ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله: في كتاب الثبات عند الممات، أن رجلًا احتضر، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: هو كافر بها، نعوذ بالله، وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، قال: حيل بيني وبينها، حيل بيني وبينها، {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} [سبأ:54] وقال ابن الجوزي: إنه يعرف رجلًا اشتد به الألم، وزادت عليه المصائب، فافتتن -أصابته فتنة- فكان يقول وهو في مرض الموت: لقد قلّبني -يعني ربه- في أنواع من البلاء، فلو أعطاني الفردوس لما وفّى بما يجري علي -يعني وما الفائدة من هذا الابتلاء- لو كان الموت وأنا صحيح فنعم، لكن هذا الابتلاء ما هي الفائدة منه؟ هكذا يخاطب ربه وهو في مرض الموت، بلغ به الجزع والفزع وعدم الصبر وسوء الخاتمة إلى ذلك.
قال ابن الجوزي: وسمعت آخر وهو في مرض الموت يقول: ربي يظلمني.
وأذكر أيها الإخوة شابًا سافر إلى إحدى دول جنوب شرق آسيا، وقد كان في العشرين من عمره، وكان يتعاطى مخدرًا اسمه: الهيروين، جرعة فجرعة، ويزيد شيئًا فشيئًا، وذلك لوفرته في تلك البلاد وغناه، حيث كان شابًا غنيًا ثريًا مترفًا، واستمر هناك ما يزيد على سنة ونصف، بعد ذلك أحضر بالقوة قسرًا، وأدخل في مستشفى الأمل في إحدى المدن، بعد ذلك وجد الراحة من العلاج واستمر فترة طويلة، ثم علم زملاؤه الأشرار بحاله، فاتصلوا به وطلبوا منه الخروج، وأغروه بذلك، فخرج ولما خرج صحبوه معهم، وفي أول جلسة معهم أعطوه جرعة ضخمة من المخدر، فشربها أو تعاطاها ومات في ساعته.
وآخر سمعت قصته بنفسي، حين زرت بعض تلك البلاد، وحدثني بعض العاملين في تلك البلاد، يقول: كان هناك رجل من هذه البلاد من دول الخليج -وكان يزيد على الستين من عمره، فجاء إلى بلاد الإباحية والرذيلة والفساد، قال: واستأجر غرفة في أحد الفنادق، فبدأ يعب الخمور عبًا، ففي اليوم الأول شرب ست قارورات من الخمر والعياذ بالله ثم أتبعها بثلاث، ثم أتبعها باثنتين، فشعر بالامتلاء وشعر بوضع غير طبيعي، فذهب ليتقيأ في دورة المياه، فسقط وبعد ما طال الأمر به ولم يخرج، طرقوا عليه الباب ثم فتحوا الباب، فوجدوه ميتًا في أخس وأحط مكان، رأسه في دورة المياه.
فانظر كيف يجر الشيطان الإنسان إلى أمور مما يعاب عليه فيها في الدنيا والآخرة، ومن الأشياء التي إذا رآها الناس، ظهر عليهم الامتعاض والانزعاج والتأثر والحزن، فسبحان الله! ما أعظم الفرق بين من يموت هكذا، وبين من يموت شهيدًا في سبيل الله عز وجل: تتلقاه الملائكة، وتتلقاه الحور العين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له عند أول قطرة من دمه، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته، ويأمن من عذاب القبر، ويلبس تاجًا، الياقوتة فيه خير من الدنيا وما فيها} يا سبحان الله! الفرق بين الثرى والثريا، إنه بون شاسع، وكلهم من أولاد آدم، وكلهم مكلفون، ومطالبون، ولكن: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر:20] .
وحدثني ثقة أنه يذكر أن صديقًا له كان له أخ يعتقد العقائد الخبيثة الكفرية، من عقائد العلمانيين والشيوعيين وغيرهم، فكان يناصحه ويكلمه، وهو لا يستجيب له، وعمل ما يستطيع، قال: فمرض أخي مرضًا شديدًا، أصيب بالسرطان، فكنت آتيه وأتحدث معه، وأرجو هدايته لعل الله يختم له بخير، فلما كان في أحد الأيام قال لي: ائتني بالمصحف هات المصحف -قال: فقمت فرحًا مسرورًا خفيفًا، لعل الله أن يكتب لأخي خاتمة سعادة، قال: فلما رأى المصحف، قال: هذا المصحف! قلت: نعم، قال: هو كافر بهذا الكتاب -والعياذ بالله تعالى- ثم قُضي ومات في لحظته تلك.
ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجلس معهم، فيتكلمون في سب الله ورسوله، وشتم الدين والسخرية من أهله، تمثلوا له في مجلسه ذلك، فأغروه بأن يصر على ما هو عليه من الكفر والإلحاد.
وكذلك الذي يتعاطى المخدرات -مثلًا- مع قوم، إذا كان في ساعة الموت مثلوا له بين يديه، والذي يرتكب المعصية معهم إذا جاءته ساعة الموت مثلوا له بين يديه.