فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 2431

قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: « {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قال: هذا مرضٌ في الدّين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون، والمرض: الشّكّ الّذي دخلهم في الإسلام {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} قال: زادهم رجسًا، وقرأ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124 - 125] .

قال: شرًّا إلى شرّهم، وضلالةً إلى ضلالتهم».

قال ابن كثير: «وهذا الّذي قاله عبد الرّحمن رحمه الله حسنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل؛ وكذلك قاله الأوّلون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] » 106.

وقوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] .

قال ابن كثير: «أي: فلمّا أبى الفاعلون المنكر قبول النّصيحة {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: ارتكبوا المعصية {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} فنصّ على نجاة النّاهين، وهلاك الظّالمين، وسكت عن السّاكتين؛ لأنّ الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقّون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذمّوا 107.

وقوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .

قال ابن كثير: «أي: فلا يعلم أحدٌ عظمة ما أخفى اللّه لهم في الجنّات من النّعيم المقيم، واللّذّات الّتي لم يطّلع على مثلها أحدٌ، لمّا أخفوا أعمالهم أخفى اللّه لهم من الثّواب، جزاءً وفاقًا؛ فإنّ الجزاء من جنس العمل» 108.

ومن الآيات الصريحة في هذا المعنى:

قوله تعالى: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] 109.

وقوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 126] 110.

وقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51] 111.

وقوله تعالى: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية: 34] 112.

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] 113.

وقوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] 114.

وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] 115.

ثانيًا: الجزاء بمقدار العمل:

العدل في الجزاء غاية من غايات الخلق والإعادة، قال تعالى: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 4] 116.

وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] .

فيه وجوب العدل في الجزاء، وعدم الاعتداء فيه.

قال ابن أبي نجيح والحسن: «لو قال أخزاه الله فيقول له أخزاه الله» 117.

وبين تعالى أن الجزاء بمقدار العمل فقال: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21] .

أي: مرهون.

قال الزمخشري: «كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحًا فكها وخلصها وإلا أوبقها» 118.

وقال تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الواقعة: 24] .

أي: هذا الّذي أتحفناهم به مجازاةً لهم على ما أحسنوا من العمل 119. فكما حسنت منهم الأعمال أحسن الله لهم الجزاء، ووفر لهم الفوز والنعيم 120.

وقال تعالى عن نعيم أهل الجنة: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الصافات: 39] .

وقد دلّ كتاب الله في جملته وتفصيله على أنّ مدار النّجاة والفلاح على الإيمان والعمل الصّالح {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 39 - 41] .

{لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15] .

{هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] 121.

وقال تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [النحل: 111] .

{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} كلٌّ يقول: نفسي نفسي، لا يهمه سوى نفسه، ففي ذلك اليوم يفتقر العبد إلى حصول مثقال ذرة من الخير.

{وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} من خير وشر {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} فلا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54] 122.

{فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} لا ينقص من حسناتها ولا يزاد في سيئاتها {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} من خير أو شر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله على ذلك، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه 123.

وقال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17] .

قال ابن كثير: «قوله: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه أنّه لا يظلم مثقال ذرّةٍ من خيرٍ ولا من شرٍّ، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسّيّئة واحدةً؛ ولهذا قال: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} كما ثبت في صحيح مسلمٍ 124 عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربّه عز وجل أنّه قال: (يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا) -إلى أن قال-: (يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثمّ أوفّيكم إيّاها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه) 125.

ولا تعارض بين أن الجزاء بمقدار العمل (العدل في الجزاء) وبين مضاعفة الجزاء:

فالأصل في العدل أن يكون الجزاء السّيّئ على قدر الإساءة وتأثيرها في تدسية نفوس المسيئين، والجزاء الحسن على قدر الإحسان وتأثيره في أرواح المحسنين، ولكنّه تعالى برحمته وفضله يضاعف جزاء الحسنة عشرة أضعافٍ، ويزيد من يشاء ولا يضاعف السّيّئة، والآيات المفصّلة في هذا المعنى كثيرةٌ، وبها يفسّر المجمل 126.

فقوله الحق سبحانه: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ} [هود: 20] .

لا يتناقض مع قوله الحق: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] .

لأن هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله ليس لهم وزر واحد، بل لهم وزران: وزر الضلال في ذواتهم، ووزر الإضلال لغيرهم 127.

وقوله تعالى: {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] .

بزيادة تفضل؛ لأنه لو كان على مقدار العمل فقط لكان بحسابه 128.

وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] .

قال ابن كثير: «يخبر تعالى أنّ لمن أحسن العمل في الدّنيا بالإيمان والعمل الصّالح أبدله الحسنى في الدّار الآخرة، كما قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] .

وقوله: {وَزِيَادَةٌ} هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، وزيادةٌ على ذلك أيضًا، ويشمل ما يعطيهم اللّه في الجنان من القصور والحور والرّضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرّة أعينٍ، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنّه زيادةٌ أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقّونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزّيادة بالنّظر إلى وجه اللّه الكريم عن أبي بكرٍ الصّدّيق، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللّه بن عبّاسٍ، قال البغويّ: وأبو موسى، وعبادة بن الصّامت، وسعيد بن المسيّب، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، وعبد الرّحمن بن سابطٍ، ومجاهدٌ، وعكرمة، وعامر بن سعدٍ، وعطاءٌ، والضّحّاك، والحسن، وقتادة، والسّدّيّ، ومحمّد بن إسحاق، وغيرهم من السّلف والخلف، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرةٌ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم» 129.

وقال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] .

قال ابن كثير: « {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} أي: ليست هذه دليلًا على محبّتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم، وفي الحديث أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) 130.

ولهذا قال: {إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} أي: إنّما يقرّبكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصّالح {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا} أي: تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} أي: في منازل الجنّة العالية آمنون من كلّ بأسٍ وخوفٍ وأذًى، ومن كلّ شرٍّ يحذر منه» 131.

ثالثًا: كل نفس تجازى عن نفسها:

عدل الله يقتضي أن يحاسب الإنسان بعمله، وأن يسأل عن نفسه، فلا يرمي أحد ذنبه على أحد، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33] .

وحول هذه القضية تحدّث كثير من المستشرقين الذين يبحثون في القرآن عن مأخذ، فوقفوا عند هذه الآية: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15] .

وقالوا: كيف نوفّق بينها وبين قوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] .

وقوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] .

ونقول: التوفيق بين الآية الأولى والآيتين الأخيرتين هيّن لو فهموا الفرق بين الوزر في الآية الأولى، والوزر في الآيتين الأخيرتين.

ففي الأولى وزر ذاتيٌّ خاص بالإنسان نفسه، حيث ضلّ هو في نفسه، فيجب أن يتحمّل وزر ضلاله، أما في الآية الثانية فقد أضلّ غيره، فتحمّل وزره الخاص به، وتحمّل وزر من أضلّهم.

ويوضّح لنا هذه القضية الحديث النبوي الشريف: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) 132.

مع الإطماع في الفضل والنعمة والتحذير من اليوم الذي يأتي وصفه: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] .

فالتبعة فردية والحساب شخصي، وكل نفس مسؤولة عن نفسها، ولا تغني نفس عن نفس شيئًا.

وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم، مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان، وعلى العدل المطلق من الله، وهو أقوم المبادئ التي تشعر الإنسان بكرامته، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره، وكلاهما عامل من عوامل التربية فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام 133.

قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] .

{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أي: واحذروا يومًا عظيمًا أمامكم سيقع فيه من الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله إلّا بتقوى الله في جميع الأحوال، ومراقبته في جميع الأعمال، فهو يومٌ لا تقضي فيه نفسٌ -مهما يكن قدرها عظيمًا- عن نفسٍ مهما يكن ذنبها صغيرًا شيئًا ما، كحمل وزرها أو تكفير ذنبها {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18] .

وصف اليوم بهذا الوصف ولم يقل: يوم القيامة مثلًا؛ للإشعار بأنّ التّصرّف في ذلك اليوم والأمر كلّه للّه، فليس فيه ما اعتاد النّاس في هذه الدّنيا من دفاع بعضهم عن بعضٍ، وعبّر عن هذا المعنى في أوّل سورةٍ بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] .

ثمّ وصفه هنا بوصفٍ آخر يناسب الأوّل فقال: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] 134.

فلمّا ذكّرهم اللّه تعالى بنعمه أولًا عطف على ذلك التّحذير من حلول نقمه بهم يوم القيامة فقال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا} يعني: يوم القيامة {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أي: لا يغني أحدٌ عن أحدٍ كما قال: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] .

وقال: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37] .

وقال: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] .

وقال: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18] .

وقال: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] .

وقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33] .

فهذه أبلغ المقامات: أنّ كلًّا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا 135.

وهؤلاء الذين يصدّون عن سبيل الله لن يجدوا وليًّا ولا نصيرًا في الآخرة، وإن وجدوه في الدنيا لأن كل إنسان في الآخرة سيكون مشغولًا بنفسه.

إذن: فهؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله لا يعجزون الله في الأرض، ولا يجدون الولي أو النصير في الآخرة 136.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] .

قال محمد رشيد رضا: «فسّروا فيه البيع بالافتداء وجعلوا فيه الخلّة والشّفاعة على ظاهرهما، أي أنفقوا فإنّ الإنفاق في سبيل الخير والبرّ -وهي سبيل الله- هو الّذي ينجيكم في ذلك اليوم الّذي لا ينجي الأشحّة الباخلين فيه من عذاب الله تعالى فداءٌ فيفتدوا منه أنفسهم، ولا خلّةٌ يحمل فيها خليلٌ شيئًا من أوزار خليله، أو يهبه شيئًا من حسناته، ولا شفاعةٌ يؤثر بها الشّفيع في إرادة الله تعالى، فيحوّلها عن مجازاة الكافر بالنّعمة الباخل بالصّدقة المستحقّ للمقت والعقوبة بتدنيس نفسه وتدسيتها في الدّنيا، وهذا هو الوجه الّذي اختاره الأستاذ الإمام، فالآية بمعنى قوله تعالى في هذه السّورة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] .

فقوله: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} بمعنى نفي الخلّة هنا، والعدل: هو الفداء بالعوض، وهو بمعنى البيع المنفيّ هنا، ومثلها آية {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 123] » 137.

وقال تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} [إبراهيم: 31] .

قال ابن كثير: «المراد من هذا أنّه يخبر تعالى أنّه لا ينفع أحدًا بيعٌ ولا فديةٌ، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا لو وجده، ولا ينفعه صداقة أحدٍ ولا شفاعة أحدٍ إذا لقي اللّه كافرًا، قال اللّه تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 123] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] » 138.

وقال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18] .

أي: لا تحمل نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، بل كلٌّ مطالبٌ بأمر نفسه 139.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] .

أمر تعالى الناس بتقواه التي هي امتثال أوامره، وترك زواجره، ويستلفتهم لخشية يوم القيامة اليوم الشديد الذي فيه كل أحد لا يهمه إلا نفسه فـ {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} لا يزيد في حسناته ولا ينقص من سيئاته، قد تم على كل عبد عمله، وتحقق عليه جزاؤه.

فلفت النظر في هذا لهذا اليوم المهيل مما يقوي العبد ويسهّل عليه تقوى الله، وهذا من رحمة الله بالعباد، يأمرهم بتقواه التي فيها سعادتهم، ويعدهم عليها الثواب، ويحذرهم من العقاب، ويزعجهم إليه بالمواعظ والمخوفات، فلك الحمد يا رب العالمين.

{إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} فلا تمتروا فيه، ولا تعملوا عمل غير المصدق، فلهذا قال: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بزينتها وزخارفها وما فيها من الفتن والمحن {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} الذي هو الشيطان الذي ما زال يخدع الإنسان ولا يغفل عنه في جميع الأوقات، فإن لله على عباده حقًّا، وقد وعدهم موعدًا يجازيهم فيه بأعمالهم، وهل وفوا حقه أم قصروا فيه؟!

وهذا أمر يجب الاهتمام به، وأن يجعله العبد نصب عينيه، ورأس مال تجارته التي يسعى إليها 140.

قال ابن كثير: «يقول تعالى منذرًا للنّاس يوم المعاد، وآمرًا لهم بتقواه والخوف منه، والخشية من يوم القيامة حيث {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} أي: لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه، وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يتقبّل منه.

ثمّ عاد بالموعظة عليهم بقوله: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي: لا تلهينّكم بالطّمأنينة فيها عن الدّار الآخرة {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} يعني: الشّيطان» 141.

موضوعات ذات صلة:

الثواب، الجنة، الحساب، العمل، الكسب، النار

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 455 - 456.

2 العين، الفراهيدي 6/ 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت