وأقل ما يقوم به العبد في مقابل شكر هذا العطاء الكبير، هو أن يقول: شكرًا يا ألله، فقد جرت العادة أن الإنسان يقول لأخيه الإنسان لو قدم له خدمة زهيدة بسيطة، كأن يركبه على سيارته، أو يقوم بمتابعة معاملةٍ تخصه، أو يرد عليه بكلمة؛ فإنه يقول له: شكرًا، حتى لمن يؤدي له واجبًا لابد من أدائه.
فلو أن شخصًا استدان منك مبلغًا ثم رده عليك، لقلت له: شكرًا حتى أصبحت هذه الكلمة عادةً مألوفةً عند الناس؛ فهذا الإله العظيم الذي هذا عطاؤه، وهذا فضله، وهذا منُّه، قلبك لا يخفق إلا بإذنه، وبصرك لا ينطلق إلا بإذنه، وسمعك لا يصيخ إلا بإذنه، ورجلك لا تمشي إلا بإذنه، ويدك لا تبطش إلا بإذنه، وفمك لا يمضغ إلا بإذنه، وكل جسمك إنما يتحرك بإذنه!! أليس حقًا عليك أن تقول له: شكرًا يا رب؟! هذا الذي أعطاك ويرضى منك بهذه الكلمة، متى خرجت من قلبٍ صادق.
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها} فهذا يرضي الله تبارك وتعالى عنك.
وهذه الكلمة التي تبذلها لكل إنسان ممن يستحق ومن لا يستحق، ألا ترى حقًا عليك أن تبذلها لهذا الخالق العظيم الحكيم المبدع العظيم، فتقول له وأنت تعفر وجهك بالتراب، وتقول له وأنت ساجد: شكرًا لك يا رب على جميل عطائك، أصححت جسمي على حين أن المستشفيات ملأى بالمرضى، وأحييتني على حين أني قد سرت خلف أعدادٍ كبيرةٍ من الجنائز.
وأودعتُهم إلى القبور، وعافيتني إذا ابتليت غيري، وأغنيتني إذ أفقرت غيري، ورزقتني سمعًا وبصرًا وفؤادًا، وأنت خير الرازقين، فشكرًا لك يا رب من أعماق قلبي، شكرًا لك على هذا العطاء الذي لا ينتهي، وشكرًا لك على هذه المنن التي لستُ لها بأهلٍ، ولكنك أنت يا رب أهل التقوى وأهل المغفرة.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة:126] فهذا أبونا وسيدنا -سيد الحنفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام- يدعو الله تعالى لهذا البلد، مكة وما حولها أن يجعلها الله بلدًا آمنًا وأن يرزق أهلها من الثمرات، ثم تذكر إبراهيم شرطًا فقال: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة:126] أي: كأن إبراهيم دعا للمؤمنين بأن يرزقهم الله تعالى، قال الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ} [البقرة:126] يعني: الرزق ليس خاصًا بمن آمن بالله وعمل صالحًا، ولكن الرزق يأكل منه حتى الكافرون، فيغدق الله تبارك وتعالى عليهم النعم، ولكن يضطرهم بعد ذلك إلى عذاب النار وبئس المصير.