فهرس الكتاب

الصفحة 2418 من 2431

ولهذا قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ، ولهذا قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه» 40.

رأينا إذًا كيف أن اليهود قد انحرفوا انحرافات كبيرة في العقائد والسلوك والأخلاق، وسنتطرق في المبحث الرابع لتلك التحريفات التي طالت كتاب الله الذي أنزل إليهم، سواء كانت تلك التحريفات تحريفات كتابية، أو تحريفات شفوية منطوقةً باللسان.

لقد تمادى اليهود بالتحريف والتبديل والتزوير في كل شيء، ولم يسلم كتاب الله الذي أنزل عليهم من تحريفهم وتزويرهم، فغيروا من التوراة ما يناسب أهواءهم الفاسدة، فكان تحريفهم بطرق عدة، منها: كتمان ما لا يناسب أهواءهم، وكتابة ما يحلو لهم ونسبته إلى الله، وتقولهم على الله بهتانًا وزورًا، وتحريم ما لم يحرمه الله عليهم، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن فريقًا منهم يقومون بتحريف كلام الله من بعد ما سمعوه وفهموه وعقلوه، {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: (75) ] .

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ? وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ? سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ? يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ? يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَ?ذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ? وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ? لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ? وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?41?) [المائدة: (41) ] .

الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية والإخبار عن المنافقين واليهود، اليهود الذين سبق وأن بينا ما ذكر عنهم في آية سابقة بأنهم يسارعون في الإثم والعدوان، وهاهم في هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى أنهم يسارعون في الكفر، وهكذا هم اليهود يسارعون في الأعمال القبيحة بخلاف المؤمنين الذين يسارعون في الخيرات دائمًا، ومن أعمال الكفر التي سارع بها اليهود تحريفهم للتوراة وتبديلهم لبعض الكلمات حتى يوافق النص هواهم.

ويقول الله سبحانه: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ? وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ? لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ?12?فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ? يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ? وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ? وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى? خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?13?) [المائدة: (12) - (13) ] .

أخذ الله العهد والميثاق من بني إسرائيل لئن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وآمنوا برسل الله ونصروهم وأنفقوا في سبيل الله ليجزينهم الله بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار بعد أن يكفر الله عنهم ذنوبهم، ولكن كثيرًا من بني إسرائيل نقض العهد والميثاق مع الله، فحرفوا كتاب الله التوراة، وبدلوا بعض كلماته، تزويرًا وبهتانًا، ونسوا أو تناسوا جزءًا من عهد الله معهم، فلم يؤمن اليهود سواء الذين عاصروا البعثة أو من جاء بعدهم برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

ومعنى (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) أي: فيقدمون ويؤخرون ويحذفون بعض الكلام، ويؤولون معانيه لتوافق أهواءهم، ومن ذلك تأويلهم الآيات الدالة على نبوة كل من عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في التوراة.

من تحريفهم لكتاب الله أن يكتبوا كتبًا من عند أنفسهم تتناسب مع أهوائهم، ويجنون من ورائها أثمانًا وأموالًا، والأخطر من ذلك كله هو نسبتها إلى الله سبحانه وتعالى، فيقولون للناس: هو من عند الله.

قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَ?ذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ?79?) [البقرة: (79) ] .

ذكر الله الويل ثلاث مرات في هذه الآية، والويل: واد في جهنم 41، أو العذاب والهلاك كما في لغة العرب.

فلقد توعد الله علماء ورؤساء اليهود الذين يكتبون التوراة بأيديهم ويدعون بعد ذلك أنها من عند الله وما هي من عند الله، ويقولون على الله الكذب، قال الخازن: «والمراد بالذين يكتبون الكتاب «اليهود» ، وذلك أن رؤساء اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فاحتالوا في تعويق سفلتهم عن الإيمان به، فعمدوا إلى صفته في التوراة فغيروها، وكانت صفته فيها حسن الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة، فغيروا وكتبوا مكانه طوال أزرق العينين سبط الشعر، فكانوا إذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرءوا عليهم ما كتبوا (ثُمَّ يَقُولُونَ هَ?ذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) 42.

وكان اليهود يبيعون هذا الكلام الذي كتبوه بأيديهم لغيرهم، وخاصة للمشركين من العرب، فلقد ذكر الطبري في تفسيره: «كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعون من العرب ويحدثونهم أنه من عند الله؛ ليأخذوا به ثمنًا قليلًا» 43.

3.قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا.

من الغرور الذي وصل إليه اليهود أن تمنوا على الله الأماني، وجعلوا تلك الأماني حقائق لا بد أن تقع، فكان من أمنياتهم ما ذكره الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى? ? تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ? قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?111?) [البقرة: (111) ] .

تحدى الله كلًّا من اليهود والنصارى بأن يأتوا بحججهم وإثباتاتهم التي تثبت كلامهم هذا، حيث ادعى اليهود بأنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، وادعى النصارى أيضًا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا، وما كان هذا إلا أماني وأوهامًا يعيشونها، فلا برهان لديهم ولا دليل، فالله سبحانه وتعالى قد وعد كل من أسلم وجهه لله وأذعن وانصاع لأمر الله بأن له الأجر والثواب من الله، فالجنة لا يستحقها الناس بانتماءاتهم فقط، فالتسليم لله والإحسان والعمل الصالح هي سبيل الجنة، بعد رحمة رب العالمين.

4.قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه.

قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى? نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ? قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ? بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ? يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ? وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ? وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ?18?) [المائدة: (18) ] .

وهذا من غرور اليهود والنصارى أيضًا، فبعد أن بينا ادعاء كل منهما بأنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا هاهم يدعون أيضًا بأنهم أبناء الله وأحباؤه.

يقول ابن عادل في تفسيره: «واعلم أن اليهود والنصارى لا يقولون ذلك، فلهذا ذكر المفسرون وجوهًا:

أحدها: أن هذا من باب حذف المضاف، أي: نحن أبناء رسل الله، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: (10) ] .

الثاني: أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب قد يطلق أيضًا على من يتخذ أبناء، بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا عناية الله بهم ادعوا «أنهم أبناء لله» .

الثالث: أن اليهود زعموا أن العزير (ابن الله) ، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله، ثم زعموا أن العزير والمسيح كانا منهم كأنهم، قالوا: نحن أبناء الله. ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا أحدًا يقولون: نحن ملوك الدنيا. والمراد كونهم مختصين بالشخص الذي هو الملك، فكذا ها هنا.

الرابع: قال ابن عباسٍ: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعةً من اليهود إلى دين الإسلام، وخوفهم بعقاب الله تعالى، فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه؟! فهذه الرواية 44 إنما وقعت عن تلك الطائفة.

وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل أن المسيح قال لهم: أذهب إلى أبي وأبيكم. وقيل: أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في الحنو والعطف، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة» 45.

وجاء الرد على ذلك الادعاء بأن يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) ؟، سواءً العذاب الذي ذاقه آباؤكم من قبل في الدنيا، أو الذي تذوقونه أنتم من نفيٍ وقتلٍ وأسرٍ، أو الذي سينالكم يوم القيامة، كما أنكم بشرٌ كباقي البشر، والله وحده بيده الأمر يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء.

5.قولهم: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة.

ظن اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه، فأصابهم الغرور والكبر، فتوهموا بأنهم لن يدخلوا النار إلا أيامًا معدودة وسيحاسبون فيها حسابًا يسيرًا، فغرهم هذا الوهم إلى أن يكتبوا الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: إنه من عند الله كما غر الوهم فريقًا منهم حين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم فأعرضوا عنه وتولوا.

ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى ادعاءهم هذا بأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة أو معدودات في موضعين مختلفين، ففي سورة البقرة آية رقم (80) وفي سورة آل عمران آية رقم (24) .

واللافت للنظر أنه قد سبق كل آية من الآيتين السابقتين آية توضح إثمًا كبيرًا وفعلًا شنيعًا اقترفوه، فجاء التبرير لهذا الإثم والفعل بقولهم أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة أو معدودات.

ففي سورة البقرة قال سبحانه: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَ?ذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ?79?وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ? قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ? أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?80?) [البقرة: (79) - (80) ] .

ذكر الواحدي في أسباب النزول: «عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يومًا واحدًا في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) » 46.

وفي سورة آل عمران قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى? كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى? فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ(23) ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ? وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24 ) ) [آل عمران: (23) - (24) ] .

يبين الله سبحانه وتعالى موقف فريق من الذين أوتوا حظًّا وجزءًا من التوراة حين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولوا ويعرضوا عن ذلك، ولقد بين الإمام الطبري موقفهم حيث قال: «يعني جل ثناؤه بقوله: بِأَنَّهُمْ قَالُوا بأن هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق من أجل قولهم: (ٹ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) وهي أربعون يومًا، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل، ثم يخرجنا منها ربنا، اغترارًا منهم، (مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) يعني: بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدًا من ولده النار إلا تحلة القسم، فأكذبهم الله على ذلك كله من أقوالهم، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل النار، هم فيها خالدون، دون المؤمنين بالله ورسله وما جاءوا به من عنده» 47.

لقد كذبوا وافتروا وظلموا بقولهم على مريم زورًا، فلقد اتهموها بالزنا لولادتها لعيسى عليه السلام من غير أب، وما أسهل أن يلقوا بالتهم بهتانًا وإفكًا! حتى لو كان الأمر يتعلق بشرفاء القوم وأطهرهم، فهم لا يتورعون عن فعل ذلك، بسبب الكفر الذي تشربته نفوسهم.

قال تعالى: (ٹ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى? مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) [النساء: (156) ] .

يذكر السمرقندي في بحر العلوم: «وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى، ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب فعيرها اليهود واتهموها، وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس، ويقال: كان ابن عمها. فأنزل الله تعالى إكذابًا لقولهم وبين بهتانهم، فقال: (ٹوَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى? مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) يعني: لعنهم الله وخذلهم بذلك» 48.

ولقد برأ الله سبحانه وتعالى مريم عليها السلام بقوله: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ?12?) [التحريم: (12) ] .

كما وصفها الله سبحانه بأحسن الأوصاف، حيث صدقت وآمنت بكتب الله التوراة والإنجيل، وكانت من القانتات الطائعات العابدات، وأحصنت فرجها، وهي شهادة لها من رب العالمين.

7.قولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم.

قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: (157) ] .

تأتي هذه الآية في سياق من الآيات في سورة النساء، من آية (153) والتي مطلعها قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} ، حيث طلب اليهود من الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، فواسى الله رسوله بذكره سبحانه لما فعله أجداد هؤلاء من بني إسرائيل من أفعال شنيعة، حيث طلبوا من موسى عليه السلام أكبر من ذلك، فقد طلبوا منه أن يريهم الله جهرة، كما عبدوا العجل من بعده، ورفع الله الطور فوقهم ونقضوا الميثاق، ولم يدخلوا الباب سجدًا، واعتدى فريق منهم يوم السبت الذي حرم عليهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه بغير حق، وقالوا قلوبنا غلف، وقالوا السوء على مريم عليها السلام.

ثم يأتي بعد ذلك تفاصيل هذه الآية، حين قالوا: إنا قتلنا رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام، كل هذه الأفعال والأقوال القبيحة المكفرة ذكرها الله؛ ليبين سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمة الإسلام من بعده حقيقة هؤلاء القوم.

ثم يبين سبحانه حقيقة القتل الذي تفاخروا به بأنه لم يكن عيسى ابن مريم عليه السلام هو المقتول والمصلوب، ولكن شبه لهم بشخص آخر هو الذي قتل وصلب مكانه.

وتفاصيل هذه القصة يذكرها ابن عطية في تفسيره بقوله: «واختلفت الرواة في هذه القصة وكيفيتها اختلافًا شديدًا، أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع بصحته؛ لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ترجيح شيء منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين رشي عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه.

فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتًا بمرأى من بني إسرائيل، فروي أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر، وحصروا ليلًا، فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه، فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه فصلب.

وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه: أيكم يلقى شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة؟ فقال سرجس: أنا. وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحدًا ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص» 49.

ابتلى الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بالنعم والحسنات تارةً، وبالبلاء والسيئات تارةً أخرى، لعلهم يرجعون إلى الله ويتوبون إليه، ولعلهم يتبعون الطريق القويم طريق الهدى والنور، ولقد فرقهم الله في الأرض وشتتهم، فكان منهم الصالحون، وهم قليل، وكان أكثرهم فاسقين.

يقول سبحانه: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: (168) ] .

ولقد عاقبهم الله سبحانه على انحرافاتهم، ومن تلك العقوبات:

أولًا: عقوبات دنيوية حلت بهم:

1.أمرهم بقتل بعضهم بعضًا.

الشرك بالله هو أعظم الظلم، ولقد ارتكب كثيرٌ من بني إسرائيل أعظم الظلم عندما عبدوا العجل من دون الله، وهذا الظلم العظيم جاء عوضًا عن الشكر الواجب عليهم، وخاصةً بعد أن شاهدوا بأعينهم كيف فرق الله البحر فأنجاهم وأغرق فرعون وجنوده، لذا كان العقاب عظيمًا ويتناسب مع عظم الظلم الذي ارتكبوه، ومع شدة هذا العقاب صاحبه توبة من عند الله.

قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى? بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ? إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ?54?) [البقرة: (54) ] .

وعن اقتران التوبة بالعقاب وشدة هذا العقاب، يقول السيوطي: «أخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا. فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه حتى قتل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقي» 50.

هكذا كان عقابهم من الله، ولأن الله تعالى هو التواب الغفار فلقد تاب الله على من بقي منهم على قيد الحياة وغفر لمن قتل في هذا العقاب.

2.ضرب الذلة والمسكنة عليهم.

أراد الله لهم العزة وأبوا إلا الذلة والهوان، أراد الله لهم العزة بأن نجاهم من استعباد فرعون وقومه، كما أراد الله لهم العزة بأن يدخلوا الأرض المقدسة، وأراد الله لهم العزة بأن فجر لهم من الحجر ماءً، وأنزل لهم المن والسلوى من غير تعب وزرع، فأبى بنو إسرائيل إلا الذلة والهوان والفاقة، بأن استبدلوا الذي هو أدنى من الطعام بالذي هو خير، وذلك عندما تذمروا من أكل طعام واحد، وطلبوا البقل والقثاء والثوم والعدس والبصل.

قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى? لَنْ نَصْبِرَ عَلَى? طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ? قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى? بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ? اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ? وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ?61?) [البقرة: (61) ] .

أما عن الذلة والهوان والمسكنة التي أصابت بني إسرائيل فيعقب الدكتور محمد سيد طنطاوي بقوله: «إنَّ الذلة هوان تجيء أسبابه من الخارج، كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو، أما المسكنة فهي هوان ينشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق، واستيلاء المطامع والشهوات عليها، وتوارث الذلة قرونًا طويلة يورث هذه المسكنة، ويجعلها كالطبيعة الثابتة في الشخص المستذل، ولقد عاش اليهود قرونًا وأحقابًا مستعبدين لمختلف الأمم، فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفًا نفسيًا جعلهم لا يفرقون بين الحياة الذليلة والكريمة، بل إنهم ليفضلون الأولى على الثانية ما دامت تجلب لهم غرضًا من أغراض الدنيا، ومهما كثر المال في أيديهم فإنهم لا يتحولون عن فقرهم النفسي وظهورهم أمام الناس بمظهر البائس الفقير» 51.

والآية الثانية في القرآن الكريم التي ذكر فيها لفظا (الذِّلَّةُ) و (وَالْمَسْكَنَةُ) هي قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ?112? [آل عمران:(112) ] .

فاليهود على مر التاريخ وفي كل بقعة من بقاع الأرض هم قوم أذلاء مهانين من قبل الناس لسوء طبعهم وخلقهم، وهذا ما كتبه الله عليهم، إلا في حالتين، استثنى الله الذل عنهم بقوله (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) ، أي: بعهد من الله وعهد من الناس، فإرادة الله وحكمته قد تقتضي أن يعيش اليهود في فترة من الفترات الزمنية أو في بقعة من البقاع بغير الذل والهوان الذي كتب عليهم، كما أن من طبيعة اليهود أنهم يسعون دائمًا إلى أخذ العهد والأمان والنصرة من الناس، ومثال على ذلك ما حدث في القرن الماضي، حيث سعى اليهود إلى توقيع اتفاقيات ووعود مع الدول العظمى في ذلك الوقت كي تساعدهم على إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، فلقد وقع اليهود الاتفاقية الشهيرة المشئومة المسماة بوعد بلفور بتاريخ (2) نوفمبر (1917) م، حيث أبرم وزير الخارجية البريطاني في ذلك الوقت (آرثر بلفور) اتفاقية مع اليهود تنص على منح اليهود وطنًا قوميًّا في فلسطين.

وهذا هو الحبل والعهد مع الناس الذي يسعى اليهود لتحقيقه، وبالإضافة إلى الذل الذي كتب عليهم فلقد باءوا بغضب من الله، وضربت عليهم المسكنة أيضًا، كل ذلك كان بسبب الأفعال الشنيعة التي ارتكبوها، من كفر بآيات الله، وقتل للأنبياء بغير حق.

3.جعلهم قردة وخنازير.

هذا جزاء الكبر والغرور والتمرد على رسل الله، أرادوا الاستعلاء فأخزاهم الله، ومسخهم على هيئة حيوانات دنيئة، فلقد ذكر أمر جعلهم قردة ثلاث مرات في القرآن الكريم، وفي مرة واحدة من هذه المرات الثلاث ذكر أمر جعلهم خنازير أيضًا.

قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ?65?) [البقرة: (65) ] .

وعن معنى خاسئين يقول السمرقندي: «يعني مبعدين من رحمة الله، وأصله في اللغة من البعد، يقال: خسأ الكلب إذا بعد، ويقال: «خاسئين» أي: صاغرين ذليلين» 52.

وقال تعالى: (فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(166 ) ) [الأعراف: (166) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت