فهرس الكتاب

الصفحة 1828 من 2431

القتل

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (قتل) تدل على إذلالٍ وإماتةٍ. وهما معنيان متقاربان 1.

وقال الراغب الأصفهاني: «أصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إن اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ» 2.

يقال: قتله يقتله قتلًا وتقتالًا، ورجلٌ قتيل: مقتول، وامرأة قتيل: مقتولة، وقتل فلان فلانًا أي: أماته 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف القتل بتعريفات عدة منها ما ذكره السيوطي أنه «فعل في محل يتعقبه زهوق روح المقتول به» 4.

وعرفه المناوي بقوله: «القتل: أصله إزالة الروح كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي له، يقال قتل، وإذا اعتبر بفوات الحياة يقال موت» 5.

وردت مادة (قتل) في القرآن الكريم (170) مرة، يخص موضوع البحث منها (99) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 36 ... {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92]

الفعل المضارع ... 41 ... {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء:92]

فعل الأمر ... 10 ... {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف:9]

المصدر ... 10 ... {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء:33]

مصدر (قتل) ... 1 ... {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) } [الأحزاب:61]

اسم المفعول ... 1 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178]

وجاء القتل في القرآن الكريم على وجهين 7:

الأول: الفعل المميت للنفس: ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] . يعني: الفعل المؤدي إلى الموت.

الثاني: اللعن: ومنه قوله تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} [الذاريات: 10] . يعني: لعنوا.

الموت:

الموت لغة:

الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة 8.

الموت اصطلاحًا:

للموت تعريفات عدة تدور كلها حول معنى زوال الحياة، فهو صفة وجودية خلقت ضدًا للحياة.

وقيل الموت: انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار 9.

وقيل الموت: مفارقة الروح للجسد 10.

الصلة بين القتل والموت:

الموت ينفي الحياة مع سلامة البنية، ولا بد في القتل من انتقاض البنية، ويقال لمن حبس الإنسان حتى يموت أنه قتله ولم يكن بقاتل في الحقيقة لأنه لم ينقض البنية 11.

الوفاة:

الوفاة لغة:

جاء في كتب اللغة أن التوفي: الوفاة والمنية والموت، وتوفي فلانًا، وتوفاه الله، إذا قبض نفسه، أو قبض روحه 12.

الوفاة اصطلاحًا:

الوفاة معناها: الموت، وأن أصله من توفية الشيء إذا أخذه كله 13. فالتوفي: الإماتة وقبض الروح 14.

الصلة بين الوفاة والقتل:

الوفاة لا تستعمل إلا في الإنسان فقط، أما القتل فيستعمل في الإنسان وفي غيره من الكائنات الحية.

والقتل ينسب للقاتل، والوفاة لا تنسب إلا إلى الله تعالى، فيقال: «فلان قتل فلانًا» ، ولا يقال: «فلان توفى فلانًا» .

الذبح:

الذبح لغة:

الذبح لغة قطع الحلقوم من باطنٍ عند النصيل وهو موضع الذبح من الحلق، والذبح مصدر ذبحت الشاة يقال: ذبحه يذبحه ذبحًا فهو مذبوح وذبيح، والذباح القتل أيًا كان 15.

الذبح اصطلاحًا:

هو أحد أنواع الذكاة، وعرف بأنه «قطع جميع الحلقوم والودجين بآلة» 16 والمراد بالودجين العرقين (الشريانيين) اللذين يوصلان الدم لمخ الحيوان.

الصلة بين الذبح والقتل:

أن الذبح عمل معلوم، والقتل ضروب مختلفة ولهذا منع الفقهاء عن الإجارة على قتل رجل قصاصًا ولم يمنعوا من الإجارة على ذبح شاة؛ لأن القتل منه لا يدري أيقتله بضربة أو بضربتين أو أكثر؛ وليس كذلك الذبح 17.

الأصل في كل ما يصيب المرء أنه من قضاء الله تعالى وقدره، استنادًا إلى العديد من النصوص القرآنية، منها قول الله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] .

وقوله جل شأنه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] ونحوهما من الآيات التي تثبت أن كل ما يصيب المرء إنما هو بقدر الله تعالى.

وفي معرض القتل خاصة جاءت آية من كتاب الله تعالى لتفصل في قضية تخلف المتقاعسين عن الجهاد بحجة الخوف من القتل، وتبين خطأهم وفساد عقيدتهم في هذا الجانب.

قال الله تعالى {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] .

قال النيسابوري: «لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء؛ لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظانًا بل شاكا في حقية هذا الدين، وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء. ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يكشف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} أي: ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة» 18.

وذكر بعض المفسرين المتأخرين أن ظن القائلين بذلك هو ظنٌ باطلٌ، ومن التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم، ويسمعون منهم، لما أصابهم القتل، ويكون النصر والظفر لهم. فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل، الذي هو ظن أهل الجاهلية، الذين يزعمون، بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه، أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} فلا يكون إلا ما سبق قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وأن ما جرى عليهم من الهزيمة والقتل، فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان لهم من الأمر شيء أو لم يكن، وأنهم لو كانوا في بيوتهم، وقد كتب القتل على بعضهم، لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد 19.

ومسألة كون المقتول ميتًا بأجله أم أن القاتل قد قطع أجله من مسائل العقيدة التي تناولها المحققون من علماء الأمة وفصلوا القول فيها على نحو ما هو معروف في موضعه عند الكلام عن القضاء والقدر، وخلاصة ما عليه جمهور السلف أن المقتول ميت بأجله الذي قدره الله تعالى له، خلافًا للمعتزلة ومن وافقهم الذين يقولون إن القاتل قد استعجل أجل المقتول.

قال صاحب الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية:

ومن يمت بقتله من البشر

أو غيره فبالقضاء والقدر

ولم يفت من رزقه ولا الأجل

شيء فدع أهل الضلال والخطل

قال السفاريني شارحًا قوله: (ومن يمت بقتله) : «إن المراد أن المقتول ميت بأجله، أي: الوقت المقدر لموته، لا كما يزعم بعض المعتزلة من أن الله تعالى قد قطع عليه الأجل، والحق عند أهل الحق أن المقتول ميت في الوقت الذي قدره الله تعالى له وعلم أنه يموت فيه، لا كما زعمت المعتزلة أنه قد قطع عليه الأجل، يعني لم يوصله إليه، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل، فهم يقطعون بامتداد العمر لولا القتل» 20.

واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) } [آل عمران: 168] ففي الآية دليل على أن المقتول يموت بأجله خلافًا لمن يزعم أن القتل قطع على المقتول أجله 21.

والقتل ليس شرًا محضًا، وإن كان الظاهر في القتل أنه شر للمقتول، ولكنه باعتبار علم الله تعالى، وقضائه وقدره، قد يشتمل على خير، والقتل في ذلك داخل في عموم كل ما يحصل للمرء، وينطبق عليه قول الله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] .

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: «القتل هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن؛ فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير وكون الآلة قابلة للتأثير خير وكون المحل قابلا لذلك خير، وإنما الشر نسبي إضافي؛ وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه والعدول به عن المحل المؤدي إلى غيره وهذا بالنسبة إلى الفاعل؛ وأما بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة؛ وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى وخير لغيره» 22.

ينقسم القتل باعتبارين أولهما: باعتبار موجبه إلى قتل بحق وقتل بغير حق، وثانيهما: باعتبار صفته إلى قتل عمدٍ وقتل خطأ، وقتل شبه خطأ على نحو ما هو معروف لدى العلماء بغض النظر عما في النوع الثالث من خلاف بينهم في إثباته أو نفيه، والذي يعنينا هنا هو تقسيم القتل إلى قتل بحق وقتل بغير حق، على هذا النحو:

أولًا: القتل بحق:

القتل بحق هو القتل المشروع، الذي جاءت نصوص القرآن الكريم مبيحة له على سبيل الوجوب؛ ويشمل أنواعًا متعددة تندرج تحت ثلاث حالات:

الحالة الأولى: القتل قصاصًا:

والكلام فيه مبسوط في عقوبة القتل، وعمدته من كتاب الله تعالى قوله جل شأنه {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] .

قال ابن تيمية: «فبين سبحانه وتعالى أنه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسًا على أخرى، كما كانوا يفعلونه» 23، وقوله جل شأنه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] .

وقوله جل شأنه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .

ولا أتوسع في الكلام عن القصاص هنا حيث الكلام مستفاض عنه في عقوبة القتل، وفي حكمة تشريع القصاص في مبحثين آتيين.

الحالة الثانية: القتل حدًا:

شرع الإسلام القتل في أربعة جرائم من جرائم الحدود، وهي: الحرابة والردة وزنا المحصن، وفي جرائم أخرى كالسحر والزندقة، وذلك من أجل الحفاظ على بعض الكليات الشرعية كالدين والنفس والعرض والمال.

وبعض هذه المشروعية جاء في القرآن الكريم، وبعضها جاء في السنة النبوية، فمما جاء في القرآن الكريم حد الحرابة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] .

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق: «إذا قتلوا وأخذوا المال؛ قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال؛ قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا؛ طلبوا حتى يوجدوا، فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا؛ نفوا من الأرض» 24.

قال الشافعي رحمه الله: «وبهذا نقول، وهو موافق معنى كتاب الله تبارك وتعالى، وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم، فأما أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل، أو السباء، أو الجزية، واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم، على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما» 25.

وروي عن قتادة أنه كان يقول في قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} حدودٌ أربعة أنزلها الله؛ فأما من أصاب الدم والمال جميعًا، صلب، وأما من أصاب الدم وكف عن المال، قتل، ومن أصاب المال وكف عن الدم، قطع، ومن لم يصب شيئًا من هذا، نفي» 26.

ومما ذكر في القرآن الكريم كذلك حد الرجم، حيث نسخت تلاوته وبقي حكمه، وهذا ما ذهب إليه أكثر المفسرين 27.

ويؤيده ما أخرجه البخاري بسنده عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمانٌ، حتى يقول قائلٌ: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، ألا وإن الرجم حقٌ على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف - قال سفيان: كذا حفظت - ألا وقد (رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده) 28.

قال القرافي: «وهو قول منتشر في الصحابة من غير مخالف فكان إجماعًا، وفعله عمر بجارية» 29.

وقال ابن قدامة: «وجوب الرجم على الزاني المحصن، رجلا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفا إلا الخوارج ثم قال: «وقد ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنزله الله تعالى في كتابه، وإنما نسخ رسمه دون حكمه» 30.

وأما ما ذكر في السنة كقتل الساحر والزنديق فلا يتسع المقام لذكره في هذا البحث التفسيري، ويمكن الإشارة إلى حديث جندبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حد الساحر ضربةٌ بالسيف) 31.

الحالة الثالثة: القتل جهادًا في سبيل الله:

شرع الله تعالى القتال جهادًا في سبيله وإعلاء لكلمته، ونشرًا لدينه، ودفاعًا عن كليات الشرع من الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وتواترت نصوص القرآن الكريم الدالة على مشروعية ذلك.

مثل قول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] .

فهذه الآية دالة على فرضية الجهاد كما ذكره غير واحد من أهل التفسير والفقه على خلاف بينهم في كونها منسوخة بسورة براءة أو غير منسوخة 32.

وقوله جل شأنه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36] .

ثانيًا: القتل بغير حق:

القتل بغير حق هو القتل الذي نهت عنه نصوص القرآن الكريم، وكذا السنة المطهرة، وهو ما لا تبيحه شريعة من الشرائع، ويترتب على ارتكابه عقوبة دنيوية، أو عذابًا في الآخرة.

وقد تضافرت الملل السماوية على ضرورة حفظ النفس، لأنها إحدى الكليات الخمس التي جاءت الشرائع بحفظها، وعلى حرمة إقدام المرء على قتل نفسه بأية وسيلة من الوسائل.

قال أبو حيان: «وتضافرت على تحريم قتل النفس الملل» 33.

وقال الشيخ محمد عليش: «حفظ النفس مجمع عليه، بل هو من الخمس المجمع عليها في كل ملة، ثم حكى عن ابن عرفة نقل الأصوليين إجماع الملل على وجوب حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال 34.

وقد ورد في الكتاب العزيز آيات صريحة تنهى عن القتل بغير حق، وتشير إلى صفات عباد الرحمن الذين لا يقتلون النفس بغير حق، وتحكي عما أخذ على بني إسرائيل من العهود بعدم قتلهم النفس بغير حق، ومن ذلك:

قول تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [لأنعام:151] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ، {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ، يعني بالنفس التي حرم الله قتلها، نفس مؤمن أو معاهد وقوله: {إِلَّا بِالْحَقِّ} ، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل نفسًا فتقتل قودًا بها، أو تزني وهي محصنة فترجم، أو ترتد عن دينها الحق فتقتل. فذلك «الحق» الذي أباح الله جل ثناؤه قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به {ذَلِكُمْ} يعني: هذه الأمور التي عهد إلينا فيها ربنا أن لا نأتيها وأن لا ندعها، هي الأمور التي وصانا والكافرين بها أن نعمل جميعًا بها {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يقول: وصاكم بذلك لتعقلوا ما وصاكم به ربكم» 35.

وقال الله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء:33] .

وقال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68] .

وأكثر المفسرين على أن المقصود بالآية حرمة قتل النفس على جهة العموم نفس المؤمن والمعاهد إلا بالحق، وأن الحق المستباح به قتلها نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك الجماعة) 36 37.

وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة:84] .

وفي معناها يقول الطبري: «نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضًا، فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه، إذ كانت ملتهما واحدة، فهما بمنزلة رجل واحد» ، وذكر معنى آخر فقال: أي لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم، فيقاد به قصاصًا، فيكون بذلك قاتلًا نفسه؛ لأنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل، فأضيف بذلك إليه، قتل ولي المقتول إياه قصاصًا بوليه، كما يقال للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به العقوبة، فيعاقب العقوبة: «أنت جنيت هذا على نفسك» 38.

وصور القتل بغير حق التي نهت عنها آيات القرآن كثيرة، أبرزها حرمة قتل أي نفس على جهة العموم على سبيل الاعتداء، كما هو مستفاد من الآيات السابق ذكرها، وهناك حالات أخرى منصوص عليها بعينها منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت