إن من يحمل هم الإسلام، فإن كل شيء يذكَّره بقضية الإسلام الكبرى، فما يشاهده، وما يسمعه، وما يحسه، دائمًا يذكره بقضية الإسلام، ومرة أخرى انظر في المشاعر البشرية، مشاعر البشر مع البشر، هذه الخنساء توفي أخوها صخر، وقصتها معروفة وشعرها فيه، لكن كانت تقول: يُذكرُني طلوع الشمسِ صخرًا وأذكره لكل غروب شمسِ فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلتُ نفسي هذه امرأة في الجاهلية وقد زينها الله تعالى في الإسلام، فأقلعت عن مثل هذا، لكنها كانت تتذكر أخاها مع طلوع الشمس ومع غروبها، ومثله أيضًا حارثة أبو زيد، لما غاب عنه زيد وفقده في صغره، كان يتغنى ويبحث عنه ويقول: بكيت على زيد ٍ ولم أدر ما فعل أحيٌ فيرجى أم أتى دونه الأجل فوالله ما أدري وإني لسائل أغالك سهلُ الأرض أم غالك الجبلْ تُذكرُنيه الشمس عند طلوعِها وتَعرض ذكراه إذا غربها أفلْ وإن هبت الأرياح هَيَّجنَ ذِكرهُ فيا طول ما حُزني عليه وما وجلْ سأعملُ نصَّ العيش في الأرض جاهدًا ولا أسأم التطوافُ أو تسأم الإبلْ حياتي أو تأتى عليَّ منيتي فكل امرئٍ فانٍ وإن غره الأملْ فيظل يتذكر ولده الذي فقده من سنين مع الشمس، في طلوعها وغروبها، مع الرياح، ومع الذهاب والإياب! كلما نزل في منزل تذكر زيدًا، هذه مشاعر البشر مع البشر، فما بالك بمشاعر الإنسان مع قضية كبرى هي قضية الدين، لابد أن تكون أرقى وأسمى وأعظم وأعمق من ذلك، ولذلك انظر في هذه النماذج.