أولًا: المعنى اللغوي:
خبث الشيء خباثة وخبثًا فهو خبيث، وهم خبثاء وخباث، والخبيث: نعت كل شيء فاسد، وخبيث الطعم، وخبيث اللون وبه خبث، وخباثة وأخبث فهو مخبث إذا صار ذا خبث وشر.
والخبيث: ضد الطيب من الرزق والولد والناس، وقد خبث الشيء خباثة، وخبث الرجل خبثًا، فهو خبيث، وأخبثه غيره، أي: علّمه الخبث وأفسده، وأخبث أي: اتخذ أصحابًا خبثاء، فهو خبيث مخبث ومخبثان، والكفر مخبثة لنفس المنعم، والأخبثان البول والغائط، وشيء خبيث، أي: نجس، والمخبث: الذي يعلم الناس الخبث، ويطلق الخبيث على الحرام كالزنا، وعلى الرديء المستكره طعمه أو ريحه كالثوم والبصل، وعلى الحرام وعلى الكافر، ومنه الخبائث، وهي التي كانت العرب تستخبثها مثل: الحية والعقرب 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الخبيث: هو ما يكره بسبب رداءته وخسته سواء أكان محسوسًا أم معقولًا، وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد والتفكير، والكذب في المقال، والقبح في الأفعال والتصرفات 2.
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعني الاصطلاحي:
من خلال التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي للفظ (الخبيث) يتضح لنا بجلاء العلاقة الوثيقة بين المعنيين، حيث إن الخبيث اصطلاحًا تعني المكروه لرداءته وفساده، والخبيث لغة تعني الفاسد والرديء والمحرم والمكروه.
وردت مادة (خبث) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (16) مرة 3.
والصيغ التي جاءت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف:58]
الصفة المشبهة ... 13 ... {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة:267]
الجمع ... 2 ... {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157]
وجاء الخبيث في الاستعمال القرآني بمعنى: ما يكره رداءة وخساسة، محسوسًا كان أو معقولًا، وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال 4.
الرديء:
الرديء لغة:
الرديء: الدون من الأشياء، والخابث: الرديء من كل شيء، والرديء الفاسد والمنكر والمكروه والوضيع الخسيس، والجمع أردئاء 5.
الرديء اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي للرديء عن معناه اللغوي.
الصلة بين الرديء والخبيث:
الرديء والخبيث من المترادفات في المعنى، فالرديء هو الخبيث والفاسد.
الطيب:
الطيب لغة:
الطيب: الأفضل من كل شيء، والطيب: كل ما تستلذه الحواس أو النفس والطيب الحلال، وكل ما خلا من الأذى والخبث، وهو ضد الخبيث 6.
الطيب اصطلاحًا:
الطيب: لفظ ويراد منه ثلاثة معان: الطاهر، والحلال، والمستلذ. 7.
الصلة بين الخبيث والطيب:
الطيب والخبيث ضدان؛ فالطيب طاهر حلال، والخبيث نجس حرام.
الفاسد:
الفاسد لغة:
فسد يفسد فسادًا وفسودًا، نقيض صلح، فهو فاسد 8.
الفاسد اصطلاحًا:
«هو خلاف الصحيح، وهو مالا يترتب أثره عليه» 9.
الصلة بين الفاسد والخبيث:
الخبيث أعم، فكل خبيث فاسد، وليس كل فاسد خبيث.
النجس:
النجس لغة:
النجس: الشيء القذر حتى من الناس، وكل شيء قذرته فهو نجس 10.
النجس اصطلاحًا:
قال المتولي: «النجاسة في اصطلاح الفقهاء: كل عين حرم تناولها على الإطلاق، مع إمكان التناول لا لحرمتها» 11.
الصلة بين الخبيث والنجس:
الخبيث والنجس من المترادفات أيضًا.
الحرام:
الحرام لغةً:
الحرام من حرم، فالحاء والراء والميم أصل واحد، وجمع الحرام حرم، والحرام ضد الحلال، والحرام هو المنع والتشديد 12.
الحرام اصطلاحًا:
هو ما طلب الشارع من المكلف تركه على وجه الإلزام، بحيث يعاقب فاعله ويثاب تاركه 13.
الصلة بين الحرام والخبيث:
إن بين الخبيث والحرام علاقة وثيقة حيث إن الخبيث محرم لخبثه وفساده، فكل خبيث محرم.
