوا أتباعًا له، وأن يكون زعيمًا وقائدًا لكم، فاتهموا الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقظًا في هذا الأمر -وهو كذلك- وقد سدده الله تعالى وعصمه، فكان يتجنب الأمور التي تكون مدعاة لإثارة الأقاويل في هذا الباب، كما سيأتي.
ومن التهم -أيضًا- التي واجهها العلماء عبر التاريخ: ما نذكره أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قام بدعوته وإصلاحه وتجديده، وشى به بعض الناس إلى السلطان المملوكي، وقالوا له: إن ابن تيمية يريد الملك ويريد السلطان.
فدعا ابن تيمية وأحضره في مجلسه، وسأله عما قيل له، فقال له ابن تيمية: أنا أريد ملكك! والله إن ملكك وملك التتار لا يساوي عندي فلسًا واحدًا، إنما أنا أدعو إلى الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أما الدعاة المعاصرون، فكم رأينا وسمعنا من يتهمهم بمثل هذه التهمة، وأنهم متآمرون، وأن لهم مطامع، وأن لهم مقاصد وأغراض سياسية، وما أشبه ذلك، ولذلك أقول: إن كثيرًا من الناس يُلتبس عليهم هذا الأمر، لأننا لا نقول: إن الإسلام لا سياسة فيه مثلًا، بل السياسة جزء من الدين ولاشك في هذا، والقرآن الكريم فيه نصوص كثيرة تتعلق بتنظيم حياة الناس، كأفراد ومجتمعات ودول وأمم إلى غير ذلك، وفى القرآن الكريم قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] الظالمون، الفاسقون.
ولهذا أرى أنه من الواجب على الدعاة -دائمًا وأبدًا- أن يحرصوا على تجنب كل أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، مثلًا: تحالف بعض المسلمين مع جهات مشبوهة أحيانًا، هذا يحدث، وهو يوقع لبسًا عند كثير من الناس، أن هؤلاء القوم ليس لهم هدف إلا الوصول إلى السلطة، فبأي أمرٍ وصلوا لا يهمهم ذلك.
فلهذا نقول: الأجدر بالداعية أن يتجنب أي أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال -كما في الصحيحين من حديث عائشة - قال لـ عائشة رضي الله عنها: {لولا أن قومك حديثو عهد بكفر؛ لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه} لكنه لم يفعل ذلك الذي تمناه صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الفعل قد يوقع عند الناس لبسًا، وقد يقول بعضهم -وهم حديثو عهد بكفر-: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم صنع هذا ليكون له مكانة، أو حتى يذكر بهذا، أو حتى يكون له الذكر الحسن، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي قد تسبق إلى أذهانهم، فاتقى النبي صلى الله عليه وسلم هذه المصلحة تحصيلًا لما هو أعظم منها، وكذلك أقول: الداعية يهمه ثقة الناس به وبدعوته، حتى لو فاتته بعض المصالح الآنية العاجلة.
وذلك لأن تحطيم شخصية الداعية هو تحطيم للدعوة، والناس لا يمكن أن يتصوروا حقًا مجردًا عن الأشخاص، ولذلك الله عز وجل كان يرسل الرسل من الناس وينزل معهم الكتب؛ لأن مجرد إنزال كتاب -مثلًا- أو مجرد كلمة الإسلام؛ لا يمكن أن يتقبلها الناس، إلا بعد أن تتمثل في أشخاص يدعون إليها، فبعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، ثم جعل العلماء والدعاة من بعده يرثون هذا التراث والميراث والهدي الذي خلَّفه لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فحماية شخصية الداعية، من أن يمسها سوء أو تنال بسوء أو يعلق عليها أحد، هو من أعظم المقاصد الذي ينبغي الحرص عليها.
ولهذا نجد أنه -أيضًا- عبر التاريخ، هناك من يُحاول تشويه وتلويث شخصيات الدعاة بأي صورة، حتى -أحيانًا- في أمور تستطيع أن تقول: إنها تافهة.
خذ مثلًا: ما قاله بنو إسرائيل عن موسى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} [الأحزاب:69] إذًا هو مجرد تشويه بأي أسلوب وبأي صو