فهرس الكتاب

الصفحة 5075 من 1

من المعلوم أن العقل منحهٌ وعطيةٌ من الله تعالى للإنسان، وبناءً عليه كُلِّف العبد بسائر أنواع التكاليف, وصار إنسانًا محترمًا مطالبًا مختارًا -كما هو معروف- مميزًا على سائر الحيوانات، فصلاح العقل وصلاح القلب وتزيينه، هو بمحبة الله تعالى ومراقبته، التي هي ميزة للمؤمنين عن الفجار والمنافقين، فبعض الناس مثلًا ربما ميّز ظاهره وزينه, بحسن الملابس، والعناية بالصحة, وبالمحافظة على الرشاقة والجمال -كما يقال- بتدريبات يومية يؤديها صباحًا أو مساءً, بعضهم إذا زادت عنده نسبة التضخم، فإنه يعمل ما يسمونه (بالرجيم) وهو نوع من الحمية التي يمتنع بها عن بعض الأطعمة, حتى يعود وزنه إلى حجمه الطبيعي، ولا يلام -على كل حال- على مجرد هذه الأشياء, إنما المقصود أن العبد يحرص على تزيين ظاهره بهذا الشكل, وعلى كسب رضا الآخرين وإعجابهم، فإذا أبدوا ارتياحًا لهذا، وقالوا: ما شاء الله! فلان أو حتى فلانة تتميز بالرشاقة والجمال واعتدال القوام, وأنها ليست زائدة ولا ناقصة, ولا طويلة طولًا مفرطًا, ولا قصيرة قصرًا مفرطًا إلى غير ذلك, فإن الإنسان يسر ويبهج لأنه كسب رضا الناس وثناءهم ومديحهم.

فكما أنه يفعل ذلك فهو مطالب -أيضًا- بأن يزين باطنه بمحبة الآخرين, وحسن الظن بهم، وأن يفرح لهم بما يصيبهم من خير, وأن لا يكون في قلبه على أحد منهم حقد أو حسد, أو أن يكون أنانيًا أو كذابًا أو مغرورًا, أو ما شابه ذلك.

فكما يزين ظاهره ينبغي أن يزين باطنه, وكما أنه يكره أن يراه الناس على حال يذمونه عليها, فإنه ينبغي أن يدرك أن فساد الباطن أعظم من ذلك بكثير، ولهذا قال القائل: لا يعجبن نظيمًا حسن بدلته وهل يروق دفينًا جودة الكفن ماذا ينفع الميت أن يكون كفنه حسنًا، فإنه ينزع نزعًا سريعًا، فكذلك لو كان الإنسان مثلًا سيء الباطن، حقودًا حسودًا أنانيًا كذابًا فاسد الطبع, فإنه لا ينفعه أن يكون حسن الظاهر, وكما قيل أيضًا: يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتعبت نفسك فيما فيه خسران أقبل على الروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت