المجال السابع الجهاد المالي: وهو موضوع مهم جدًا، فأنا أعرف -مثلًا- أن هناك عشرات الآلاف من الأخوات، إما مدرسات، أو موجهات، أو موظفات، أو أي مجال من المجالات، وقد تتقاضى الأخت مرتبًا ضخمًا هو كمرتب الرجل الذي يساويها في الشهادة -مع أن هذا لا يوجد حتى في بلاد الغرب الذين يدعون مساواة المرأة بالرجل، ويطالبون بحرية المرأة، فهم يعطون المرأة نصف راتب الرجل أو (60%) من راتب الرجل، وهذا في أمريكا- وفي نفس الوقت الإسلام يطالب الرجل بالإنفاق على المنزل، ليس على المنزل فقط، ولا على الأطفال، بل حتى على المرأة، ولو كانت المرأة تتقاضى -مثلًا- عشرين ألف ريال مرتبًا شهريًا، فإن زوجها مُطالب بأن يوفر لها الملابس، والأحذية، والطعام، والفراش، وغير ذلك مما تحتاجه في نفسها أو في بيتها، وهذا واجب شرعي عليه.
إذًا: هذا المبلغ الضخم الذي تستلمه المرأة أو تأخذه كيف يمكن تصرفه؟! الذي ألحظه أن الكثير من النساء تجد هذا المال فرصة لعدم المبالاة في المال، فهي تخرج للسوق، وكلما أعجبها شيء اشترته، وإذا اكتشفت بعد الرجوع إلى المنزل أنه لم يكن مناسبًا لا يعنيها الأمر، لأنها أصلًا ليس عندها مشكلة في قضية المال، فتُسرف على نفسها وعلى غيرها، وربما نستطيع أن نقول: إن هذا المال أخذه شخص لا يستفيد منه ولا تعرفه هي، شخص أجنبي صاحب الدكان مثلًا، أو صاحب المتجر، أو المعرض، أو غير هؤلاء، وهي لم تستفد منه!! والواقع أن الإنسان العاقل يجب أن يُخطِّئ مثل هذه الطريقة، وأن يوقن أن المطلوب، والمفروض: أن يكون هناك نوع من الترشيد في إنفاق المال، والاعتدال في صرفه.
نعم.
المرأة من حقها أن تشتري ما تحتاج، لكن بروية ودراسة وتأمل ومعرفة أن هذا هو الذي تحتاجه، وهو الذي يناسبها، وألا تتساهل في قضية المال أبدًا، وإذا وجدت استغناءً عن المال، فأمامها طريق آخر، هذا الرجل الذي أخذ منها -مثلًا- أربعة آلاف ريال على فستان، بعدما رجعت البيت اكتشفت أنه لا يناسبها، وهي لم تنتفع به، وهي لا تؤجر -أيضًا- على هذا، بل هي آثمة لأن هذا إسراف!! وتضييع للمال!! ولكن لو أنها وضعت هذا المال، أو حفظت هذا المال -مثلًا- لا تكون ملومة، فتحفظ المال؛ وتستعد به للمستقبل، فقد تحتاجه هي، أو أقاربها، أو غير ذلك، وقد تنمي هذا المال بطريقة أو بأخرى، هذا مسلك لا تُلام عليه المرأة، من حقها أن تتاجر بمالها بواسطة أحد، أو بالطريقة التي يحبها الله، أو يرضى الله عنها، ولا أحد يلومها.
لكن إذا استطاعت أيضًا أن تجعل هذا المال في سُبل الخير، وتساهم في مشاريع الدعوة، وفي أحوال الجهاد، وفي دعم المسلمين، فإن هذا -أيضًا- من أعمال الخير الكبيرة.
