فجعل غاية الإنزال للقرآن التدبر والتذكر؛ ولولا التدبر لما حصل التذكر الذي هو يقظة القلب، وعمران الوجدان بالإيمان.
2.ما تورثه من الفهم الصحيح لمراد الله ومراد رسوله.
قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ? وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [العنكبوت: 43] .
فقوله: (? وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) أي: بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحكمه، أي: لا يعقل صحتها وحسنها، ولا يفهم حكمتها إلا هم؛ لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بين فيه حال المشرك وحال المؤمن 80.
والعقل هنا بمعنى الفهم، أي: لا يفهم مغزاها إلا الذين كملت عقولهم، فكانوا علماء غير سفهاء الأحلام، وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بها جهلاء العقول، فما بالك بالذين اعتاضوا عن التدبر في دلالتها باتخاذها هزءًا وسخرية ... ، وهذا من بهتانهم، وإلا فقد علم البلغاء أن لكل مقام مقالًا، ولكل كلمة مع صاحبتها مقامًا 81.
وفي هذا مدح للأمثال التي يضربها، وحثٌ على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين، والسبب في ذلك أن الأمثال التي يضربها الله في القرآن إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها؛ لاعتناء الله بها، وحثه عباده على تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها، وأما من لم يعقلها مع أهميتها فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم؛ لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى؛ ولهذا أكثر ما يضرب الله الأمثال في أصول الدين ونحوها 82.
3.ما تورثه من التدبر والتفكر السليم في كلام الله وكلام رسوله.
قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر: 21] .
فالله جل وعلا ذكر تلك الأمثال للناس؛ ليتفكروا ويتدبروا فيها، وانظر إلى قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 265] .
فهذا المثل يبين لنا مدى الخير الذي يحمله لنا الإنفاق في سبيل الله، ومدى ارتباطه الوثيق بحياتنا، فهو يجعل البركة في الرزق أضعافًا، وهذا في الدنيا، ويجعل الثواب مضاعفًا في الآخرة لمن أراد له الله في الدنيا والآخرة، كما أن هذا المثل أيضًا يعلمنا خلقًا جميلًا من مكارم الأخلاق، وهو ألا يمنن الغني صاحب المال على الفقير ذي الحاجة وألا يؤذيه بالقول أو الفعل.
4.أنها ذات أثر عميق في تنمية القيم الأخلاقية والاجتماعية لدى المسلم.
لما لها من تأثير إيجابي في العواطف والمشاعر، وفي تحريك نوازع الخير في النفس البشرية.
يقول الماوردي: «للأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها؛ لأن المعاني بها لائحة، والشواهد بها واضحة، والنفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة؛ فلذلك ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز وجعلها من دلائل رسله، وأوضح به الحجة على خلقه؛ لأنها في القلوب مقبولة، وفي العقول مقبولة» 83.
ومن الآثار الدعوية للأمثال القرآنية أيضًا:
1.تنبيه المخطئ إلى خطئه، والمحسن إلى إحسانه.
2.الإعانة على فهم المعاني الرائعة بألفاظ موجزة، وتقديم أفكار غزيرة ودقيقة؛ لتدل على المراد بعبارة مختصرة.
3.تقرير المقصود، ففيها كشف للمعاني، وتشبيه الخفي منها بالجلي، والغائب بالشاهد.
4.الترغيب والترهيب، وذلك إما بالمدح أو التعظيم، أو بالذم أو التحقير، مما ينعكس على السلوك إقبالًا أو نفورًا.
5.قوة وقعها على الأسماع، وتأثيرها في القلوب، فهي بالغة في الوعظ، قوية في الزجر، وإقامة الحجة والقياس والاستنباط، وأقوم على الإقناع بذكرها محاسن الحق والترغيب فيه، وذكرها قبائح الباطل والتنفير منه.
6.إثارة المشاعر بتركيزها على محور الطمع أو الرغبة أو الخوف أو الحذر لدى الشخص المخاطب.
7.تحريك الطاقات الفكرية، وشحذ الذهن؛ لتوجيهه للفكر والتأمل من أجل إدراك المراد.
8.الدلالة على الحكم والفوائد العلمية والأحكام الشرعية في جوانب العقيدة.
9.تربية النفوس بإظهار نموذج القدوة الحسنة؛ للاقتداء بها، وإظهار نموذج القدوة السيئة؛ للنفور منها، والاعتبار بها.
10.ترسيخ مفاهيم التوحيد والإيمان، والإبلاغ عن المغيبات، كما توجه المخاطب إلى أداء العبادات، والالتزام بالأخلاق الحسنة، وتجنب الأخلاق السيئة.
11.تبكيت الخصم، وإقناعه، وإقامة الحجة عليه.
ضرب الأمثال في القرآن الكريم من أساليب الصياغة الفنية الرائعة الدالة على إعجاز القرآن في إبراز المعاني في قالب حسن يقربها إلى الأفهام، وفي صور حية تستقر في الأذهان؛ لما فيها من تشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس، وقياس النظير على النظير. وقد سميت الحكم القائم صدقها في العقول أمثالًا؛ لانتصاب صورها في العقول مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب 84.
وترجع جمالية الأمثال القرآنية إلى جمالية كلام الله تعالى فهو كلام معجز، له رونق وجمال وحلاوة وطلاوة، يقف البليغ أمامها عاجزًا، ويصمت الناقد أمامها مندهشًا حائرًا، ومنذ قرون عدة والكتب في إعجازه وبلاغته وفصاحته تؤلف وتدرس، ولم يحط ببلاغته الأدباء والبلغاء.
وترجع جمالية المثل القرآني إلى أنه يجتمع فيه أربعة أمور لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة 85.
يقول الزركشي رحمه الله مبينًا أهمية المثل: «ومن حكمته: تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء على البيان ... ، وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى؛ إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والشاهد بالغائب ... ، وقد أكثر تعالى في القرآن وفي سائر كتبه من الأمثال» . ثم قال: «فالأمثال مقادير الأفعال، والمتمثل كالصانع الذي يقدر صناعة، وكل شيء له قالب ومقدار، وقالب الكلام ومقداره الأمثال» 86.
والمقصود أن للأمثال القرآنية القدرة في تحقيق أغراضها وغاياتها عبر صور بيانية ومشاهد فنية، تلقي بظلالها وآثارها الفاعلة في النفس البشرية، والتي ما سيقت هذه الأمثال إلا لها ومن أجلها؛ بغية خيرها وصلاحها في حالها ومآلها.
ولكي نقف على بعض الآثار الجمالية والفنية للأمثال لابد من استعراض بعض الأمثال القرآنية:
ضرب الله مثلًا للمشرك كمثل العطشان الذي يمد يديه إلى الماء من بعيد يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه: فقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] .
فلو نظرت إلى مثل هذا الشخص على هذه الحالة، وفي تلك الصورة بكل أجزائها، وهو باسط يده، مفرجة الأصابع إلى ماء بعيد عنه، وهو فاغر فاه ليشرب، لقلت: وأي جدوى تعود عليه؟! ومتى يذوق الماء وهو على تلك الحالة؟! إنه يموت عطشًا ولا يذوق منه قطرة.
والمقصود من التشبيه في هذه الآية الكريمة نفي استجابة الأصنام لما يطلبه المشركون منها نفيًا قاطعًا، حيث شبه سبحانه حال هذه الآلهة الباطلة عندما يطلب المشركون منها ما هم في حاجة إليه بحال إنسان عطشان، ولكنه غبي أحمق؛ لأنه يمد يده إلى الماء طالبًا منه أن يصل إلى فمه دون أن يتحرك هو إليه؛ فلا يصل إليه شيء من الماء؛ لأن الماء لا يسمع نداء من يناديه، ففي هذه الجملة الكريمة تصوير بليغ لخيبة وجهالة من يتوجه بالعبادة والدعاء لغير الله تعالى.
وأجرى سبحانه على الأصنام ضمير العقلاء في قوله: {لَا يَسْتَجِيبُونَ} [الرعد: 14] ؛ مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين؛ لأنهم يعاملون الأصنام معاملة العقلاء، ونكر (شيئًا) في قوله: {لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} [الرعد: 14] ؛ للتحقير، والمراد: أنهم لا يستجيبون لهم أية استجابة، حتى ولو كانت شيئًا تافهًا، والاستثناء في قوله: {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} [الرعد: 14] ، من أعم الأحوال، أي: لا يستجيب الأصنام لمن طلب منها شيئًا إلا استجابة كاستجابة الماء لملهوف بسط كفيه إليه، يطلب منه أن يدخل فمه، والماء لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيب طلبه، ولو مكث على ذلك طوال حياته، والضمير (هو) في قوله: {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [الرعد: 14] .
للماء، والهاء في {بِبَالِغِهِ} للفم: أي: وما الماء ببالغ فم هذا الباسط كفيه، وقيل الضمير (هو) : للباسط، والهاء: للماء، أي: وما الباسط لكفيه ببالغ الماء فمه 87.
وضرب الله في سورة البقرة للمنافقين مثلين، مثلًا مائيًا، ومثلًا ناريًا، وكذلك ضرب لهم المثلين في سورة الرعد، أما في سورة البقرة، ففي ختام الربع الأول، قال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] .
فهذا المثل الناري، والمثل المائي في قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 19 - 20] .
شبه سبحانه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارًا؛ لتضيء لهم وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين تركوه، فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق، فأوقدوا النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت تلك الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث، فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب؛ مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه، وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم منه شيئًا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ينفعها، وقيل: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا بمنزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل، والقولان متلازمان.
وقال في صفتهم: {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] ؛ لأنهم قد رأوا في ضوء النهار، وأبصروا الهدى، فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا، وقال سبحانه وتعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
ولم يقل: ذهب نورهم، وفيه سر بديع؛ وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، وإن الله مع الصابرين، وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فذهاب الله بذلك انقطاع لمعيته التي خص بها أولياءه، فقطعها فيما بينه وبين المنافقين، فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم.
وتأمل قوله تعالى: {أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} [البقرة: 17] .
كيف جعل ضوءها خارجًا عنه منفصلًا، ولو اتصل ضوؤها به ولابسه لم يذهب، ولكنه كان ضوءه مجاورةً لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضًا، والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه، وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به، حجة من الله قائمة، وحكمة بالغة، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده.
وتأمل قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
ولم يقل: بنارهم؛ ليطابق أول الآية، فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإشراق وهو، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وهو النارية.
وتأمل كيف قال: {بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ولم يقل: (بضوئهم) مع قوله: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} [البقرة: 17] .
لأن الضوء هو زيادة في، فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلما كان أصل الضوء كان الذهاب به ذهابًا بالشيء وزيادته، و أيضًا فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم، و أيضًا فإن الله تعالى سمى كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، وهداه نورًا، ومن أسمائه، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله.
وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] .
كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضا بها، وبدل الهدى في مقابلتها، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضا بها بدلًا عن الذي هو الهدى و، فبدلوا الهدى و، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة، فيا لها من تجارة، ما أخسرها! وصفقة ما أشد غبنها!
وتأمل كيف قال الله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} فوحد، ثم قال: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} فجمع الظلمة، فإن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه على لسان رسوله، لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق، بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة.
ولهذا يفرد سبحانه الحق، ويجمع الباطل، كقوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257] .
وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] .
فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق، ولا يناقض هذا قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16] .
فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد، وصراطه المستقيم، فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهو سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها ... ، وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64] .
ويكون قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
مطابقًا لقوله تعالى: {أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64] .
ويكون تخييبهم، وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه، ولا يبصرون سبيلًا، بل هم صم بكمٌ عمي، وهذا التقدير وإن كان حقًا ففي كونه مرادًا بالآية نظر، فإن السياق إنما قصد غيره، ويأباه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} [البقرة: 17] .
وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدًا، ويأباه قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
وموقد نار الحرب لا نور له، ويأباه قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .
وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر، قال الحسن رحمه الله: هو المنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر؛ ولهذا قال: {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] .
أي: لا يرجعون إلى الذي فارقوه، وقال تعالى -في حق الكفار-: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
فسلب العقل عن الكفار؛ إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان 88.
وأيضًا في إسناد ذهب في قوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
إشعار بأن الذي سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم؛ لأن الذي سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره. أو لأنه حصل بلا سبب من ريح أو مطر أو إطفاء مطفئ، والعرب يسندون الأمر الذي لم يتضح سببه لاسم الله تعالى.
المثل المائي:
قال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] .
وقال تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20] .
هذا مثل آخر مائي ضربه الله سبحانه للمنافقين، فقال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] .
فشبه نصيبهم مما بعث الله تعالى به رسوله من والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها، وذهب نوره، وبقي في الظلمات حائرًا تائهًا، لا يهتدي سبيلًا، ولا يعرف طريقًا، وبنصيب أصحاب الصيب وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل من علو إلى أسفل، فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، ونصيب المنافقين من هذا الهدي بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك، مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب، وإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد، وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام.
وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب، وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق والتعرض لإتلاف المهجة والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته لم يقدم عليه؛ لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون، وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام فلم يعلم من سفره ذلك إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته، فإنه لا يخرج إليه، ولا يعزم عليه، وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس، التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات، والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه، والناس كلهم صبيان العقول إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب، وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود 89.
قال الزمخشري: «لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من تشبه الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع من البلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى: أو كمثل ذوي صيب، والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا ... ، قال: فإن قلت: أي المثلين أبلغ؟ قلت: الثاني؛ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته؛ ولذلك أخر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ» 90.
بيت العنكبوت:
ومما يبين جمال الأمثال القرآنية وبلاغتها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .