فهرس الكتاب

الصفحة 2064 من 2431

ويبدو أن موسى عليه السلام هو الآخر لم يتوقع أن تظهر عصي السحرة كثعابين أو حيات، والحقيقة أنها لم تكن حيات حقيقية لكن خيل للحاضرين من السحر أنها تسعى، يحكي القرآن (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) [الأعراف:116] .

(فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى?) [طه:66] .

يقول ابن عطية: «والظاهر من الآيات والقصص في كتب المفسرين أن الحبال والعصي كانت تنتقل بحيل السحر وبدس الأجسام الثقيلة المياعة فيها، وكان تحركها يشبه تحرك الذي له إرادة كالحيوان، وهو السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان، وذهب قوم إلى أنها لم تكن تتحرك؛ لكنهم سحروا أعين الناس، وكان الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل» 58.

لكن الآيات توضح أن موسى عليه السلام قد خاف وهاله سعي العصي؛ (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى?) [طه:67] .

قال البيضاوي: «فأضمر فيها خوفًا من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية، أو من أن يخالج الناس شكٌ فلا يتبعوه» 59.

وهنا يأتي التثبيت الإلهي له فيزداد ثقة بربه (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى?) [طه:68] .

وترصد آيات سورة يونس تغير لهجة موسى عليه السلام بعد التثبيت حيث قال لهم: (ٹ ٹ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ? إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ?81?وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ?82?) [يونس:81 - 82] .

يقول صاحب الظلال: «لا تخف إنك أنت الأعلى. فمعك الحق، ومعهم الباطل. معك العقيدة، ومعهم الحرفة. معك الإيمان بصدق ما أنت عليه، ومعهم الأجر على المباراة ومغانم الحياة. أنت متصل بالقوة الكبرى، وهم يخدمون مخلوقًا بشريًا فانيًا مهما يكن طاغيةً جبارًا» 60.

ويأتي النداء مرة أخرى (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ? إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ? وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى?) [طه:69] .

وامتثل موسى عليه السلام للأمر فألقى عصاه (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) [الأعراف:117] .

وهنا فجأ السحرة أن الحية العظيمة قد ابتلعت حبالهم وعصيهم فلم يبق لها أثر على الأرض؛ فأيقنوا أن عدوهم ليس بالساحر العليم كما قال فرعون، لكنه نبي جاء بمعجزة باهرة واضحة، فلا يعرف السحر إلا من يمارسه، (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?118?فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ?119?وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ?120?قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ?121?رَبِّ مُوسَى? وَهَارُونَ ?122?) [الأعراف:118 - 122] .

لقد تولد لديهم إيمان يقيني لا يقبل الشك بنبوة موسى عليه السلام، فأعلنوا إيمانهم دون النظر إلى ردة فعل فرعون الذي لا يعرف الاستسلام ويأبي الهزيمة؛ لأن نفسه المتكبرة لا تستسيغ أن يؤمن لنبي، فضلا عن أن يكون من بني إسرائيل الذين يستعبدهم ويستعملهم في أشق الأعمال وأحطها، ولذلك فقد صاح فيهم متهمًا إياهم بالتواطؤ مع موسى (?آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ? إِنَّ هَ?ذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا) [الأعراف:123] .

وهكذا أهل الباطل لا يسمعون إلا صوت أنفسهم.

وإمعانًا في تضليل الجماهير المحتشدة يتهم السحرة بالتآمر عليه مع موسى (لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ?) [طه:71] .

ويتوعدهم غاضبًا(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى? [طه:71] .

وهو التهديد الذي كان كفيلا بإثناء هؤلاء عن الدين الجديد، أو حتى المواربة بكتم الإيمان إلى وقتٍ تقوى فيه شوكة نبي الله ومن معه؛ لكن الإيمان قد تغلغل في قلوبهم في لحظة صدق مع أنفسهم قَالُوا لَا ضَيْرَ ? إِنَّا إِلَى? رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ?50?إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ?51?) [الشعراء:50 - 51] .

(وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ? رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) [الأعراف:126] .

يقول ابن قيم الجوزية: «ولما تمكن الإيمان من قلوبهم علموا أن عقوبة الدنيا أسهل من عقوبة الآخرة وأقل بقاء، وأن ما يحصل لهم في الآخرة من ثواب الإيمان أعظم وأنفع وأكثر بقاء» 61.

