القول الراجح في المراد بالسجود: هو أن السجدة كانت لآدم عليه السلام تعظيمًا له وتحيةً له كالسلام منهم عليه، وهو وضع الجبهة على الأرض، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضًا بالسلام، وقال قتادة في قوله: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] .
كانت تحية الناس يومئذٍ سجود بعضهم لبعضٍ، لكنه محرم في شريعتنا.
ووقع الخلاف هل كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الأسماء أم بعده؟
ظاهر السياق: أولًا التعليم، ثم الأمر بالسجود، ثم إسكانه الجنة، ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض 68.
إتمامًا لمجموع النعم التي أكرم الله بها آدم عليه السلام، خلقه الله بيديه، وعلمه الأسماء كلها، وجعله معلمًا للملائكة، وأسجد له الملائكة، أسكنه الجنة، وأباح له الثمرات كلها، عدا شجرة واحدة نهاه عنها، فهل التزم بأمر الله تعالى؟ وهل كان هذا السكن دائمًا في الجنة أم مؤقتًا؟ هذا ما سنراه في السطور القادمة إن شاء الله تعالى، وسنرى ما جرى معه في الجنة بإذن الله تعالى.
أولًا: السكن في الجنة:
يقول الله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] .
ويقول أيضًا: {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] .
تبين الآيات التكريم الإلهي للإنسان، وهو هنا المقام في الجنة في بدء الخليقة، ولكن اقتضت الحكمة الإلهية إقامته في الأرض، وتكليفه القيام برسالة مهمة، هي تعمير الكون، وإظهار مزية الإنسان في مجاهدة الشيطان وأهوائه، وقد سيقت هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقي من الإنكار؛ ليعلم أن المعصية من شأن البشر، وأنهم إذا كلفوا بشيء بالرغم من تكريمهم غاية الإكرام قد لا يمتثلون 69.
{اسْكُنْ} معناه: لازم الإقامة، ولفظه لفظ الأمر، ومعناه الإذن، و {أَنْتَ} تأكيد للضمير الذي في {اسْكُنْ} ، {وَزَوْجُكَ} عطف عليه، والزوج امرأة الرجل 70، وهذا دليل على أن آدم عليه السلام وزوجه سكنا الجنة.
الإقامة في الجنة بين الديمومة والتأقيت:
إن التعبير بلفظ: {اسْكُنْ} يحمل في طياته الخروج، بل فيه تنبيه على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكًا، فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامةٍ، ذلك أنه لو قال رجلٌ لغيره: أسكنتك داري لا تصير الدار ملكًا له، وله أن يخرجه منه إذا انقضت مدة الإسكان، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك؛ لأنه خلقه لخلافة الأرض، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك 71، فهو معنًى عرفيٌ، والواجب الأخذ بالمعنى العرفي إذا لم تثبت في اللفظ حقيقةٌ شرعية 72.
كما أن في حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم؛ لأن المخلد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر ولا ينهى 73، وينبغي أن يعلم أن الله تعالى خلق آدم للأرض؛ بدليل الآية: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ولو لم يعص لخرج على غير تلك الحال 74.
هل الجنة التي دخلها آدم هي جنة الخلد؟
الجمهور: أن هذه الجنة هي دار الثواب وأنها جنة الخلد، وهو الذي تشهد به ظواهر الآيات والأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ: {الْجَنَّةَ} لا يفيدان العموم؛ لأن سكنى جميع الجنان محالٌ، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.
وعلق بعضهم: أن الكل ممكنٌ، والأدلة النقلية ضعيفةٌ ومتعارضةٌ، فوجب التوقف وترك القطع، ولا تعدو أنها ظواهر كثيرةٌ، لكنها تفيد غلبة الظن، وليس لهذه القضية تأثيرٌ في العقيدة، والله أعلم 75.
السكن في الجنة بين التكليف والإباحة:
اختلفوا في فعل الأمر {اسْكُنْ} أمر تكليفٍ أو إباحةٍ، فعن قتادة أنه قال: إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرةٍ واحدةٍ أن يأكل منها.
وقال آخرون: إن ذلك إباحةٌ؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة وأكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد، ولا يكون قوله: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 160] أمرًا وتكليفًا، بل إباحةً.
والأصح أن ذلك الإسكان مشتملٌ على ما هو إباحةٌ، وعلى ما هو تكليفٌ؛ أما الإباحة: فهو أنه -عليه الصلاة والسلام- كان مأذونًا في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف: فهو أن المنهي عنه كان حاضرًا، وهو كان ممنوعًا عن تناوله 76.
ثانيًا: النهي عن أكل الشجرة:
يقول الله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] .
ويقول أيضًا: {فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] .
أباح الله عز وجل لآدم وحواء الجنة بكل ما فيها من الثمرات، فقال عز وجل: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] .
وقال: {فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} [الأعراف: 19] .
لكنه نهاهما عن شجرة واحدة، فقال لهما: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} ولعل الله عز وجل أراد لآدم بهذا المنع أن يتميز عن غيره من المخلوقات المسوقة حيث تبرز الإرادة، إذ لا تظهر الإرادة في حالة الإباحة التامة، فلابد من المنع حتى تظهر هذه الإرادة، كما قال سيد قطب، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} معناه: لا تقرباها بأكل؛ لأن الإباحة فيه وقعت، وقال بعض الحذاق: إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظة تقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب 77.
وربما كانت هذه الشجرة ترمز للمحظور الذي لابد منه في حياة الأرض، فبغير محظور لا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق، فالإرادة هي مفرق الطريق، والذين يستمتعون بلا إرادة، هم من عالم البهيمة، ولو بدوا في شكل الآدميين 78.
ما هي الشجرة التي نهى الله آدم عن قربانها؟
قيل في تعيينها أقوالٌ كثيرة، ليس فيها ما يعضده خبر؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة، والصواب: أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة -إما: بعينها، أو جنسها-79، فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها 80، ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها، وذلك علم إن علمه عالم لم ينتفع علمه به، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به، والله أعلم 81.
ثالثًا: خروجه من الجنة:
لابد أن ننتبه جيدًا حتى لا يقال: إن معصية آدم هي التي أخرجت البشر من الجنة؛ لأن الله تعالى قبل أن يخلق آدم حدد مهمته فقال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] .
فآدم عليه السلام مخلوق للخلافة في الأرض، ومن صلح من ذريته يدخل جنة الخلد في الآخرة، ومن دخل جنة الخلد عاش في النعيم خالدًا 82.
يقول الله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] .
ويقول أيضًا: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] .
بعد أن أسكن آدم وحواء الجنة أتاهما الشيطان فقال لهما: هل أدلكما على شجرة إن أكلتما منها خلدتما فلم تموتا، وملكتما ملكًا لا ينقضي فيبلى؟ فحلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب، فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما، فأقبلا يشدان عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما 83.
وفي قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة: 36] . يعني: أوقعهما في الزلل وحملهما عليه.
وقرئ: {فَأَزَالَهُمَا الشيطان} أي: نحاهما، وتوجيه قوله: {عَنْهَا} على القراءة الأولى: عن الوصية، وعن الجنة على القراءة الأخرى 84.
{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} قال لهما: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا} وتتجاوز عنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} في العقوبة، فتاب الله عليهما، وأوحى إليهما: أن {اهْبِطُوا} من الجنة آدم وحواء وإبليس {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} يكون إبليس لهما عدو، وهما لإبليس عدو، {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} إلى منتهى آجالكم وإبليس إلى النفخة الأولى، قال الله: {فِيهَا تَحْيَوْنَ} يعني: في الأرض {وَفِيهَا تَمُوتُونَ} عند منتهى آجالكم {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} يوم القيامة 85.
رابعًا: نتيجة المعصية:
لما عصى آدم ربه فأكل من الشجرة عاقبه الله بعدة عقوبات، ومنها ما يلي:
قيل: {اهْبِطُوا} خطابٌ لآدم وحواء، والمراد: هما وذريتهما؛ لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم، والدليل عليه قوله: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [طه: 123] .
ويدل على ذلك قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38 - 39] .
وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم 86.
{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} لحكمة غالية اقتضتها القدرة الإلهية أن يسكن آدم وزوجه الجنة، مع أنه خلق للاستخلاف في الأرض، فلما عصى آدم ربه أخرجه من الجنة، فكان الأمر بالهبوط من الجنة إلى الأرض، وكان في ذلك انحطاط رتبة المأمور، ولذلك لم يؤنسه بالنداء، أو الإقبال عليه بالنداء بخلاف قوله: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ} والمخاطب بالأمر بالإخراج آدم وحواء، والمراد: هما وذريتهما، أو هؤلاء وإبليس، ويكون الخطاب بلفظ الجمع وإن وقع على التثنية نحو: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] .
ذكره ابن الأنباري، ورجحه الزمخشري، والدليل عليه قوله: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [طه: 123] .
ويدل على ذلك قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} [البقرة: 38] الآية، وما هو إلا حكمٌ يعم الناس كلهم، وفي قول من أدخل إبليس معهما ضعفٌ؛ لأنه كان خرج قبلهما 87.
ما ذكره جل وعلا في آية طه من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة، كقوله تعالى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [الأعراف: 22] .
وقد دلت الآية السابقة على أن آدم وحواء كانا في سترٍ من الله يستر به سوءاتهما، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنهما انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة، فبدت سوءاتهما، وصارا يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة، كما قال: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27] ، أي: شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة بعضه ببعضٍ ليسترا به عوراتهما.
أما تعيين اللباس الذي كان عليهما، فهو من الاختلاف الذي لا طائل تحته، ولا دليل على الواقع فيه، وغاية ما دل عليه القرآن: أنهما كان عليهما لباسٌ يسترهما الله به. فلما أكلا من الشجرة نزع عنهما فبدت لهما سوءاتهما 88.
1.قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ? قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [الأعراف: 11] .
ذكر الله تعالى قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس في سبع سور: البقرة، والأعراف والحجر، والإسراء، والكهف، وطه، وص 89.
شاء الله عز وجل أن يبتلي إبليس بآدم ويبتلي آدم بإبليس، فلما خلق الله آدم جعل إبليس يطوف بهذا المخلوق، ويقول: لأمر ما خلقت، وبدأ يحرض الملائكة عليه، ويعلن أنه إن أُمِرَ بطاعة هذا المخلوق فلن يطيع، إعلان عن المعصية وإصرار عليها قبل أن يكلفه الله بالأمر.
أولًا: امتناع إبليس عن السجود لآدم:
يقول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .
ويقول أيضًا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 11 - 12] .
ويقول أيضًا: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [طه: 116] .
ويقول أيضًا: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 73 - 76] .
والإباء: امتناع باختيار، والتكبر: أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره، والاستكبار طلب ذلك التشبع 90.
حقيقة إبليس:
عن الحسن قال: «ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس» 91. وقوله: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] .
أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارجٍ من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلِقَ إبليس من مارج من نار، وخُلِقَ آدم مما وصف لكم) 92.
فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع، وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم، وتعبد وتنسك؛ فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة.
ونبه تعالى على أنه من الجن، أي: أنه خُلِق من نار، كما قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .
عن ابن عباس: «كان إبليس من حي من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار. وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت» 93.
والراجح وما تميل له النفس أنه ليس من الملائكة للأدلة الآتية:
1.أن الله عز وجل وصف الملائكة كما في سورة التحريم: (ا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6] . وإبليس هذا عصى الله عز وجل ولم يأتمر بأمره.
2.أن الله عز وجل أخبر أنه خلق آدم عليه السلام من طين، وإبليس اعترف بنفسه فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ? خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ) [ص: 76] .
3.والملائكة كما هو معلوم خلقت من نور.
4.جاء مصرحًا به في سورة الكهف في قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّہ) [الكهف: 50] .
5.أن الله عز وجل لم يجعل للملائكة ذرية، والملائكة أيضًا ليس فيهم ذكور ولا إناث بخلاف إبليس -عليه لعنة الله- فهو من الجن، ومنهم ذكور وإناث، فله ذرية ويتناسلون كما هو معلوم بدليل الآية 94.
قيل: إن إبليس أول من كفر.
وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض.
وهل كفر إبليس جهلًا أم عنادًا؟ على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالمًا بالله تعالى قبل كفره، فمن قال: إنه كفر جهلًا قال: إنه سلب العلم عند كفره، ومن قال: كفر عنادًا قال: كفر ومعه علمه 95.
ومما يدلل على أن إبليس مأمور بالسجود لآدم، أنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به، علم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به 96، فإبليس مأمور بالسجود مع الملائكة، إما بطريقة العلو؛ لأنه فاق الملائكة وأطاع الله مختارًا وألزم نفسه الطاعة، وصار يزهو على الملائكة، وإما بالدنو؛ لأن الملائكة أرفع من إبليس بأصل الخلقة والجبلة 97.
سبب عصيان إبليس وامتناعه عن السجود:
قال الحسن البصري: «قاس إبليس وهو أول من قاس» .
وقال محمد بن سيرين: «أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقايس» 98.
لقد نظر إبليس في نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم، فرأى في نفسه أنه أفضل من آدم، فامتنع عن السجود له مع وجود الأمر الإلهي له ولسائر الملائكة بالسجود.
وهنا قاعدة مهمة في القياس: فالقياس إن كان مقابلًا للنص كان فاسد الاعتبار، ثم هو فاسد في نفسه، فإن الطين أنفع وخير من النار، ففيه الرزانة، والحلم، والأناة، والنمو.
والنار فيها: الطيش، والخفة، والسرعة، والإحراق.
فإبليس ذكر الصلصال والحمأ، ولكنه لم يذكر النفخة العلوية التي تلابس هذا الطين 99.
ومن هنا نعلم أن إبليس استحق الطرد من رحمة الله لعصيانه أمر الله عز وجل؛ لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به، وترفعه في مخالفة الأمر الإلهي.
ثانيًا: وسوسة إبليس لآدم في الجنة:
يقول الله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 20 - 22] .
ويقول أيضًا: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 120 - 121] .
«الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي من ريحٍ، والوسواس: حديث النفس والوسواس: هو الشيطان. وكل ما حدثك ووسوس إليك، فهو اسمٌ» 100.
يقول الله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] .
«الزلة هي سقوطٌ في المعنى؛ إذ فيها خروج فاعلها عن طريق الاستقامة، وبعده عنها، وقرأت: (فأزالهما) ، ومعنى الإزالة: التنحية» 101، و {فَأَزَلَّهُمَا} أي: حولهما وزحزحهما عن الجنة، أو حملهما على الزلة بسبب الشجرة، و {الشَّيْطَانُ} : إبليس الذي لم يسجد ولم يخضع، وقد وسوس لهما بما ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أي: من ذلك المكان أو النعيم الذي كانا فيه، فكان الذنب متصلًا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب 102.