إنّ الله عز وجل خلق الطيب والخبيث وأمرنا بالطيب ونهانا عن كل خبيث؛ لأن من خلقنا أدرى بنا من أنفسنا، والخبث يكون في الأموال فهناك الحرام والحلال، وهناك الخبيث من الأعمال، والخبيث من الناس الذين يصدون عن الله بكل السبل، وهناك أيضًا الخبيث من المطعم والمشرب.
أولًا: الخبث في الأموال:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] .
عن البراء بن عازب قال: «نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله عز وجل:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] 14.
إن الكسب ينقسم إلى نوعين: كسب طيب وآخر خبيث، والله عز وجل يأمرنا بالإنفاق من حلالات ما كسبنا من التجارة والصناعة، فإن من شأن المال أن يجعل المرء عبدًا له إن لم يحسن إدارته وأن يعرف الإنسان مقصود المال، وأنه لماذا خلق؟، فلا يحفظ إلا قدر الحاجة، ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه ويجتنب الحرام المحض، ويجتنب الجهات الجالبة للمال المكروهة القادحة في المروءة، كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة، وكالسؤال الذي فيه الذلة، وهتك المروءة 15.
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس، بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى) 16.
فعلى المؤمن أن يتحرى كسبه الطيب، فعن أبي هريرة قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن حلال أم من حرام) 17.
والآية الكريمة تحثنا على ألا نقصد الخبيث الرديء من أموالنا لننفق منه، فالله أغنى عنه منا، فلا نجعل لله ما نكره، وأن يكون الإنفاق بأفضل الموجود، فلا يكون بالدون والرديء الذي تعافه النفوس، والله غني عن الخبيث الذي يخرجه ضعيف الإيمان واليقين، حميد يحمد الطيب الذي يخرجه الإنسان، ويجزي به عليه جزاء الراضي الشاكر، وهو الذي أعطاه إياه 18.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه -وهو خبيثه- فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» 19.
وقيل: المقصود من الآية: عدم العدول عن المال الحلال، وقصد الحرام، فتجعل النفقة منه 20.
والمنفقون على قسمين:
الأول: هناك من ينفق ماله رياء لا يبتغي منه وجه الله عز وجل، فهذا لا يثمر خيرًا، وحظ صاحبه منه التعب في كسبه، والحسرة على ضياعه، والعذاب على إنفاقه في غير وجهه.
الثاني: من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله لا يرجو سواه، فهذا يثمر خيرًا، وحظ صاحبه منه الأجر في كسبه، ومضاعفة أجره وماله، وتطهير نفسه وماله، والفوز بالجنة.
ونظير ذلك قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] .
هذه الآية عنى بها جل جلاله أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم وأنس منهم الرشد وعدم أخذ الجيد من أموالهم وإعطائهم مكانه الرديء 21.
يقول الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم 22.
قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه: «كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء» 23.
وقد عبر سبحانه وتعالى عن الحلال والحرام بالخبيث والطيب في هذه الآية للتنفير من أكل أموال اليتامى والترغيب فيما رزقهم الله من الكسب الحلال بالاكتفاء به وعدم التشوف إلى مال اليتيم فإنه ظلم وسحت 24.
واستبدال بالخبيث الطيب ليس فقط في الأموال، فهناك الكثير من الناس من أبدل أطيب الكلام وهو القرآن الكريم، بالخبيث من الأغاني وما تحتويه من كلمات هابطة تخدش الحياء، واستبدلوا قراءة كتاب الله جل جلاله وأكبوا على الجرائد والمجلات والكتب الخليعات، التي تعمل على دمار المجتمع المسلم.
ثانيًا: الخبث في الأعمال:
ليس من الحكمة والعدل التسوية بين الجيد والرديء من الأشياء والأعمال، فلا يتساوى الضار والنافع ولا الفاسد والصالح، ولا الحرام والحلال، ولا الظالم والعادل، فلكل منها حكم يليق به عند الله جل جلاله الذي يضع كل شيء في موضعه بحسب علمه 25، كما قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] .
قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21] ،
قال تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100] .
عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب، ألا إن الخمر لعن شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها) ، فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلًا كانت هذه تجارتي، فاعتقبت من بيع الخمر مالًا، فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب) ، فأنزل الله تعالى تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ) [المائدة: 100] 26.
إنّ مما ترتضيه الفطرة السليمة وتدركه العقول المستقيمة، أن الخير والشر لا يستويان، وأن الخبيث والطيب لا يتساويان، ومن غير المعقول أن تكون الأعمال الطيبة مساوية للأعمال الخبيثة ومعاملة أهل الخبيث كمعاملة أهل الطيب، فهذه قوانين عادلة في تسيير هذا الكون، فإنه لا بد من عقاب المسيء، وثواب المحسن، فلا مساواة بين الخير والشر، والله يعاقب على الشر، ويثيب على الخير، ولازم هذه النتيجة أن يحذر الناس فيرجوا ثواب الله عز وجل ويخافوا عقابه 27.
والشجر مثله مثل الناس، ينقسم إلى صنفين: إلى طيب وإلى خبيث، وقد ضرب الله مثلًا للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وضرب الله مثلًا للكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 24 - 26] .
إن شجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلام الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق الحسنة، والأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، هي ما ينتفع به المؤمن، وينفع غيره به في الدنيا والآخرة، وأما شجرة الكفر فهي شجرة خبيثة المأكل والمطعم، كشجرة الحنظل ونحوها، لا عروق تمسكها، ولا ثمرة طيبة تؤكل منها ولا رائحة زكية تشم منها، وكذلك كلمة الكفر والمعاصي ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث، وعمل خبيث، يضر صاحبه ولا ينفعه، ولا يصعد إلى الله منه عمل صالح 28.
ويقول الألوسي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: «وجه تشبيه الكلمة الطيبة بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله بهذه الشجرة المنعوتة بما ذكر أن أصل تلك الكلمة ومنشأها وهو الإيمان ثابت في قلوب المؤمنين وما يتفرع منها وينبني عليها من الأعمال الصالحة والأفعال الزكية يصعد إلى السماء، وما يترتب على ذلك من ثواب الله تعالى ورضاه هو الثمرة التي تؤتيها كل حين، ويقال نحو هذا على تقدير أن تكون الكلمة بمعنى آخر فتأمل» 29.
إن الكلمة الطيبة والعمل الطيب والدعوة إلى الله عز وجل كالشجرة الطيبة ثابتة ومثمرة ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل مهما اشتدت وتكالبت، ومهما رأينا واقعًا مريرًا من الظلم والطغيان والتآمر الخبيث على الدعوة الإسلامية التي هي أطيب دعوة للحق والخير ونعيم الدنيا والآخرة، وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان، فهي تظل كالشجرة العالية الثابتة تبقى متعالىة، تطل على الشر والظلم والطغيان من عل.
وإن الدعوة الخبيثة وأعمالها من دعوات التحرر من الدين وقيوده -كما يدعون- كالشجرة الخبيثة قد تهيج وتتعالى وتتشابك ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها في الحقيقة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة تقتلع من أبسط هبة ريح، فلا يبقى لها أثر 30.
ثالثًا: الخبث في الناس:
لقد خلق الله عز وجل عباده على الفطرة السليمة التي ارتضاها لهم، ولكن فطرة البشر شابها ما شابها من عوالق الكفر الشر والخبث، فكان هناك المؤمن والكافر الطيب والخبيث وما جعلت الجنة والنار إلا لتفرق بينهما فهم ليسوا سواء، فيميز الله الكافر والخبيث المستحق للعقاب، ويفرقه ويعزله عن المؤمن الطيّب المستحق للثواب.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 36 - 37] .
ففي هذه الآية يقول الطبري رحمه الله: إن الله عز وجل يحشر الذين كفروا بربهم، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، إلى جهنم، ليفرق بينهم وهم أهل «الخبث» وبين المؤمنين بالله وبرسوله، وهم «الطيبون» ، فميز الله سبحانه وتعالى بينهم بأن أسكن الطيبين من المؤمنين جناته، وأنزل أهل الكفر ناره 31.
إذن فالناس هنا في الإنفاق على نوعين:
-هناك من ينفق أموالًا طائلة في الصد عن سبيل الله ولإغراق العالم الإسلامي في اللهو والغناء والفسق والفجور.
-وهناك من ينفق أمواله في الحق والجهاد وفي الحركة للقضاء على الباطل وأهله.
فبهذا الاحتكاك المرير، تنكشف الطباع، ويتميز الحق من الباطل، كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل 32.
وفي سياق هذه الآية يجدد كتاب الله مرة أخرى بيان الحكمة الإلهية في ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم بالنكبات والتضحيات، فيقول سبحانه وتعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ) [آل عمران: 179] .
ففي مثل هذه الوقائع والمواقف الصعبة ترفع الحجب وتهتك الأستار عن الخبيث من الناس.
قال مجاهد: «ميز بينهم يوم أحد» ، وقال قتادة: «ميز بينهم بالهجرة والجهاد» 33.
واختلف المفسرون؛ من المخاطب بالآية على أقوال: قيل: الخطاب للمؤمنين والمنافقين، وقيل: الخطاب للمشركين والمراد بالمؤمنين، وقيل: الخطاب للمؤمنين، والخطاب عند جمهور المفسرين للكفار والمنافقين، أي: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب، قاله ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي 34.
قال تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 74] .
لقد من الله جل جلاله على سيدنا لوط عليه السلام بأن آتاه الله سبحانه وتعالى الحكمة في فصل القضاء بين الخصوم، وكذلك علمًا بأمر دينه، وما يجب عليه لله من فرائضه.
وكان الله عز وجل قد بعثه لقرية اسمها سدوم، وكان أهلها خبثاء يعملون الخبائث، فنجاه الله من عذابه الذي أحلّه بأهل القرية التي كانت تعمل الخبائث من إتيان الذكران في أدبارهم، وخذفهم الناس، وتضارطهم في أنديتهم، مع أشياء أخر كانوا يعملونها من المنكر، فعاقبهم الله عز وجل بالعذاب الشديد في الدنيا قبل الآخرة، وأكرم الله عز وجل لوطًا عليه السلام في الدنيا بإنقاذه من أهل السوء وأعمالهم، وفي الآخرة بالجنة 35.
وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 26] .
يشير جل جلاله إلى مبدأ هام من مبادئ الحياة الاجتماعية، وهو أن النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا مع النفوس الخبيثة من مثلها، والنفوس الطيبة لا تمتزج إلا بالنفوس الطيبة من مثلها، فالله عز وجل جعل الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
وهذه الآية نزلت في حادثة الإفك حين اتهموا السيدة عائشة رضي الله عنها بالفحش، والمعنى ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له، لا شرعًا ولا قدرًا، فكل طيب له ما يوافقه وكل خبيث له ما يوافقه 36.
ومن منطلق هذه الآية فقد اشترط الفقهاء التكافؤ بين الأزواج، والمقصود أن يكون الزوجان متقاربين في كل شيء تقريبًا، والكفاءة تكون أيضًا في الطيبة أو الخبث، فلا يأتي واحد بامرأة خبيثة ويزوجها لرجل طيب كي لا تتعبه، ولا يأتي واحد برجل خبيث ويزوجه بامرأة طيبة كي لا يتعبها؛ لأن الطيب عندما يتزوج طيبة تريحه وتقدره، وكذلك الخبيث عندما يتزوج خبيثة فإنهما يتوافقان في الطباع والسلوك، وفي هذا توازن، والخبيث إن لم يخجل من الفضيحة، فالخبيثة لا تخجل منها أيضًا، أما الطيب والطيبة فكلاهما يخشى على مشاعر الآخر ويحافظ على كرامته 37.
رابعًا: الخبث في الأماكن:
وكما أن الخبث في الناس والأموال والأعمال فهناك أيضًا خبث في الأماكن.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 58] .
والمقصود في هذه الآية الأرض الطيبة والتربة السهلة السمحة الكريمة، التربة التي يخرج نباتها إذا أصابها المطر بإذن الله سبحانه وتعالى فتخرج نباتًا حسنًا غزير النفع، والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة لا تنتفع بالمطر لا يخرج نباته إلا عسرًا بمشقة وكلفة 38.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمره طيب، ثم ضرب مثل للكافر كالبلدة السبخة المالحة التي خرجت منها البركة، فالكافر خبيث وعمله خبيث» 39.
ويقول العز بن عبدالسلام رحمه الله في تفسيره: قال بعض أرباب القلوب: الذي خبث من القلوب لا يخرج إلا نكدًا بالكفر والمعاصي، والجمهور على أنه من بلاد الأرض الطيب التربة والرخيص السعر، أو الكثير من العلماء، أو العادل سلطانه، وضرب الله سبحانه وتعالى الأرض الخبيثة مثلًا للكافر، الذي خبث في تربته، أو بغلاء أسعاره، أو بجور سلطانه، أو قلة علمائه فلا ينتفع به، لشدة تعسره فلا خير فيه 40.
ومن الأماكن الخبيثة والتي تحب الشياطين المكث فيها: