الحيلة الثامنة: هي تعظيم الأمر أو تهوينه.
بمعنى أن الإنسان -أحيانًا- يبالغ في تضخيم المشكلة حتى كأنه لا حل لها، وبناءً عليه لا داعي أن نعمل لأن هذه المشكلة فوق الحل، أو يبالغ في تهوينها حتى كأنها لا تحتاج إلى حل ولا إلى علاج لأنها هينةٌ سهلة، وهذا نتيجة لعدم استقرار الجانب النفسي عند الإنسان، وعدم توازنه أو اعتداله في الحكم على الأشياء.
فمثلًا: إنسان يتشاءم من الواقع تشاؤمًا كبيرًا، ويركز دائمًا على الجانب السلبي، ويبالغ دائمًا وأبدًا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول -كما في صحيح مسلم-: {من قال: هلك الناس، فهو أهلكهم} أي: أن الإنسان الذي لا ينظر إلاَّ إلى الجانب السلبي المظلم المعتم في حياة الناس يتشاءم من الواقع، وبناءً عليه يرى أنه لا يستطع أن يعمل شيئًا، ولا أن يصلح.
أو على النقيض من ذلك؛ يبالغ في تزكية الواقع، وأن الأمر كله خير، والناس مقبلون على خير، والحمد لله لا يوجد منكرات، فهو لا يريد أن يعمل، فإما أن يكون الواقع أسود بحيث لا أستطيع أن أصلحه، وإما أن يكون الواقع مشرفًا بحيث لا يحتاج مني إلى جهد، والمقصود أنني أتهرب من الإصلاح.
أحيانًا يتصور الإنسان أنه ليس أمامه أي عقبة، ولهذا يتحرك ببساطة وعفوية، ولا يقدر حجم مؤامرات الأعداء، وهذا لاشك نقص وتسهيل وتهوين للأمر.
أو يضخم هذه العقبات ويبالغ فيها، حتى يتصور أنه لا يستطيع أن يقتحمها ولا أن يتجاوزها، ولا أن يعمل في ظل وجودها.
فهناك عقبات كبرى وحواجز ضخمة، حواجز رسمية، وحواجز اجتماعية، ونفسية، وتجارية، المال لا يتوفر مثلًا، والرخصة لا تتوفر، والمجتمع لا يتقبل هذا الشيء، إلى غير ذلك من الأمور التي يتوهمها الإنسان قبل أن يعمل، ولو أنه بدأ العمل لتبخرت هذه الحواجز واحدًا بعد الآخر، أنت تقول لإنسان أحيانًا: يا أخي! قل كلمة الحق.
يقول لك: الله المستعان! نحن لا نملك إلا الكلام، الكلام لا يغير من واقع الأمر شيئًا، ولا ينفع، لماذا يكون الكلام بيدي والمدفع بيد عدوي؟ وبذلك يهون من شأن الكلمة، وهذا خطأ، فربما تناقشه وتتحدث معه؛ وبعد قليل يتحول هذا الإنسان حتى تصبح الكلمة عنده هي كل شئ، ويصبح لا يملك شيئًا آخر غير الكلمة، فهو ينتقل من طرف إلى طرف ومن نقيض إلى نقيض.
وبعض الناس يقول: العمل الذي يتم فيه التغيير لا أملكه أنا، أما ما أملكه فهو لا يفيد شيئًا، إذًا هذا العمل يساوي أنني سوف أقعد وأستيئس وأدع العمل.
وهذا يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى، فإن ابن عبد ياليل لما جاءه النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف ودعاه إلى الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لي أن أكلمك، إن كنت رسول الله حقًا فأنت أعظم من أن أكلمك، وإن كنت تكذب على الله تعالى فلا ينبغي أن أكلم من يكذب على الله تعالى.
ابن عبد ياليل مريض، بل قلبه ميت لأنه كافر، ولا يريد أن يسمع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع لنفسه معادلة، أنك أحد رجلين: إما أن تكون رسولًا حقًا فأنت حينئذٍ أعظم من أن أخاطبك، وإما أن تكون تكذب على الله فلا ينبغي لي أن أكلمك.
إذًا هو أنجى نفسه من مهمة سماع الدعوة وسماع الخير، وما نفعه ذلك فهو في نار جهنم يتجلجل فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، وما نفعه هذا العذر الواهي الكاذب الذي يخادع به نفسه.
وينبغي للمؤمن ألا ينجر إلى مثل ذلك، فليس هناك مشكلة إلاَّ ولها حلٌ بإذن الله تعالى، لكن علينا أن نبحث عن المفاتيح ونتدرج ونعمل الأسباب ونبذل المستطاع، ونستعين بالله تعالى، والله تعالى يقول: {لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30] {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]