فهرس الكتاب

الصفحة 1016 من 10422

لقد عنى القرآن الكريم بذكر هذه السنن بطرائق مختلفة، فأحيانًا بذكر نصوص تتعلق بهذه السنن، كما في قوله تعالى في تأديب وتعليم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عندما أصابتهم الهزيمة في أحد: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] إذًا هذه سنة تجري عليكم كما تجري على غيركم.

ومثله قول الله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:76] {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62] لو أنهم أخرجوك من هذه القرية، واستفزوك أخرجوك وحاربوك وقاتلوك، لحقت عليهم كلمة الله تعالى بالعذاب، كما حقت على من كان قبلهم ممن أخرجوا رسلهم وأنبياءهم، وقاتلوهم أو قتلوهم.

ويقول الله عز وجل: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف:55] فذكر الله عز وجل أن الناس امتنعوا وتوقفوا عن الإيمان، ينتظرون أن تأتيهم سنة الأولين، ينتظرون العذاب، وإذا جاء العذاب ونزل بهم لم يكن ينفعهم إيمانهم: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر:85] ويقول الله عز وجل: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:109] ويقول سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر:85] ويقول تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح:22-23] .

إذًا لو التقى الحق الصراح البواح الواضح النقي مع الكفر المدجج بالسلاح؛ لكانت سنة الله تعالى أن يولي الذين كفروا الأدبار: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [الفتح:22] فأحيانًا يذكر الله تعالى السنة ذكرًا صريحًا مباشرًا، وأحيانًا يذكر الله تعالى آثار هذه السنن على الأمم السابقة، كما في قوله -وهذا كثير جدًا أكتفي بضرب مثلًا أو مثلين- في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [الأحقاف:21] وكما في قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ} [الرعد:6] فيذكر عز وجل عقوبة الكافرين، كما يذكر نجاه المؤمنين وفلاحهم وحمايتهم بقصص من قصصهم فيقول: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام:84] إلى غير ذلك من الآيات.

فيربط الله تعالى تراوح الأمم بين النصر والهزيمة، والقوة والضعف والهدى والضلال، والاجتماع والفرقة، يربط ذلك كله بالسنن الإلهية التي لا تختلف ولا تتغير ولا تتبدل أبدًا، وأحيانًا يذكر الله هذه السنن بغرض دعوة الناس إلى النظر، والتأمل، واستخراج السنة من الأرض والتاريخ، فيقول: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد:10] أي: سيروا في الأرض، انظروا مصارع الغابرين، مصارع الكافرين، فهذه آثارهم وهي بقايا، هذه بقية من منازلهم ومعالمهم، وبقايا حضارتهم تدل عليهم وعلى ما صاروا إليه، وما حدث لهم بعد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت