ولما رأوا -هم- أثر التوجس عليه والاستغراب والإنكار! {قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات:28] فانتقل الحال من الخيفة إلى البشارة في لحظة واحدة! بشروه بغلام وقد كان لم يولد له، فبشروه على حين الكِبَر! ولهذا قال في الآية الأخرى: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} [الحجر:55] {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} [الذاريات:29] يعني: صيحة عظيمة {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} [الذاريات:29] لطمت وجهها وضربت جبينها {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات:29] سبحان الله! تقول: لما كنت بنتًا في سن الإيلاد لم أكن ألد، بل كنت عقيمًا، والآن مع ذلك أصبحت عجوزًا، فكان من العجيب جدًا أن تلد وهي عجوز، على أنها كانت عقيمًا في سن الشباب، تعجبًا وذهولًا! لأن الإنسان يألف الحال التي هو فيها، وإن كان يؤمن بقدرة الله تعالى، وأن الله تعالى لا يعجزه شيء: {قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات:30-34] فأخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط المجرمين، ثم خرجوا من عنده بعد ما بشروه بهذه البشارة، وأخبروه بهذا الخبر، خرجوا من عنده إلى هذه القرية قرية سدوم، التي هي من قرى قوم لوط المؤتفكة، التي قلبها الله -تعالى- على أصحابها، فأخرج الله تعالى من كان فيها من المؤمنين قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:35-36] فهؤلاء القوم، بيت لوط ومن معه، اجتمع فيهم وصفان: الإيمان والإسلام، ولا شك أنه إذا وصف بالإيمان؛ فهو مسلم من باب الأولى؛ لأنه إذا ذكر الإيمان والإسلام دل كل واحد منهما على معنى، فالإيمان يدل على العمل الباطن، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأما الإسلام فيدل على العمل الظاهر، فهؤلاء اجتمع فيهم الإسلام والإيمان، ولا شك أن الإيمان مرتبة أعلى كما في حديث جبريل، فالله تعالى وصفهم بالوصفين، فقال: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:35] فوصفهم بالإيمان {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:36] فوصفهم بالإسلام أيضًا، أما إذا ذكر أحد هذين الأمرين دون الآخر، فإنه يدخل فيه الثاني تبعًا، فإذا قلت مثلًا: الإيمان، دخل الإسلام فيه، فلا يتصور أن تذكر إنسانًا مؤمنًا ويكون غير مسلم، بل يكون مسلمًا من باب الأولى، وكذلك إذا قلت: الإسلام، دخل فيه الإيمان من حيث أصله، فإذا قلت: إن هذا إنسان مسلم معناه، أنه مؤمن بالله وكتبه وكتبه ورسله واليوم الآخر أيضًا، ولكنه مع ذلك مقيم للفروض والواجبات، وأركان الإسلام.