أُختك المسلمة في البوسنة والهرسك محتاجة إليك، أنت ربُما سمعت مثلًا أن هناك (120) ألف امرأة مسلمة، تعرضن للاغتصاب -يعني: الزنا بالقهر والقوة- من قبل الجنود الصرب النصارى، أصغرهن بنت سبع سنوات، وأكبرهن، عجوزًا في الستين من عمرها!! وأنت تعلمين ربما أن (60) ألف من هؤلاء قد حملن نتيجة الاغتصاب!! وقام الصرب باعتقال هؤلاء، ورهنهن خشية أن يقمن بعملية إجهاض، فالصرب يريدون أن يتم الحمل، وأن يتم الإنجاب، مبالغةً في إذلال أختك المسلمة وقهرها، وتذكيرها طيلة عمرها بالإهانة التي لا تنساها، وإنها لم تنس تلك الإهانة، ولا ذلك الاعتداء، لأنه تمخض عنه ولدٌ بين يديها، يجدد لها الآلام صباح مساء، ثم هذا الولد سيعيش طيلة عمره عقدة كبيرة، هذه أمه؟ نعم.
لكن من أبوه؟! أبوه رجل من الصرب الأعداء الملاعين الكفار، ألا يتحرك قلبك لمثل هذا الأسى؟!! ألا تدمع عينك؟!! افترضي أن واحدة منهن قريبة لك فما هو موقفك؟! مع أن رابطة الإيمان والدين أقوى من رابطة النسب، لو أن أحدًا صور لك مأساة طفل، في قصيدة أو قطعة أدبية، وقرأها عليك لبكيت كثيرًا، أفلا يحق لنا أن نبكي وندمع على (120) ألف أخت مسلمة.
ونحن نتصور تلك اللحظات التي تقضيها بين يدي جندي صربي متوحش يعتدي على عرضها، أفلا يحقُ لنا أن نبكي ونحن نتحسس المشاعر الموجعة المؤلمة التي تتحرك في قلبها، أفلا يحق لنا أن نبكي ونتأثر ونحن نتصور هذا العدد الكبير من الأطفال من أولاد المسلمات الذين أتوا نتيجة ذلك الاغتصاب يعيشون في ضياع، وربما أخذتهم الكنيسة -أيضًا- لتحولهم إلى نصارى، وقسس، ورهبان.
أنتِ -أيضًا- تعرفين أن أخواتك المسلمات في الصومال يتعرضن لأقصى ألوان الفقر والجوع، بل ولأقصى ألوان الإذلال على يد الجنود الكفار من الأمريكان والفرنسيين الذين ينتقلون -أحيانًا- من بيت إلى بيت للاعتداء على المسلمات، أفيجدر بي وبك أيتها الأخت المسلمة أن نسمع أن فتاة -كما حدثني الإخوة الذين جاءوا من هناك- في سن الثامنة عشر من عمرها، تترك بلادها أوروبا حيث النعيم والرفاهية، والعيش الرغيد، والحضارة وألوان التيسيرات، وتأتي إلى الصومال حيث الفقر، والجوع، والمرض، والذباب، والآلام، والمشاهد البشعة، والأوساخ المتجمعة، والمخاطر، وتنتقل من خيمة إلى خيمة بين الأطفال تداوي هذا، وتعالج ذاك، وتطعم ذاك، وتبذل ما تستطيع، حتى تسود قدماها، ويداها من أثر العمل!! والمطلوب من المسلمة هو أن تساهم في شيء من الجهاد المالي، الذي تستطيعه هي، ولتعتبر أن ميدان الدعوة هو أحد الميادين الأخرى، يعني -مثلًا- إذا كانت خصصت جزءًا من مرتبها للملابس، وآخر للأثاث، وآخر للتوفير، فلماذا لا تخصص جزءًا من مرتبها للإنفاق في سبيل الله؟ {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7] {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33] .
فالله تعالى أعطاك هذا المال، ليس مُلكًا لكِ، إنما هو مِلك مؤقت، ينتقل عنك حتمًا لا محالة، أو تنتقلين أنت عنه لا محالة، إذًا سارعي إلى الإنفاق ما دام الميدان مفتوحًا.