فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 10422

النقطة الثالثة: قضية العناية بجوانب الاتفاق أكثر من جوانب الاختلاف: لأن هذه الجوانب التي نختلف حولها قليلة، ولكنها تكبر بالتركيز عليها، وأضرب لذلك مثلًا صغيرًا أكرره أحيانًا لبعض الإخوة: عندما تصلي مع الجماعة، ويصلي إلى جوارك أخوك المسلم؛ تجد أنك تراقبه كيف يهوي في سجوده؟ أين يضع يديه؟ كيف يحرك إصبعه السبابة في التشهد؟ فهذه الأشياء التي تعودنا أن نراقبها حتى نحكم عليها، وبعد الصلاة ربما أمسكه وأقول: أنت تفعل كذا لماذا؟ بينما نسيت أنك تتفق معه في أصول الدين وأركان الإيمان، في أركان الإسلام، وصلاة الجماعة، وأركان الصلاة، وشروط الصلاة، وواجبات الصلاة، بل في معظم سنن الصلاة، في (90 أو 80%) منها، والخلاف هو في (10%) من السنن فقط، ومع ذلك ربما كبرها الشيطان، وقد ذكر أبو بكر بن العربي أن شيخه أبا بكر الطرطوشي ذهب إلى بلاد الأندلس، وصلى عند حاكم هناك، فكان يرفع يديه عند التكبير وعند الركوع وعند الرفع منه، قال: فأمر هذا الحاكم بأن يقتل الشيخ.

قال أبو بكر بن العربي: فأصابني ما قرب وما بعد، وأتيت إليه وقلت: غفر الله للأمير، أصلح الله الأمير، هذا شيخ الأمة، هذا فقيه الوقت، كيف يقتل بمثل هذا؟ قال: لماذا يرفع يديه؟ قال: فما زلت به حتى بينت له أن هذه هي السنة، وأن هذا وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقول لكثير من أهل العلم، قال: فسكن، وإلا كاد أن يقتله.

وهدد أحدهم أخاه وقد رآه يحرك إصبعه بطريقة معينة، هدده بأنه سوف يقطع إصبعه.

ودعوني أذكر لكم هذه الحادثة التي وقعت لي شخصيًا، ونحن نتكلم الآن عن تجنب الخلاف وعدم التركيز على عوامل الفرقة، هذا الكلام قلته كثيرًا قبل أسبوع صليت بجوار أحد الشباب، فلما كنا في التشهد جاءني وتسلل إليَّ الشيطان وقال: انظر هذا الشاب كيف يحرك إصبعه؟ فنظرت فوجدته يحرك إصبعه محنية ويحركها باستمرار، فبدأ الشيطان يهمس لي وقال: ألا تلاحظ أنه يعتمد على حديث ضعيف وهو: (أنه حناها شيئًا ما) هذا الحديث لا يثبت عند أهل العلم، والشيطان أحيانًا يصدق وهو كذوب، وقد ينقل الإنسان من المفضول إلى الفاضل بدلًا من أن تقبل على صلاتك أو تحقق أخوتك، يحاول أن يشغلك بذكريات من الأمور العلمية التي هي موجودة ومستقرة، لم يضف شيئًا جديدًا لكنه بعثها وأشغلك بها.

ثم قال أيضًا: ألا تلاحظ أن كثرة حركته للإصبع لا تتناسب مع خشوع الصلاة وسكونها وهدوئها.

فصرت في حديث وحوار في هذا الموضوع، واستيقظت على سلام الإمام.

فلاحظ هنا أننا بحاجة كبيرة جدًا إلى أن نتدرب مرة وعشرًا ومائةً وألفًا على قضية التركيز على عوامل الاجتماع وجوانب الوحدة بيننا، وهي كثيرة وعظيمة جدًا، وعزل جوانب الاختلاف، وألا نلغيها ولكن لا نضخمها أولا نبالغ فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت