فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 2431

وتكرارها كما قال القرطبي: «لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها» 127.

وقال البيضاوي: «وتكريرها؛ للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم، وفي الآية تحذيرٌ لنا عن الاقتداء بهم» 128.

وفي الآية سواء كانت الأولى أو الثانية دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، فالعبد مكتسب لأفعاله، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، فإن كان خيرًا فبفضله وإن كان شرًا فبعدله، وهذا مذهب أهل السنة 129.

والخلاصة في القول: إن كل أمة تسأل عن عملها لا عن عمل غيرها، وكل يجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إيمانه وتقواه، وأن الاعتماد على أعمال الآباء، والافتخار بهم، والاتكال عليهم لا يجدي شيئًا.

رابعًا: دعوة الأمم لأخذ كتب أعمالها:

ذكر الله سبحانه وتعالى حال الأمم وهي تدعى إلى كتب أعمالها، حيث قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28] .

قال ابن كثير: « {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} أي: على ركبها من الشدة والعظمة {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا} يعني: كتاب أعمالها، كقوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69] ؛ ولهذا قال: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 13 - 15] » 130.

وقال المراغي: «بين الله تعالى حال الأمم في ذلك اليوم، وما تلاقيه من الشدائد؛ انتظارا لفصل القضاء، فقال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} على ركبها؛ لشدة الهول والرعب، واستعدادًا لما تؤمر بها حين فصل القضاء {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا} الذي أنزل عليها لتعبد ربها بهديه، وكتابها الذي نسخته الحفظة من أعمالها؛ ليطبق أحدهما على الآخر، فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا، ومن خالفه هلك وكان من الأخسرين أعمالًا، ثم ذكر أنهم ينذرون ويبشرون بما سيبنى عليه حكم القضاء، فقال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: ويقال لهم حال دعائهم: اليوم تجازون بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا خيرها وشرها» 131.

فكل أمة مدعوة إلى كتابها، الذي تحاسب به، على حسب شريعتها التي دعيت إليها، فلكل أمة شريعة، ولكل أمة حسابها على هذه الشريعة من حيث اتباعها والاستقامة عليها، أو تضييعها والخروج عنها 132.

والخلاصة في المعنى: إن كل أمة تدعى؛ لتعرض أعمالها على ما أمرت به في كتابها المنزل عليها من ربها، فإن وافق عملها كتاب ربها نجت، وإن خالف عملها كتاب ربها هلكت. والله أعلم.

خامسًا: تلاعن الأمم في النار:

أخبر الله جل ثناؤه عن تلاعن الأمم من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة.

قال تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت