فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أحبتي الكرام! يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمةً للناس كلهم، وجاء بالهدى والنور المستقيم، وبعث بالشريعة السمحة العادلة التي ليس فيها ظلم ولا جور ولا حيف على أحد، فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بغاية العدل، وغاية الرحمة، وغاية التكريم لهذا الإنسان، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار:6-7] {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق:6] .
لقد جاء ذكر الإنسان في القرآن الكريم بلفظ الإنسان في نحو خمسة وستين موضعًا، ذكر الله عز وجل فيها أشياء كثيرة تتعلق بالإنسان، منها: بدء خلق الإنسان، وكيف خلق، وممّ خلق، وعلى أي صفة خلق، والمراحل والأحوال التي يتقلب فيها، والمآل الذي يصير إليه، والحالات التي يكون عليها، والإنسان حين يكون مستقيمًا وحين يكون منحرفًا، حين يكون غنيًا وحين يكون فقيرًا، حين يكون صحيحًا وحين يكون عليلًا، حين يكون مؤمنًا وحين يكون كافرًا في الدنيا والآخرة، الرجل والمرأة، الكبير والصغير، المأمور والأمير، الحاكم والمحكوم.
حتى إنك إذا نظرت في القرآن الكريم تكاد بأن تجزم أن القرآن كله إنما جاء يعالج قضية الإنسان، الطريق الصحيح الذي يسلكه الإنسان، والطريق المعوجة التي يُحذَّر الإنسان منها، إلى غير ذلك، وليست العبرة فقط بآيات ذكر فيها لفظ الإنسان مثل {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ} [الإنسان:1] (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ) {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] بل إن الأمر أوسع من ذلك، فأنت تجد الكلام على الإنسان وأصله في أشياء كثيرة.
مثلًا قصة آدم عليه الصلاة والسلام، وكيف خلقه الله عز وجل، وأسكنه الجنة، وأسجد له ملائكته قال الله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة:34] أي شيء أعظم في تكريم الإنسان، ورفع الإنسان؛ وبيان مقام الإنسان؟ من أن الله عز وجل يخلق آدم أبا البشر بيده؟ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده} فخلق الله تعالى آدم بيده من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه، قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر:29] نفخ فيه هذه الروح التي بها صار إنسانًا، ثم أسجد له ملائكته، أشرف مخلوقاته أسجدهم لآدم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) .
مع أن الملائكة كانوا يقولون حين قال الله عز وجل لهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] قالوا مستغربين متسائلين، وهم يعلمون أن الله تعالى أعلم وأحكم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30] لأن الملائكة جبلوا على الخير {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] .
فخلق الله عز وجل هذا الإنسان، وأسجد له ملائكته -لآدم عليه الصلاة والسلام- ونفخ فيه من روحه، وجعل الكرامة في بنيه من بعده، ولذلك كم خوطب الإنسان بقوله تعالى: يا بني آدم كقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} [الأعراف:27] حتى قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] .
فالعقيدة الإسلامية في الإنسان أنه مخلوق مستقل، أول واحد في السلالة هو آدم عليه الصلاة والسلام، ثم تسلسل بنوه من بعده، وليس كما تقول النظريات الغربية الكافرة الملحدة في تطور الإنسان، وأنه كان في الأصل من جنس أو نوع آخر.
وتطور حتى صار إنسانًا، الإنسان أصلًا خلق إنسانًا متميزًا، ولذلك ينظر الإسلام للإنسان هذه النظرة، أنه مخلوق على هذه الصفة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء:70] تكريم لهذا الإنسان، ثم تجد في القرآن الكريم أيضًا خطابًا من الله عز وجل للناس بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة:21] وما الناس إلا أفراد، إنسان وإنسان وإنسان فالمجموع أناس، وكم في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة:21] كذلك (يَا عِبَادِيَ) في القرآن الكريم والسنة النبوية.
حتى قال الله عز وجل في حديث أبي ذر وهو في صحيح مسلم في الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضالٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم.
يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم الخ .
يخاطب الله عز وجل عباده ويتحبب إليهم، ويتودد إليهم، مع أنه تعالى غني عنهم، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك من ملك الله تعالى شيئًا، ولا ضر الله عز وجل شيئًا قال الله: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران:144] .
ومع ذلك يخاطبهم عز وجل هكذا، حتى قال الإمام الفضيل بن عياض معبرًا عن شعوره العظيم الكبير، وهو يسمع ويقرأ في القرآن الكريم، أن رب العالمين، الغني، الواجد، الماجد، القوي، العزيز، يخاطبه يا عبادي! فيقول: ومما زادني شرفًا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا كدت أن أضع رجلي على الثريا، لماذا؟! لأنه يملك أموالًا طائلة! أو لأنه يتربع على عرش أو كرسي، أو لأنه يتمتع بالسمعة والجاه! كلا! بل: دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا هل تشعر أخي الحبيب بهذا الشعور الذي شعر به الفضيل، وهو يقرأ هذه الآية أو يسمعها؟