فهرس الكتاب

الصفحة 1969 من 2431

فقد جمع الله عز وجل للقاتل المتعمد فوق عذاب جهنم الذي يخلد فيه غضب الجبار سبحانه، واللعنة، والعذاب العظيم، قال ابن كثير: «وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله؛ حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] الآية.

والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًا» 83.

وكما أن الله عز وجل قد جعل اللعنة على القاتل العمد لاعتدائه على الأنفس البريئة، فإنه سبحانه قد جعل اللعنة أيضًا على من اعتدى على أعراض المسلمين الطاهرة العفيفة؛ فالاعتداء على الأعراض أمر عظيم، وأذيته للمؤمنين كبيرة، ومفسدته خطيرة؛ لذا فقد جعل الله عز وجل اللعن في الدنيا والآخرة لمن اقترف تلك الرذيلة، فقذف المؤمنات الغافلات، وخاض في أعراض المسلمين بدون حجة أو برهان، قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .

وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد بالمحصنات الغافلات المؤمنات اللاتي ذكرهن الله عز وجل في الآية؛ فقال بعضهم: المراد عائشة رضي الله عنها. وقال آخرون: المراد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، وعني بها كل من كان بالصفة التي وصف الله في هذه الآية، قالوا: فذلك حكم كل من رمى محصنة، لم تقارف سوءًا. وهذا القول الأخير هو ما رجحه الإمام الطبري رحمه الله تعالى 84.

7.نقض العهود المؤكدة.

لقد أمر الله عز وجل بالوفاء بالعهود في غير آية من كتابه العزيز، قال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .

وقال سبحانه: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [الأنعام: 152] .

ومدح سبحانه الموفين بالعهد، قال عز وجل: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .

وبين سبحانه أن الوفاء بالعهود صفة عباده المتقين: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد: 20] .

وبين سبحانه أيضًا عظم العهد عند الله عز وجل، وأن العبد مسؤول عنه يوم القيامة.

قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] .

وفي مقابل ذلك بين سبحانه أن نقض العهود ذنب عظيم، وإثم كبير، لا يقترفه إلا المجرمون المفسدون، {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] .

ولعظم نقض العهود فقد جعل الله عز وجل اللعنة لمن فعل ذلك، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] .

وإن ممن اشتهر بنقض العهود اليهود الذين قال الله عز وجل فيهم: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] .

فنقض العهود صفة لليهود، كانت من أسباب استحقاقهم للعنة الله سبحانه، {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13] .

ومعنى الآية: أنه بسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعنهم الله عز وجل، وجعل قلوبهم قاسية غليظة؛ فلا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر 85.

فنقض العهود سبب لاستحقاق اللعن والطرد من رحمة الله عز وجل؛ ولذا فإن المؤمن حريص على الوفاء بالعهود كلها، سواء ما كان بينه وبين ربه عز وجل، أو ما كان بينه وبين العباد.

8.الكذب ونشر الأخبار الكاذبة.

لقد أمر الله عز وجل عباده بالصدق: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .

ومدح سبحانه الصادقين: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] .

فالصدق خلق المؤمنين المتقين، وهو سبب للفوز بجنة النعيم، وعكسه الكذب، الذي هو صفة الكافرين والمنافقين، وسبب لاستحقاق عذاب الجحيم.

ولقد حرم الإسلام الكذب؛ بل وعده من كبائر الذنوب التي تهلك صاحبها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا) 86، وإن المداومة على الكذب، واستمراءه، ونشره بين الناس من أسباب وقوع العبد في لعنة الله عز وجل؛ لأن فيه مفسدة عظيمة على الأمة المسلمة.

ولا شك أن أعظم الكذب هو الكذب على الله عز وجل، أو على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يباهل من أصر على الكذب ورفض الانصياع للحق من نصارى وفد نجران الذين جاؤوا يحاجون في أمر عيسى عليه السلام، فأنزل الله عز وجل على نبيه الآيات البينات من مطلع سورة آل عمران تبين الحق في أمر عيسى عليه السلام، وقد قال عز وجل في خاتمتها: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .

فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يباهل 87 من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور الحق؛ فإن من أصر على الكذب بعد ذلك فهو مستحق للعنة الله عز وجل 88.

وإن من أسباب استحقاق لعنة الله عز وجل اختلاق الأخبار الكاذبة ونشرها بين الناس؛ لأجل زعزعة الأمن، ونشر الخوف والفتنة بين المسلمين -ولا يخفى ما في ذلك من خطورة شديدة على الأمة الإسلامية-، وهذا ما كان يفعله المنافقون في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنزل الله عز وجل تهديده ووعيده لهم: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60 - 61] .

والمراد بالمرجفين في المدينة: الذين ينشرون الأخبار الكاذبة بين المسلمين ليبثوا الخوف بينهم؛ فيقولوا: جاء الأعداء، وجاءت الحروب، وقتل من كان في سرية كذا، والعدو حول المدينة وغير ذلك من أخبار الكذب التي يقصد بها الإرجاف بين المسلمين، وقد توعد الله عز وجل هؤلاء المنافقين -إن لم ينتهوا عن فعلهم هذا- بأن يسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فينفيهم من المدينة نفيًا، ملعونين مطرودين من رحمة الله عز وجل 89.

إن من متطلبات الحديث عن اللعن في سياق القرآن الكريم الحديث عن الملاعنة بين الزوجين؛ لأن تلك الملاعنة من اللعن الذي شرعه الله عز وجل لعباده كحكم شرعي يخص قضية معينة تقع بين الزوجين، وفيما يأتي بيان موجز لمعنى الملاعنة وحقيقتها:

الملاعنة لغة: مصدر لاعن كقاتل، مشتق من اللعن، واللعان والملاعنة: اللعن بين اثنين فصاعدًا، وسمي به ما يحصل بين الزوجين؛ لأن الزوج يلعن نفسه في الشهادة الخامسة، وأطلق في جانب المرأة من مجاز التغليب 90، يقال: لاعن الرجل زوجته ملاعنة ولعانا برأ نفسه باللعان من حد قذفها بالزنا 91.

الملاعنة اصطلاحًا: للفقهاء تعريفات عدة للملاعنة، وكلها تؤدي إلى المعنى ذاته، من تلك التعريفات: «شهاداتٌ أربعٌ، مؤكداتٌ بالأيمان، مقرونة شهادة الزوج باللعن، وشهادة المرأة بالغضب، قائمة شهاداته مقام حد القذف في حقه، وشهاداتها مقام حد الزنا في حقها» 92.

وحقيقة اللعان تكون في حالة رمي الرجل امرأته بالزنا، وليس معه أربعة شهداء، فيحلف أربع مرات إنه لمن الصادقين، وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فإن أنكرت الزوجة ذلك، وأرادت أن تدفع عن نفسها حد الزنا فإنها تحلف أربع مرات إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن عليها غضب الله إن كان من الصادقين، فإذا تم اللعان سقط عن الزوج حد القذف، واندرأ عن الزوجة عذاب الزانية المحصنة، وحصلت الفرقة بينهما والتحريم المؤبد، وانتفى الولد إذا ذكر في اللعان 93.

وقد بين الله عز وجل أحكام اللعان في آياتٍ بيناتٍ من سورة النور، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6 - 9] .

قال السعدي: «وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته، دارئة عنه الحد، لأن الغالب أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته، التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقًا، ولأن له في ذلك حقًا، وخوفًا من إلحاق أولادٍ ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحكم المفقودة في غيره» 94.

وقد شرع الله عز وجل للزوج أن يلعن نفسه في الشهادة الخامسة إن كان من الكاذبين فيما رمى به زوجته -وهذه هي الحالة الوحيدة في الشرع التي يؤمر فيها المسلم بلعن نفسه إن كان من الكاذبين-، ولا يخفى أن في ذلك تغليظًا شديدًا على من رمى زوجته وهو كاذب؛ إذ إنه يلعن نفسه، ويحل على نفسه لعنة الله عز وجل؛ وهو مستحق لذلك؛ لأن فعله غاية في القبح، وجرمه غاية في البشاعة؛ إذ إنه بفعلته تلك يكون قد قبح عرض زوجته، وعرضها للعنة الناس، ونبذ الأزواج لها 95.

ولا شك بأن في ذلك التشريع الإلهي الحكيم سدًا لباب رمي الزوجة لمجرد الشك أو الشبهة؛ فلا يقدم الرجل على رمي زوجته إلا إذا كان متأكدًا بنفسه من وقوع الفاحشة منها.

أما الزوجة إن لم تتب وتعترف بعد شهادات زوجها -إن كان من الصادقين-، وتسلم لحكم الله عز وجل، وتشهد أربع شهادات بالله - وهي كاذبة - على أن زوجها من الكاذبين فهي بذلك أعظم جرمًا منه؛ لأنها تعلم صدقه فيما رماها به، ومع ذلك تشهد بالله على خلاف ما قد علمت، فاستحقت بذلك غضب الله عليها -والغضب أشد من اللعن-، فأشبهت بفعلتها تلك فعل اليهود المغضوب عليهم، الذين يعرفون الحق ثم يكتمونه 96.

قال أبو السعود: «وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها لما أنها مادة الفجور، ولأن النساء كثيرًا ما يستعملن اللعن؛ فربما يجترئن على التفوه به لسقوط وقعه عن قلوبهن» 97.

لاشك أن للعن آثارًا عظيمةً وخطيرة في الدنيا والآخرة؛ إذ اللعن طرد من رحمة الله عز وجل، وأي خسارة أشد من الطرد من رحمة الرحمن سبحانه؟! وأي حياة تستقيم بعد الحرمان من رحمة الرحيم الرحمن؟! وأي ملجأ يلجأ إليه العبد، وأي حصن يتحصن به إن هو طرد من الحصن الحصين والملاذ الأمين الذي يجده في رحمة الله عز وجل؟!

إن العبد لا غنى له عن رحمة ربه عز وجل، وإنه إن طرد من تلك الرحمة الواسعة فلا أمن له، ولا سعادة في الدنيا، وليس له منجٍ من عذاب الله عز وجل يوم القيامة، فمن ينصره؟ ومن يتولاه؟ ومن يمنعه في ذلك اليوم؟ يوم لا ينفع مال ولا بنون، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] .

إن من آثار اللعن في الدنيا عدم التوفيق للملعون، ونزع البركة منه ومن رزقه، وحرمانه من رعاية الله عز وجل ومعيته، وتعرضه للأذى وضيق الصدر، وغير ذلك مما يصيب العبد إذا طرد من رحمة الله عز وجل، وقد ذكر المفسرون في المراد من اللعن في الدنيا في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .

بأنه يشمل: التفسيق، وسلب أهلية الشهادة، واستيحاش المؤمنين منهم، ووقوع حد القذف عليهم 98.

إن أثر اللعنة يحيق بالملعون؛ فيحرمه مما هو خير، ولا يبقى في نفسه إلا الشر، فلا يهتدي لطريق الهداية، ولا يوفق إلى سبيل الرشاد، وينحدر بنفسه إلى مهاوي الرذيلة والعصيان، وهذا ما أصاب اليهود لما حلت عليهم لعنة الله عز وجل، {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46] 99.

أما آثار اللعن في الآخرة فهي أشد؛ إذ العبد يوم القيامة أحوج ما يكون إلى رحمة ربه، فكيف يصير حاله إذا طرد من تلك الرحمة، وقد قال الله عز وجل: {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52] .

فمن لعنه الله فلن يجد من ينصره، ولن يجد من يدفع عنه عذاب الله عز وجل، ولن يجد من يتولاه ويقوم بمصالحه، ويحفظه من المكاره، وهذا غاية الخذلان والعياذ بالله 100.

ولما كان للعنة آثار مذمومة على الملعون فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى المؤمنين عن أن يلعن بعضهم بعضًا، وحذر من ذلك تحذيرًا شديدًا، وبين صلى الله عليه وسلم عظم ذنب من لعن مؤمنًا فقال صلى الله عليه وسلم: (ولعن المؤمن كقتله) 101.

وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللعن ليس من صفات المؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء) 102.

وأنه (لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا) 103.

وأن من كان كثير اللعن فسيحرم من الخير الكثير يوم القيامة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة) 104.

وحذر صلى الله عليه وسلم أمته من آثار اللعنة التي يطلقها المرء، فلا يدري هل أصابت من لعن أم عادت إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا، فإذا لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلًا لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها) 105.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لعن مخلوقات غير الإنسان، فنهى عن لعن الديك، ونهى عن لعن الريح، ونهى عن لعن الدابة، فعن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (خذوا ما عليها ودعوها؛ فإنها ملعونة) 106.

وفي ذلك كله دليلٌ على خطورة الآثار المترتبة على اللعن، سواء كانت تلك الآثار في الدنيا أم في الآخرة، والمؤمن يحذر من كل ما قد يوقعه في لعنة الله عز وجل، ويجنب نفسه كل ذنب يترتب عليه لعن أو غضب من الله سبحانه، ويحرص كل الحرص على ما يعرضه لرحمة الرحمن سبحانه، ويدخله في واسع رحمته، وجميل عفوه وستره.

موضوعات ذات صلة:

الحمد، الظلم، الكذب، الظلم

1 لسان العرب 5/ 4044.

2 أساس البلاغة، ص 566.

3 أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنه، 1/ 299، رقم 2715، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول فيها، رقم 26، 1/ 11.

وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 83، رقم 112.

4 انظر: العين، الفراهيدي، 2/ 141، مختار الصحاح، الرازي، ص 612، القاموس المحيط، الفيروزآبادي 4/ 269.

5 الصارم المسلول على شاتم الرسول 2/ 87.

6 إحياء علوم الدين 3/ 123.

7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 649 - 650.

8 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 741.

9 انظر: لسان العرب، ابن منظور 3/ 1909.

10 انظر: المصدر السابق 4/ 2194.

11 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 294.

12 التعريفات، الجرجاني ص 165.

13 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 342.

14 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 33، مفاتيح الغيب، الرازي 17/ 244.

15 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 55.

16 انظر: لسان العرب، ابن منظور 3/ 1956.

17 انظر: جامع البيان، الطبري 23/ 510، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/ 213.

18 انظر: جامع البيان، الطبري 2/ 328، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 177، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/ 26.

19 هذه المواضع هي: النساء: 118، الحجر 35، ص: 78، وسيأتي ذكر هذه المواضع بإذن الله عند الحديث عن الملعونين في القرآن الكريم.

20 انظر: معالم التنزيل، البغوي 6/ 375، فتح القدير، الشوكاني 4/ 340.

21 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 1/ 342.

22 تفسير القرآن العظيم 5/ 300.

23 انظر: فتح القدير، الشوكاني 2/ 96.

24 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 1/ 167.

25 التفسير الوسيط 2/ 147.

26 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 672.

27 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 10/ 503، أيسر التفاسير، الجزائري 4/ 124.

28 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 209، مدارك التنزيل، النسفي 2/ 79.

29 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 137.

30 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 464.

31 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 120.

32 تفسير القرآن العظيم 2/ 136.

33 انظر: جامع البيان 3/ 258.

34 المحرر الوجيز 1/ 52.

35 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 256.

36 زاد المسير 4/ 401.

37 انظر: روح المعاني، الألوسي 14/ 47، البحر المديد ابن عجيبة 6/ 233.

38 انظر: الكشاف، الزمخشري 5/ 283، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 5/ 76.

39 زاد المسير 4/ 401.

40 انظر: جامع البيان، الطبري 9/ 210 - 212، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 277.

41 انظر: جامع البيان، الطبري 2/ 324، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 58.

42 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 486.

43 انظر: جامع البيان، الطبري 3/ 249، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 136.

44 انظر: معالم التنزيل، البغوي 2/ 230.

45 انظر: جامع البيان، الطبري 8/ 440، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 97.

46 أضواء البيان 1/ 242.

47 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 105.

48 انظر: تفسير السمرقندي 1/ 254.

49 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 417.

50 جامع البيان، الطبري 22/ 177.

51 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 177، معالم التنزيل، البغوي 7/ 287.

52 انظر: جامع البيان، الطبري 20/ 322، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 11/ 240.

53 انظر: دقائق التفسير، ابن تيمية 2/ 458، زاد المسير، ابن الجوزي 6/ 420.

54 انظر: دقائق التفسير، ابن تيمية 2/ 459.

55 انظر: جامع البيان، الطبري 15/ 367، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 449.

56 انظر: الكشاف، الزمخشري 3/ 210.

57 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 169.

58 انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 10/ 559.

59 تفسير القرآن العظيم 4/ 199.

60 انظر: تيسر الكريم الرحمن، السعدي ص 193.

61 جامع البيان 19/ 140.

62 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/ 201، التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/ 191.

63 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/ 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت