وعمومًا فالشهوات كلها سواء أكانت شهوة الأنا وحب الظهور وحب الشهرة، أم كانت شهوة المادة، وحب المال، أم كانت أي شهوة أخرى، فإن هذه الشهوات تفسد القلب وتكدر صفاءه، أم كانت شهوة الجسد بالجنس، أم شهوة النظر بالعين، أم شهوة الأذن بالسماع المحرم، أم شهوة التملك، أم شهوة السلطان والرئاسة وهي الشهوة الخفية، فإذا تشرب القلب الشهوة وأحبها؛ أكثر من تطلبها، وملاحظتها، والحديث عنها، وملاحظة من يعملها، حتى إنك تجد بعض الناس يلاحق هذه الشهوات -دائمًا- ويركض وراءها ويعب منها عبًا، وهو مثل الذي يشرب من البحر، لا يزيده شربه إلا عطشًا، أو مثله مثل الذي يضع على النار حطبًا، أو يصب البنزين على النار فلا تزداد إلا اشتعالًا، وقد لا يكون أحدهم -أحيانًا- بلغت به الشهوة أن يكون بمثل المثابة الذي ذكرت، لكن قد يكون في قلبه شعبة من التعلق بالشهوة والميل إلى الشهوة المحرمة.
وأضرب لذلك مثلًا مشهودًا: قد يذهب الواحد من الناس إلى الحرم الشريف حاجًا أو معتمرًا، فهو يرى في المسجد الحرام المصلين، والقائمين، والراكعين، والساجدين، والخاشعين، والطائفين، والمعتمرين، والباكين، والمتصدقين وألوان الأخيار فلا يلفت هذا نظره، ولا يتوقف عنده، ولا يثير اهتمامه، ثم إذا رجع هذا الإنسان إلى بلده، أو قومه، أو زملائه، أو أصدقائه، قالوا له: ماذا رأيت في الحرم؟ قال: رأيت رجلًا يتربص بامرأة، لقد كان الرجل يبحث نظره وبصره في مواطن الشهوة، ويقول: ورأيت امرأةً تشخص في رجل، رأيت حركةً غير عفيفة، رأيت نظرةً مريبة، فيضخم هذه الأشياء ويؤصلها ويجعلها كالقاعدة، ليس لأنها وقعت، ولا لأنه رآها، فهذا أمر يقع من كل أحد، ولكن لأن قلب هذا الإنسان أصبح مثل الإسفنجة يتشرب مثل هذه الأشياء ومثل هذه الأخبار، ويجمع بعضها إلى بعض، ويحشد بعضها إلى بعض، ويؤلف بينها، ويكبرها، ويضخمها، وينفخ فيها، فإذا تحدث انتزع هذه المواقف، وجمعها، وهولها، وطولها؛ تلذذًا بذكرها واستمراءًَ في الحديث عنها.
ولهذا روى أبو هريرة رضي الله عنه، كما في صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكُهم أو فهو أهلكَهم} إما أن يكون هو أكثرهم هلاكًا، أو أنه هو الذي تسبب في هلاكهم، فيكون المعنى: أن من قال هذه الكلمة قالها إما تقنيطًا وتيئيسًا للناس من رحمة الله تعالى، أو قالها وهي توافق هوى في نفسه، وأما من قال هذه الكلمة تحذيرًا، وتعذيرًا، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر؛ فإنه لا يدخل فيما ذكر -والله تعالى أعلم- كما ذكر ذلك الإمام مالك بن أنس رحمه الله فيما رواه عنه أبو داود وغيره.