وأعجب من ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالًا -تذكر هذا الشرط- يرفعه الله تبارك وتعالى بها درجات، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم} (لا يلقي لها بالًا) أي كلمة هينة ليست مقصودة، مجرد كلمة إما ليضحك زملاءه، أو ليقطع عنهم عناء الطريق، أو ما أشبه ذلك من المقاصد، وأكثر ما يقع هذا على سبيل الإضحاك، بأن تكون مجموعة من الناس، أو مجموعة من الزملاء يخرجون في رحلة، أو زملاء في فصل من الفصول، أو زملاء في مؤسسة أو شركة أو عمل، تجد أن بينهم صلات معينة فيجتمعون في الفسح وفي أوقات الفراغ، ويخرجون في رحلات، يجتمعون في بعض الليالي، لأكلٍ أو شرب أو ما أشبه ذلك، وغالبًا ما يكون بينهم شخص صاحب نكتة، فيتندرون به وينتظرونه، بحيث أن هذا الإنسان بمجرد أن يقول كلمة حتى لو كانت عادية يضحك الجميع، فقد اعتادوا على أن هذا الإنسان صاحب نكتة، وهو كذلك اعتاد على أن يضحكهم، فأحيانًا تجد أنه يتوسع وربما يقول كلمة من أجل أن يضحكهم، ولذلك جاء في الحديث نفسه في بعض رواياته {ليضحك بها القوم} أي لا يقصد بها معناها، لكن يقصد أن يضحكهم وقد يضحكهم بالقرآن الكريم والعياذ بالله يتندر بآية من القرآن، وقد يضحكهم بالحديث النبوي، وقد يضحكهم بالضحك على رجل من الصالحين يسخر ويستهزئ به، كما يفعل بعض الناس حين يقلدون مثلًا أصوات المشايخ والعلماء، ويسخرون منهم ويقلدون حركاتهم وما أشبه ذلك، وليضحك الناس، فهذه الكلمات لا يلقي لها الإنسان بالًا أي لا يحسب حسابها، فهو ليس كمثل الإنسان الشيوعي الملحد والكافر الذي يقول الكلام عن عمد وصدق، واعتقاد، لا، وإنما قال الكلام لمجرد العادة والإلف، وليضحك زملاءه، ولئلا يغير ما اعتادوا من الضحك، حتى أصبح نجمًا أمامهم، ولا بد أن يمارس الدور الذي ينتظرونه منه، فهذا قد يقول كلمة، يهوي بها في جهنم، كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، وعكسه إنسان يقول كلمة لا يلقي لها بالًا -أي لا يظن أنها تصل به إلى ذاك الحد، لكنها كلمة خير وبر- فيكتب الله عز وجل ويرفعه بها درجات، وقد تكون كلمة حق، أو نصيحة أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، أو تنبيه على خطأ، أو إرشاد.
فالكلمة لها قيمة، ولها مسئولية، وفي حديث بلال بن الحارث المزني، الذي رواه الترمذي وغيره، وهو حديث صحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه} (ما يظن أن تبلغ ما بلغت) كلمة انزلقت من اللسان عفويًا، ولذلك يقول علقمة أحد رواة الحديث: {كم من كلام منعنيه حديث بلال} كانوا رحمهم الله يعدون كلامهم من عملهم، ومن عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه.
إذًا هذا الحديث يؤكد لنا جميعا مسئولية الكلمة، وأن كل كلمة تخرج من الإنسان إما له أو عليه، وينبغي أن ينتهي عندنا جميعًا نحن المسلمين قضية أن هناك مجرد كلام، يطير به الهواء، هذا لا قيمة ولا وجود له، فقد ذكر الله ذلك قال: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] .