النقطة الثالثة التي تدعو إلى تناول هذا الموضوع ومعالجته: إن عملية التطبيع عملية سعى اليهود ويسعون مع حلفائهم من الداخل، -من داخل الأمة الإسلامية- وهم كثير وخاصة ممن يتسلمون ويتسنمون مناصب القيادة والتسلط على مقدرات الأمة وخيراتها وشعوبها، أو من خارج الأمة من الشرق والغرب، سعى الجميع لتحقيق هذه العملية، وقطعوا في ذلك أشواطًا بعيده شملت ربع البلاد العربية من حيث العدد، فهناك مصر، ولبنان، والأردن، والمغرب، كلها قد شملتها عملية التطبيع، وشملت من حيث العدد السكاني نصف أو البلاد العربية، وتورطت فيها هذه البلاد وتلك، والبقية لا بد أنها في الطريق على حسب المخططات المزعومة المرسومة إذا كتب لمؤامرة السلام أن تكتمل وتتم، فمن حق هذه الشعوب المستهدفة أن تعرف ماذا يراد بها، وأن تمارس دورها المنشود في الحفاظ على هويتها الإسلامية وعقيدتها الربانية، حتى تلقى الله تعالى غير مبدلة ولا مغيرة ولا محرفة.
إننا لا نطالب هذه الشعوب أن تقوم بالمستحيل، ولا نطالبها الآن أن تحمل السلاح فربما أنها لم تدرب لهذا الأمر ولم تعد له يومًا من الأيام، ولكننا نطالب هذه الشعوب أن تحتفظ بهويتها الإسلامية، أن تحافظ على عقيدتها، أن تعرف من هو عدوها ومن هو صديقها، وأن لا تتخلى طرفة عين عن قرآنها الذي يذكرها صباح مساء بالعداوة مع الكافر ولو تظاهر بغير ذلك، وأن لا تتخلى عن إيمانها بقول الله عز وجل: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء:89] وأن لا تتخلى عن قول الله عز وجل: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] ولا تتخلى عن قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51] .
إننا نعجب -أيها الإخوة- في الوقت المبكر الذي نشرت إحدى الصحف الكويتية خبرًا يقول إن هذه الدولة ليس لديها مانع من مشاركة بعض الشركات العالمية المتورطة في التعامل مع إسرائيل في إعمار الكويت، وأنها سوف تخفف هذه الشروط وإن لم تتخل بشكل نهائي عن المقاطعة لإسرائيل.
ونعجب أكثر حين نجد رجلًا ذا علاقة بموقع السلطة يكتب في صحيفة سيارة أيضًا، ويقول: لماذا نظل نصر على محاربة إسرائيل مع أنها أثبتت خلال حرب الخليج أنها معنا بشكل مباشر أو غير مباشر، ولماذا نظل على عدائنا لها مع الأشياء الكبيرة التي قدمتها لنا والتضحيات الجسيمة التي تحملتها في سبيل إنجاح موقفنا في حرب الخليج، إن هؤلاء لم يعد الفيصل بينهم وبين كل الناس هو القرآن والسنة فيقربون الناس أو يبعدونهم بحسب هذا أو ذاك، كلا.
بل أصبح الفيصل بينهم وبين شعوب العالم كلها هي قضية حرب الخليج، فمن كان معهم في حرب الخليج فهو أحب الناس إليهم ولو كان أكبر الكافرين وأشد الأعداء، وأشد الطغاة، ومن كان ضدهم أو على الأقل التزم بموقف ليس واضحًا في شجب العدوان العراقي فإنه يعتبر عدوًا لدودًا لهم، ولا مانع لدى هؤلاء -أعني أولئك الصحفيين الذين كتبوا مثل هذه المقالات ومن كان على شاكلتهم وعلى مذهبهم- أن يستعينوا بإسرائيل ومن وراء إسرائيل ومن دونها، وأن يستعينوا حتى بالشيطان في مواجهة بعض القوى وبعض الدول التي تحالفت مع العراق، أو اتخذت موقفًا عاديًا ليس مؤيدًا ولا رافضًا.
ونحن نقول وبكل تأكيد: إن الدول التي وقفت مع العدوان العراقي هي دول ظالمة آثمة مهما كانت وبأي زي تزيت، وأي شعار رفعت، وهذا أمر لا شك فيه، ونحن كنا من قبل ولا زلنا نقوله ويقوله معنا كل المخلصين وكل المطالبين بالعدل، ولكن هذا لا يعني أبدًا أن نتجاهل أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة، ومبادئها الراسخة من أجل موقف واحد، بل ينبغي أن يكون العدو عدوًا لنا أمس واليوم وغدًا، وأن يكون الصديق صديقًا لنا، وليس صحيحًا أن نظل نغير خريطة أعدائنا وأصدقائنا كل يوم بحسب متغيرات الأحوال، فيوم كانت الحرب العراقية الإيرانية مستعرة قائمة، كانت خريطة الأعداء مختلفة تمامًا عما هي عليه الآن، ولما كانت حرب الخليج الأخيرة قائمة كانت الخريطة مختلفة، وأخشى ما أخشاه أن يغير هؤلاء خريطة عداوتهم يوميًا فتصبح إسرائيل في نظر هؤلاء المفكرين المتقلبين وأمثالهم من الزعماء والساسة والصحفيين أن تصبح في قائمة الأصدقاء، بل ربما على رأس قائمة الأصدقاء، لماذا؟ لأنها تتميز بالقوة، ولأنها دولة ذات أهداف ومرامٍ بعيدة، ولأنه يهمها كثيرًا أن تُوجد قدرًا كبيرًا من الانشطار، والانشقاق، والتفتيت، في الصف الإسلامي والصف العربي.
إن إسرائيل -أيها الإخوة- ومن ورائها العالم الغربي تسعى بكل إمكانياتها وقواها إلى تطبيع علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية، من الناحية العقلية، والعقدية، والفكرية، ثم من الناحية السياسية والاقتصادية والحضارية، والسياحية، والعلمية، ولا يعني أن هذا حلم قد يتحقق أبدًا.
فقد يقول قائل بعد سنة أو سنوات: ما كنتم تقولونه لم يجر، ونقول: هذا ما يخططونه ويسعون له بكل وسيلة، ولا يعني أنه سيتحقق، فنحن نظن بالله تعالى ظنًا حسنًا، ونجزم بأن الله تعالى سيحول بينهم وبين ما يشتهون، ولكن يجب أن نعلم أن من أهم وسائل إحباط هذه المخططات الوعي بها، والوعي بها لا يتم إلا بالحديث عنها وإدراكها وكشف أبعادها للخاص والعام من الناس.
أيها الإخوة: إنني أعترف إليكم بالعجز عن تناول هذا الموضوع الطويل لأسباب كثيرة، منها:- أولًا: أنه موضوع علمي إحصائي دقيق يعتمد على المعلومات والأرقام، ويعتمد على الخرائط والتواريخ التي يثقل على المستمع في مثل هذا المجلس، أو حتى على مستمع الشريط أن يتابعها بصورة جيدة.
ثانيًا: ثم إن هذا الموضوع موضوع متشعب من الناحية التاريخية ومن الناحية الواقعية، ثم إنه موضوع يمس أطرافًا عديدة قد يكون تناولها أو تناول بعضها أحيانًا في حساسية مفرطة من الصعب الحديث عنها، ولذلك فإنني أكتفي في مقدمة هذا الحديث بالإحالة إلى أهم مراجع هذا الموضوع الخطير.
فأقول: إن أهم كتاب قرأته يتناول هذا الموضوع بصورة جيدة جدًا هو كتاب الاستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية لـ محسن عوض، وهذا الكتاب قد طبع في مركز دراسات الوحدة العربية ضمن سلسلة الثقافة القومية، هذا الكتاب بالتأكيد ليس كتابًا موثقًا من جميع النواحي، فهو يتكلم عن دور القوميين العرب، كما يتكلم عن دور الماركسيين العرب في مواجهة التطبيع، وفي مواجهة إسرائيل، ولعل له نبرة قومية واضحة.
ولكن الحقيقة أن هذا الكتاب يحفل بحشد هائل من المعلومات والحقائق والتحليلات لا أعتقد أن كتابًا آخر يحفل بها على الأقل في حدود ما اطلعت عليه، مع اختصار وجودة في لغة الكتاب، كما أن هناك كتابًا آخر اسمه التطبيع استراتيجية الاختراق الصهيوني لـ غسان حمدان، وهناك كتب أخرى لـ جمال عبد الهادي، ورفعت فوزي عبد المطلب، وأحمد لبن، وغيرهم من الكتاب والمؤلفين.