إن هذا النموذج الإيماني الفريد الذي ضربه سحرة فرعون ليؤكد أن القلوب الصافية من الخصوبة بحيث ينبت فيها الإيمان ويترعرع؛ بل ويثمر في لحظات معدودات، فها هم يتحولون إلى مجابهة فرعون بجبروته وصولجانه قائلين: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى? مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ? فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ? إِنَّمَا تَقْضِي هَ?ذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?72?إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ? وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ?73?إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى? ?74?وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَ?ئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى? ?75?جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى? ?76?) [طه:72 - 76] .

قال البقاعي: «أي إنما حكمك في مدتها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقب راحة، ونحن لا نخاف إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد، فذاك هو الشديد العذاب، الدائم الجزاء بالثواب أو العقاب» 62.

إن قصة موسى عليه السلام مع فرعون في كل فصولها ومراحلها تمثل صورة الصراع الأزلي بين الحق والباطل، لكن ذروته تتجلى في هذا المشهد المفعم باليقين حين يتمكن الإيمان من القلب، وسيظل سحرة فرعون مضرب المثل في الإيمان بالحق والدفاع عن العقيدة، كما سيظل فرعون مثالا حيًا للتكبر والعجب بالرأي واتباع هوى نفسه التي أوردته المهالك.

ظل فرعون وقومه يكابرون ويجادلون رغم يقينهم بصدق موسى ودعوته (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ?14?) [النمل:14] .

وبلغ بفرعون الجنون مداه حيث ادعى الألوهية فقال: (?يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى? إِلَ?هِ مُوسَى? وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [القصص:38] .

وهذا حال المهووسين بالسلطة لا ينظرون إلا في مرآة أنفسهم فلا يرون غيرها، وإن استعانوا فإنما يستعينون برؤوس جهالٍ كهامان وغيره.

لم يقر فرعون بالهزيمة أمام موسى عليه السلام والسحرة وازداد عتوًا، وازداد الفراعنة تحريضًا على الإسرائيليين (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى? وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ? قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ?127? [الأعراف:127] .

وزادوا في عتوهم وتحريضهم وقرروا مواصلة الإبادة الجماعية لأبناء المؤمنين (قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ?) [غافر:25] .

لعلهم يرجعون، فلم يجد موسى سوى مطالبة قومه بالصبر إلى يوم يفتح الله عز وجل عليهم بالتمكين والنصر قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ? إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ?128?قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ? قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ?129?) [الأعراف: 128 - 129] .

فاض الكيل بموسى عليه السلام ومن معه من تكذيب فرعون وقومه الذين أعلنوا في تحدٍ صارخٍ لنبوته (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ?132?) [الأعراف:132] .

فأرسل الله تعالى على الفراعنة سوء العذاب، وجاءتهم آيات العذاب الواحدة تلو الأخرى لعلهم يرجعون، ويسجل لنا القرآن الكريم صورًا شتى من هذه العذابات التي ذكرنا بعضها عند الحديث عن آيات موسى ومعجزاته.

يقول عز وجل: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ?130?فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَ?ذِهِ ? وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى? وَمَنْ مَعَهُ ? أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ?131?وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ?132?فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ?133?) [الأعراف:130 - 133] .

ولما تضاعف عليهم العذاب لم يجدوا إلا أن يلجؤوا إلى موسى ليكشف عنهم الضر مع وعد منهم بأن يؤمنوا (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ? لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ?134?فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى? أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ?135?) [الأعراف:134 - 135] .

ضاقت السبل بفرعون ولم يجد وسيلة لإيقاف الدعوة الجديدة، فالقتل والتشريد والسحل والتعذيب لم يجد مع أتباع موسى نفعًا، ومن ثم يحتاج إلى تغيير خطته، فكان التفكير في وسيلة ناجعة يتخلص بها من هذا الذي يؤرق ملكه وملك أبنائه من بعده، فكان قراره بالتخلص من موسى نفسه متناسيًا أن الفكرة لا تموت وأنه مهما تضافرت المحن سيظل هناك مؤمنون يضحون من أجل الدين بأغلى ما لديهم؛ فقال: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى? وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ? إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ?26?) [غافر:26] .

إنه يتحدث إلى قومه كأنهم أصحاب قرار، والحقيقة أنهم لم يكونوا يومًا أصحاب قرار في هذا الحكم الاستبدادي؛ إنما أراد أن يحشد الرأي العام كله ضد النبي الجديد ومن معه ليتوقفوا عن الإيمان به رغبًا أو رهبًا .. إنه يستعدي جزءًا من الشعب على جزءٍ آخر اختار الإيمان بالرسالة الجديدة.

ولأن الدنيا لا تعدم الخير مهما علا شأن الباطل وأهله؛ فقد انبرى رجل مؤمن في موطن الفساد ومعطن الاستبداد مدافعًا عن موسى عليه السلام ومتحدثًا بلغة العقل والمنطق، وقد قص القرآن ما كان منه.

يقول عز وجل: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ? وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ? وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ?28?يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ? قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى? وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ?29?وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ?30?مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ? وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ?31?وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ?32?يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ? وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ?33?وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ? حَتَّى? إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ? كَذَ?لِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ?34?) [غافر:28 - 34] .

ضاق موسى عليه السلام بفرعون وقومه فدعا قائلًا: (رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ? رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى? أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى? يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) [يونس:88] .

وفي النهاية لم يؤمن له (إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى? خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ?) [يونس:83] .

وقد اختلف في المراد بالذرية في الآية، يقول البيضاوي: (إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) إلا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل دعاهم فلم يجيبوه خوفًا من فرعون إلا طائفة من شبانهم، وقيل: الضمير لفرعون والذرية طائفة من شبانهم آمنوا به، أو مؤمن آل فرعون وامرأته آسية وخازنه وزوجته وماشطته على خوفٍ من فرعون وملائهم أي: مع خوف منهم، والضمير لفرعون وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، أو على أن المراد بفرعون آله كما يقال: ربيعة ومضر، أو للذرية أو للقوم» 63.

حانت ساعة النجاة فجاء الأمر الإلهي إلى موسى عليه السلام (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ?23?) [الدخان:23] .

فالليل ستر لكل من فر من عدوٍ يتربص به، وقوله تعالى (لَيْلًا) يرد الرواية القائلة إن اتفاقًا جرى على أن يترك فرعون موسى وقومه يخرجون من مصر حتى يتخلص من العذابات التي أحاطت بقومه غير أن فرعون حنث بعهده وأتبعهم هو وجنوده؛ ولو كان هذا الرأي صحيحًا لما نصحوا بالخروج ليلا كما نقل لنا القرآن الكريم، كما إن الرواية التي تذهب إلى أنه تبعهم بعد أن علم بأن نساء اليهود قد استعاروا الحلي من المصريات على أن يعيدوه ثم خرجوا به 64.

هي رواية متهافتة تستحيل عقلا فكيف يعير المصريون حليهم النفيسة اليهود الممتهنين في ذلك الوقت؟!

وأمر موسى عليه السلام من قبل ربه (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى? [طه:77] .

وهكذا يكون للعصا دور آخر جديد، فبعد أن كانت حية تسعى صار منوطًا بها شق البحر بإذن الله تعالى، لكن فرعون وقومه لم يكونوا ليذروهم يخرجون من مصر دون ملاحقة، (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) [الشعراء:60] .

(فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًاٹ) [يونس:90] .

ورغم أن الله عز وجل طمأن موسى بألا يخاف لحاق فرعون وجنوده إلا أن الخوف قد عاوده مرة أخرى، لكن سرعان ما ازداد ثقة بخالقه الذي كثيرًا ما لجأ إليه في ملماته؛ فصار مصدر اطمئنان لقومه بعد تسلل الرعب إليهم، ويصور القرآن هذا المشهد.

يقول تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى? إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ?61?قَالَ كَلَّا ? إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ?62?فَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى? أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ? فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ?63?) [الشعراء:61 - 63] .

وعندها مر موسى وقومه وخاطبه ربه قائلا: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ? إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ) [الدخان:24] .

«وفي (رَهْوًا) وجهان: أحدهما ساكنًا أي: لا تضربه ثانيةً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبسًا. وذلك أن موسى أراد أن يضربه حتى ينطبق خوفًا من أن يدركهم قوم فرعون، والله تعالى أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم. وثانيهما: أن الرهو الفجوة الواسعة أي: اتركه مفتوحًا منفجرًا على حاله» 65.

في اللحظة التي بدأ البحر ينطبق فيها على فرعون وجنوده بعد اجتياز موسى عليه السلام ومن معه وبدأت المياه في الارتفاع قال فرعون: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90] ؛ لكن توبته المزعومة لم تكن لتنفعه في هذا الوقت؛ لأنها لم تكن عن إيمان وقناعة وإنما كعادة قومه الذين طلبوا من موسى أن يكشف عنهم الرجز ووعدوه بالإيمان به حال كشفه، وسرعان ما عاودوا الكفر وحنثوا بالعهد، وقد أراد من وراء ذلك أن يدفع عن نفسه الغرق، ولا يلتفت إلى ما قاله البعض من أن فرعون عندما رأى البحر قرر عدم الولوج غير أن جبريل مكر به، فأقبل على فرس أنثى، فأدناها من حصان فرعون، فطفق فرسه لا يقر؛ فما ملك فرعون فرسه أن ولج على أثره 66، فلو صدقت نية فرعون في عدم متابعة موسى لصحت توبته، فالله لا يظلم الناس شيئًا.

وهنا جاءه الرد الإلهي الحاسم (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ?91?فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ?92?) [يونس:91 - 92] .

قال النيسابوري: «لتكون دليلا على كمال قدرتنا وعنايتنا. وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات» 67.

ونظرًا لأهمية ذلك اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه؛ فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى؛ قال: فأنا أحق بموسى منكم؛ فصامه وأمر بصيامه) 68.

بل كان حريصًا على صيامه حرصه على صيام الفريضة ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا قال: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان) 69.

إن نهاية فرعون وهامان وجنودهما المستحقة تجعل المؤمنين يثقون بنصر ربهم وصدق موعوده لهم بأن القهر والاستبداد مهما طال بهم فسيأتي اليوم الذي يسعدون به وتقر أعينهم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ?5?) [القصص:5] .

وتلك هي سنة الله تعالى في خلقه (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ? وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?55?) [النور:55] .

واعد الله عز وجل موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر كانت بمثابة التهيئة لتلقي التوراة.

ففي القرآن الكريم (وَوَاعَدْنَا مُوسَى? ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ?) [الأعراف:142] .

ولم يترك بني إسرائيل وحدهم فطلب من أخيه هارون أن يكون خليفة له ونائبًا عنه (وَقَالَ مُوسَى? لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف:142] .

وقد فصلنا أمر الاستخلاف ووجه استدلال الشيعة بحديث الإمام علي رضي الله عنه قبل ذلك.

ظل موسى عليه السلام أربعين ليلة اختلف حولها المفسرون؛ فقيل: «إنها ثلاثون ليلة من ذي القعدة وعشر ليال تتمة أربعين ليلة» 70.

وقيل: إن المواعدة كانت في الأصل ثلاثين غير أنه تعجل قبل الموعد بعشرة أيام 71، حتى كان اليوم الموعود الذي جاء لميقات ربه فطلب موسى من ربه أن يراه، وربما يتساءل البعض: كيف لموسى أن يتجاسر ويطلب من ربه طلبًا كهذا؟!

يبدو -والله أعلم- أن كلام الله جل جلاله لموسى قبل ذلك وتقريبه له نجيًا جعله يطلب من ربه هذا الطلب، ويقص علينا القرآن هذا الحدث: (ے وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى? لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ?) [الأعراف:143] .

لكن جاء الرد الإلهي بأن ذلك لن يحدث، فقال سبحانه: (لَنْ تَرَانِي وَلَ?كِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ?) [الأعراف:143] .

ولبى موسى نداء ربه بانتظار ما سيكون؛ (فَلَمَّا تَجَلَّى? رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى? صَعِقًا ? [الأعراف:143] من هول الموقف.

(فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف:143] .

فبمجرد أن أفاق موسى نزه ربه تعالى عن أن تحيط به الأبصار (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ? وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103] .

وأحس موسى بالذنب عندما طلب رؤية الله فطلب التوبة، وأقر بالإيمان الكامل بربه وخالقه دون أن يراه.

ويبدو أن هناك من ذهب إلى أن موسى عليه السلام سأل الرؤية لقومه لا لنفسه.

وهو ما رده الفخر الرازي وقال بفساده لعدة اعتبارات:

«الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى: أرهم ينظروا إليك ولقال الله تعالى: لن يروني فلما لم يكن كذلك بطل هذا التأويل.

والثاني: أنه لو كان هذا السؤال طلبا للمحال لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا: (اجْعَل لَّنَا إِلَ?هًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) [الأعراف:138] .

منعهم عنه بقوله: قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف:138] .

والثالث: أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال فأما أن لا يذكر شيئا من تلك الدلائل البتة مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام وأنه لا يجوز.

والرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام، أو ما آمنوا بها، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل مجرد قول موسى عليه السلام، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب؛ لأنهم يقولون له: لا نسلم أن الله منع من الرؤية، بل هذا قول افتريته على الله تعالى، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام أرني أنظر إليك» 72.

ومسألة الرؤية هنا أثارت إشكالية كبيرة ممتدة منذ قرون عديدة، وهناك جدل قديم دائر بين أهل السنة والمعتزلة حول إمكانية رؤية الله تعالى، فهي «عند الأشعرية وأهل السنة جائزة عقلا، لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته، قالوا: لأن الرؤية للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر من الوجود، إلا أن الشريعة قررت رؤية الله تعالى في الآخرة نصا ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر من الشرع، فموسى عليه السلام لم يسأل ربه محالا وإنما سأل جائزًا» 73.

ثمة رأي يذهب إلى أن الله تعالى كلم موسى عليه السلام ومعه السبعون رجلا مصداقًا لقوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى? قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ? فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ? [الأعراف:155] .

ومنهم من يذهب إلى أنهما ميقاتان وليس ميقاتًا واحدًا 74.

يقول ابن عطية الأندلسي: «معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام اختار من قومه هذه العدة ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء ليكون منه ومنهم اعتذارٌ إلى الله عز وجل من خطأ بني إسرائيل في عبادة العجل وطلبٌ لكمال العفو عمن بقي منهم» 75.

نادى الله نبيه موسى عليه السلام: (قَالَ يَا مُوسَى? إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ?144?وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ? سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ?145?) [الأعراف:144 - 145] .

وبصرف النظر عن عدد الألواح ونوع مادتها؛ فقد قال القرآن إنها احتوت من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء، وهو ما فسره ابن عاشور: «أي: كل شيء تحتاج إليه الأمة في دينها ... والذي كتب الله لموسى في الألواح هو أصول كليات هامة للشريعة التي أوحى الله بها إلى موسى عليه السلام» 76.

والتوراة كما وصفها القرآن تضمنت تشريعات جديدة أحلت بعض ما كان محرمًا على بني إسرائيل.

يقول تعالى: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ? وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?50?) [آل عمران:50] .

كما تضمنت أحكامًا تنظم حياة الناس (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَ?لِكَ ? وَمَا أُولَ?ئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ?43) [المائدة:43] .

وهي كتاب هداية وإرشاد (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ) [المائدة:44] .

كما تضمنت التوراة بشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?157?) [الأعراف:157] .

وفي القرآن على لسان عيسى عليه السلام: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ? فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَ?ذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف:6] .

وعاب القرآن على اليهود الذين تركوا العمل بالتوراة وما جاء فيها وشبههم أسوأ تشبيه، يقول: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة:5] .

ومن عجيب أمر بني إسرائيل أنهم لما نجاهم الله عز وجل من فرعون مصر وأراهم المعجزات والآيات واحدة تلو الأخرى طلبوا من موسى أن يتخذ لهم إلهًا صنمًا، ويحكي القرآن هذه المأساة الحقيقية.

يقول تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى? قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى? أَصْنَامٍ لَّهُمْ ? قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَ?هًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ? قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138) (138) إِنَّ هَ?ؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَ?هًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140 ) ) [الأعراف:138 - 140] .

ويبدو أن غياب موسى عنهم مدة الأربعين يومًا جعلهم يتخبطون وفي غيهم يترددون.

يقول البقاعي في تفسير قوله تعالى: (ں وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى?) [طه:83] : «أي: أي شيء أوجب لك العجلة في المجيء عن قومك وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في الاسترضاء، أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو تأخر؟!» 77.

لكن موسى كان حسن الظن أكثر مما ينبغي فقال: قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى? أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى? ?84?قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ?85?) [طه:84 - 85] .

لقد أخبره الله تعالى بما كان من قومه الذين عبدوا العجل رغم نهي هارون لهم.

لكن ما سبب هذه الردة العقدية؟!

ويرجع الدكتور محمود مزروعة نزوع بني إسرائيل إلى عبادة العجل وقت غياب موسى إلى عدة أسباب أهمها: القاعدة التاريخية المعروفة بولع المغلوب بتقليد الغالب، وميل بني إسرائيل بطبيعتهم إلى تقديس المادية، وطول العهد الذي قضوه بين المصريين مما أنساهم كثيرًا من أركان دينهم 78.

وتصور الآيات عودة موسى غاضبًا من فعلة قومه الشنيعة (فَرَجَعَ مُوسَى? إِلَى? قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ? قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ? أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ?86?قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَ?كِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَ?لِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ?87?فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَ?ذَا إِلَ?هُكُمْ وَإِلَ?هُ مُوسَى? فَنَسِيَ ?88?أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ?89?وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ? وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَ?نُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ?90?قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى? يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى? ?91?) [طه:86 - 91] .

والسامري هو كلمة السر التي كان لها الأثر الأكبر في قوم موسى، فهو من أقنعهم بأنهم في حاجة إلى إله يصنعونه من الذهب الذي جاؤوا به عندما خرجوا إلى سيناء، (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ? اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) [الأعراف:148] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت