فهرس الكتاب

الصفحة 1152 من 2431

وقد عرض القرآن الكريم لعدد من مظاهر رحمة الله في القرآن الكريم، ومنها:

إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه 299؛ كما قال تعالى: {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) } [الدخان: 6] .

وقد جاء في القرآن الكريم إطلاق الرحمة على النبوة في غير موضع، كما في قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105] .

فالنبوة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} 300، وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه؛ وكل ذلك رحمة من الله له 301.

ومن إطلاق النبوة على الرحمة ما ذكره الله عن هارون عليه السلام وأن نبوته رحمة في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } [مريم: 51 - 53] .

فالهبة في قوله: {وَوَهَبْنَا} هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون؛ لأن هارون أكبر من موسى 302؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته 303.

ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًا، قال الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53] 304.

ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] .

فبعثة الرسول بما أوحاه الله إليه من الوحي رحمة من الله له ولهم 305؛ فثبت بالدليل القطعي صحة رسالته، ورحمة الله به للعباد 306.

ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} [ص: 8 - 9] .

فالنبوة عطية من الله عز وجل يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين 307، وليس الاختيار لهؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد؛ ولكنها بيد العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما من الله به عليك من الكرامة، وفضّلك به من الرسالة 308.

ونظير هذه الآية قوله تعالى 309: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] .

فالله يخص بالنبوة من يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين ولا بإرادتهم 310، فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد الله تعالى، وهو الذي يقسمها بين عباده، فيبسط الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، بحسب حكمته، فرحمته الدينية، التي أعلاها النبوة والرسالة، أولى وأحرى أن تكون بيد الله تعالى، فالله أعلم حيث يجعل رسالته 311؛ فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا 312.

وقد جاء في القرآن التنصيص على إن إرسال الرسل بالكتب إلى العباد رحمة من الله، كما قال تعالى: {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) } [الدخان: 6] .

فإرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه 313؛ لأن الإرسال بالإنذار رحمة بالناس ليتجنبوا مهاوي العذاب ويكتسبوا مكاسب الثواب، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] 314.

وأنزل الله الكتاب على نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة به وبالعباد، كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص: 86] .

فالآية تذكير لنعمه تعالى على رسوله، وأنه تعالى رحمه رحمةً لم يتعلق بها رجاؤه 315، فالاستثناء في {إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} استثناء منقطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرجو أن يبعثه الله بكتاب من عنده، بل كان ذلك مجرد رحمة من الله تعالى به واصطفاء له 316، فأرسله بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 317.

وقال تعالى أيضًا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51] ؛ وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية 318.

الأنبياء عليهم السلام هم أكثر الخلق مسارعةً إلى الخيرات، وأصدقهم توجّهًا وتذلّلًا لله تعالى؛ وأعظمهم رغبةً ورهبةً؛ وفي ذكر رحمة الله لهم، وبأي سبب حصلت لهم، مما يدعو إلى محبة الله تعالى، والإكثار من ذكره ومعرفته، والسبب الموصل إليه 319.

ومن ذلك الرحمة التي رحم الله بها عبده زكريا عليه السلام حين أسرّ بدعائه إليه، كما قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) } [مريم: 3] .

ثم فصّل كيفية دعائه بقوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) } [مريم: 4 - 6] 320.

فمن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدًا صالحًا، جامعًا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم؛ فرحمه ربه واستجاب دعوته، فقال: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 7] 321.

فوهبه الله الولد الصالح مع كبر سنه وعقم زوجه، فكانت ولادة يحيى تكريمًا ورحمةً بهذا النبي العابد 322.

ومن ذلك أيضًا الرحمة التي رحم الله بها عبده أيوب عليه السلام، كما قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83 - 84] .

فقد ألطف أيوب في السؤال؛ حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، ولم يعين الضر الذي مسه 323؛ فأذهب الله عنه ما به من الأذى، ورد عليه أهله وماله، ومنحه الله العافية من الأهل والمال شيئًا كثيرًا 324؛ وكل ذلك رحمةً بأيوب إذ قال: وأنت أرحم الراحمين 325.

ووصفت الرحمة بأنها من عند الله تنويهًا بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل 326؛ فهي رحمة تليق بذاته الكريمة، وهو الرحمن الرحيم 327.

وكون كشف الضر عن أيوب رحمةً من الله به، فكذلك هو ذكرى؛ لنعتبر ونعلم أن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن مع العسر يسرًا، وأن الإنسان لا يقنط من الفرج بعد الشدة 328.

التوبة لا بد فيها من ترك الذنوب، والندم عليها، وإصلاح العمل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك فإن الله يصب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به 329 كما قال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] .

فبين سبحانه أن المراد بالرحمة في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} غفرانه ما يعملون من سوء إذا تابوا وأصلحوا، فقوله: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا} مفسر لتلك الرحمة مبين لها 330.

فرحمة الله جل وعلا وسعت كل شيء، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ ولا أحد أشنع قولا ًمن الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومع هذه الفريةالعظمى والوقوع في جناب الله جل وعلا بهذا الأمر الهائل العظيم، فالله مع هذا يستعطفهم ويتلطف بهم للتوبة والمغفرة 331، كما قال تعالى: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 74] .

فالآية فيها التعجب من افترائهم على الله وإصرارهم على ذلك بدون توبة من هذا الاعتقاد القبيح، وفيها التلطف بدعوتهم إلى التوبة، وأن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة يقبل توبة التائبين، فلذلك ختمها بقوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 332، يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات 333.

امتن الله على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله 334، فقال: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] .

والفضل والرحمة هنا: نعمة إنزال الكتاب تفصيلًا لوجوه الحق في الحكم، وعصمته من الوقوع في الخطأ فيه 335؛ فيحفظه ويعصمه من قبول تدليس المبطلين، فلا تنطلي تضليلاتهم عليه، بل يوفقه الله ويحفظه من مؤامرتهم، وينور بصيرته، ويعلمه ما لم يكن يعلمه صيانة لأحكامه أن يصدر منها تبرئة مجرم، أو ظلم بريء 336.

ثم كرر الامتنان عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له 337، فقال: {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} ، وهذه نعمة كبيرة على رسوله صلى الله عليه وسلم تتضمن النعمة بالعمل، وهو التوفيق لفعل ما يجب، والعصمة له عن كل محرم 338.

إجراء الريح وانتشارها من ههنا وهاهنا أمام المطر مبشرة به من غرائب صنعه وعجائبه، ومن عظائم نعمه على خلقه 339، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] .

فإنه سبحانه لما ذكر قرب رحمته من المحسنين في قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] 340، أتبعها بذكر أثر من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته، وهو إرسال الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله 341.

نزول العقاب بالكافرين ونجاة المؤمنين يكون برحمة كريمة من الله، وحسبها شرفًا أنها من رب العالمين 342؛ كما قال تعالى عن نبيه هود عليه السلام {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72] .

وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58] .

وقال عن نبيه صالح عليه السلام: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 66 - 67] .

وقال عن نبيه شعيب عليه السلام: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94] .

فنجاتهم جميعًا هم ومن آمن معهم وإهلاك أعدائهم كان برحمة من الله؛ وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في جميع المواضع التي وردت فيها؛ للتعظيم، ووصفها بأنها من الله للدلالة على كمالها 343.

والباء في {بِرَحْمَةٍ} يحتمل أن تكون للسببية 344؛ حيث جعل إيمانهم سببًا ينالون به رحمته فأنجاهم برحمته؛ ويجوز أن تكون للمصاحبة؛ حيث الرحمة مصاحبة لهم إذ كانوا بمحل اللطف والرفق حيثما حلوا إلى انقضاء آجالهم 345.

وفي هذا ما يدل على التشبث بعرى الإيمان ومتابعة المرسلين لينال العباد بذلك الرحمة والنجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، والتحذير من مخالفة المرسلين، وبيان أن ذلك سبب العذاب في الدنيا والآخرة؛ وصدق الله إذ يقول: {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل: 53] .

ويقول: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [فصلت: 18] 346.

العبد المؤمن الصالح يتولاه الله حتى بعد مماته رحمة منه، وخاصة ما ترك من الذرية 347؛ كما قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] .

فإنه تعالى من كمال تدبيره وحكمته وتمام لطفه ورحمته أن قيض موسى والخضر في مصلحة يتيمين 348؛ حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما، لكونهما صغيرين عدما أباهما، وحفظهما الله أيضًا بصلاح والدهما 349؛ وكان الذي فعله الخضر لم يكن من تلقاء نفسه، ومجرد إرادته؛ وإنما ذلك من رحمة الله وأمره، الرحمة التي ليس بعدها رحمة، والحكمة التي ليس بعدها حكمة 350.

الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر؛ فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك، لطف به ربه ووفقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم 351، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] .

فاتباع الشيطان هم المحرومون من فضل الله ورحمته، فقدوا عصمة الله لعنادهم، وركوبهم أهواءهم، وإيثارهم رغبات أنفسهم على فطامها عما حرم الله، وجعلهم الخيرة لأنفسهم في سلوك مراداتهم من السبل دون سبيل الله، أما القليل الرافضون لهمزات الشيطان على اختلاف أنواعها، والمتقبلون هداية الله، والمؤثرون لمرضاته وسلوك سبيله على مرادات أنفسهم وشهواتها فهم الحائزون على فضله بعصمتهم من أي شيطان، ورحمتهم بتثبيت قلوبهم، وهم الذين يأّس الله منهم بقوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] .

وقد اعترف إبليس أنهم لا من جنده ولا أتباعه بقوله: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] .

فعصمتهم من اتباع الشيطان هي بفضل الله ورحمته 352.

وهذه الآية كقوله تعالى 353: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] .

فالشيطان يأتي النفوس من قبل أهوائها وشهواتها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، ولكن الله تعالى لا يترك عباده جميعًا تحت غواية الشيطان الرجيم؛ فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، فهو يجتبي من عباده من يزكيه ويطهره في قلبه ولسانه ونفسه، ولا يشاء الله تعالى لعبده تلك الطهارة إلا إذا سلك سبيلها، واختارطريقها، فيأخذه إلى ما اختار 354.

لا ألفة بين زوجين أعظم مما بين الزوجين 355، ومحبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما 356: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .

فجعل بين كل زوجين مودةً ومحبةً، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وجعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة 357.

وجعل بينهما محبةً ورأفةً، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق 358؛ فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة 359.

من رحمانيته تعالى لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء 360، كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} [الملك: 19] .

فالذي يحفظ الطير من السقوط بما أودع فيها من خاصية الطيران بالقبض والبسط هو الرحمن، وخص ذكره دون لفظ الجلالة (الله) ؛ للدلالة على أن هذا الحفظ من رحمته بهذه المخلوقات وبمن سخرت له، فرحمة الله بالمخلوقات بإمهالهم وعدم العجلة بعقابهم كرحمة الله بالطير في الهواء من السقوط والهلاك 361.

فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حكمته 362.

رحمة الله مبذولة لكل أحد، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] .

ولا يهلك على الله إلا هالك، وقد انقسم الناس تجاه هذه الرحمة إلى طرفين وواسطة، ولكل عرض القرآن الكريم.

أولًا: الآيسون القانطون من رحمة الله:

والإياس من رحمة الله من أعظم المحاذير، وهو نوعان:

1.إياس الكفار منها، وتركهم الأسباب التي تقربهم منها 363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت