فهرس الكتاب

الصفحة 1463 من 2431

الضر

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: الضاد والراء ثلاثة أصول، الأول: خلاف النفع، والثاني: اجتماع الشيء، والثالث: القوة 1، والضر -بالفتح-: مصدر ضررته ضرًا، ضد النفع 2، والضر -بالضم-: اسم ما يضر، وهو عدم الخير، وهو كل ما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال، أي: ما كان من سوء الحال والفقر والشدة والبلاء في البدن 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب الأصفهاني: «الضر: سوء الحال، إما في نفس؛ لقلة العلم والفضل والعفة، وإما في بدنه؛ لعدم جارحة ونقص، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه، كما في قوله تعالى: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} [الأنبياء: 84] . فهو محتمل لثلاثتها، وقوله: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ} [يونس: 12] ، وقوله: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} [يونس: 12] . يقال: ضَر ضُرًا: جلب إليه ضُرًا.

وقوله: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: 111] . ينبههم على قلة ما ينالهم من جهتهم، ويؤمنهم من ضرر يلحقهم نحو: {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] ، و {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا} [المجادلة: 10] ، {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} [البقرة: 102] ، وقال تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] ، وقال: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} [الحج: 12] ، وقوله: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [الحج: 13] .

فالأول يعني به الضر والنفع اللذان بالقصد والارادة؛ تنبيهًا أنه لا يقصد في ذلك ضرًا ولا نفعًا؛ لكونه جمادًا، وفي الثاني يريد ما يتولد من الاستعانة به ومن عبادته، لا ما يكون منه بقصده» 4.

ورد الجذر «ض ر ر» في القرآن الكريم (74) ، وتكرر لفظ «الضر» (66) مرة 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 22 ... {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} [التوبة:39]

المصدر ... 29 ... {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ} [يونس:12]

اسم مصدر ... 9 ... {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة:177]

اسم ... 1 ... {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} [النساء:95]

اسم فاعل من الثلاثي ... 2 ... {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102]

مصدر من الرباعي ... 2 ... {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة:231]

اسم فاعل من الرباعي ... 1 ... {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء:12]

وجاء الضر في القرآن بمعناه في اللغة وهو: سوء الحال إما في النفس، أو البدن، أو المال 6.

البؤس:

البؤس لغة:

الباء والهمزة والسين أصلٌ واحدٌ: وهو الشدة وما ضارعها. فالبأس: الشدة في الحرب. ورجلٌ ذو بأسٍ وبئيسٌ أي: شجاعٌ. والبؤس: الشدة في العيش. والمبتئس: المفتعل من الكراهة والحزن 7، قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 17] .

والبؤس هو والبأس: الشدة، والقوة، والضرر، والمكروب، لكن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في الشكاية والتنكيل أكثر 8.

وقيل: البأساء والبؤس والضراء: الزمانة في الجسد 9، وقيل: البأساء: الفقر والشدة، والضراء: المرض والزمانة 10.

البؤس اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين البؤس والضر:

قيل: البؤس اسم بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة، ومنه يقال: فلان في بؤس وشدة، وأما الضراء فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، وقيل: البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه 11.

الأذى:

الأذى لغة:

أذي: الهمزة والذال والياء أصلٌ واحدٌ: وهو الشيء تتكرهه ولا تقر عليه 12، والأذى قد يكون بالكلام أو بالفعل، قال تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111] .

قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة 13.

الأذى اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين الضر والأذى:

الأذى: هو الألم الخفيف وهو لا يبلغ حد الضر 14.

السراء:

السراء لغة:

اليسر، والضراء: العسر، وقيل: كثرة المال وقلته 15، وقيل: السراء: الرخاء، والضراء: الشدة، وقيل: السراء في الحياة، والضراء بعد الموت 16.

السراء اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين الضراء والسراء:

علاقة تضاد، فالضراء ضد السراء.

عرض القرآن الكريم الضر في ثلاث صور مختلفة، وهي:

أولًا: نفي إلحاق الضر بالله تعالى:

الله تعالى منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق 17.

قال تعالى: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .

وقوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 176 - 177] .

وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 32] وغيرها.

ومجمل أقوال المفسرين في قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} أن من يريد ضر الله تعالى، فما ضر إلا نفسه، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الآخرة، بأن لا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة من ثوابه، وخذلهم فلم يوفقهم لما وفق إليه أولياءه 18؛ لأن الله تعالى لا يجوز عليه المضار والمنافع 19، وأنه غني عنه، وسيقيم دينه، ويعز عباده المؤمنين 20. وقيل: هذا تهديد معناه: هم يظنون الشقاق مع الرسول، وهم به يشاقونه، وليس كذلك، بل الشقاق مع الله، فإن محمدًا رسول الله، ما عليه إلا البلاغ، فإن ضروا ضروا الرسل، لكن الله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق 21.

وبعضهم أول الآية ردًا وإنكارًا؛ لظن الخوف 22، والكلام على حذف مضاف، والمراد أولياء الله مثلًا؛ للقرينة العقلية عليه، وفي حذف ذلك وتعليق نفي الضرر به تعالى تشريف للمؤمنين، وإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه وتعالى، وفي ذلك مبالغة في التسلية 23، وقوله: {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} [هود: 57] .

يعني: إن لم تؤمنوا به فلا تنقصون من ملكه شيئًا، ويقال: إهلاككم لا ينقصه شيئًا، إن ربي على كل شيء حفيظ 24.

وقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 39] .

أي: لا تضروا الله بترك امتثال أمره بالنفير شيئًا أو لا تضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك نصرته والنفير معه شيئًا، ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم 25.

والكناية -في قول الحسن- راجعة إلى الله تعالى، أي: لا تضروا الله؛ لأنه غني عن العالمين، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: لا تضروا الرسول؛ لأن الله عصمه من الناس، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه 26.

روى مسلم بسنده عن أبي ذرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) 27.

ثانيًا: نفي إلحاق الضرر من المخلوق للمخلوق:

الله تعالى متولٍ أمورنا الدينية والدنيوية، فعلينا الرضا بأقداره وليس في أيدينا من الأمر شيء، قال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] .

وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون، وليعتمدوا عليه وحده في جلب مصالحهم، ودفع المضار عنهم، وليثقوا به في تحصيل مطالبهم، وأما من توكل على غيره، فإنه مخذول، غير مدرك لما أمل 28.

وأنه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا ما هو مقدر علينا مكتوب عند الله، وكونه مكتوب عند الله يدل على كونه معلومًا عند الله مقضيًا به عنده، فإن ما سواه ممكن، والممكن لا يترجح إلا بترجيح الواجب، والممكنات بأسرها منتهية إلى قضائه وقدره 29.

لذا ورد نفي إلحاق الضر من المخلوق للمخلوق في آيات كثيرة، وبين الله فيها أن النفع والضر لا يحصلان إلا بمشيئته 30.

وفي قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} [النساء: 113] دليلٌ على ذلك، لذا قيل: وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزيلوك عن الحق في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته من شيء؛ لأن الله مثبتك ومسددك في أمورك، ومبين لك أمر من سعوا في إضلالك عن الحق في أمره، ففاضحه وإياهم، فأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم حفظت الله فحفظك وسددك 31.

ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76] .

قيل هو: عيسى بن مريم، أي: لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبأقدار الله وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئًا، وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضرًا ولا نفعًا، وصفة الرب أن يكون قادرًا على كل شيء لا يخرج مقدر على قدرته 32.

وهذا دليل آخر على فساد قول النصارى، وهو يحتمل أنواعًا من الحجة، أن اليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء، فما قدر على الإضرار بهم، وكانوا أنصاره وصحابته يحبونه، فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم، والعاجز عن الإضرار والنفع كيف يعقل أن يكون إلهًا؟! 33.

فإذا كان هذا عيسى بن مريم الذي وصفه قومه بالألوهية والربوبية وغيرها من الأوصاف، ما استطاع دفع الضرر عن نفسه، ولا عن غيره، فغيره أعجز من أن يلحق ضررًا بغيره، إلا بإذنه تعالى.

وقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 10] .

قيل: هذا وصف لكل مخلوق أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع والضار هو الحق تعالى 34.

بعد أن تبين لنا نفي إلحاق الضرر من المخلوق للمخلوق إلا بإذن الله، فلابد من الإرشاد إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار بالإتيان بالأسباب التي تدفع الضر عن المخلوقين، والتي سيأتي بيانها -إن شاء الله-؛ لأن المنفي عنه هو استطاعة المخلوق للضر، وليس نفي وقوع الضر، فوقوعه ثابت بإذن الله، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] 35.

وفي الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال:(يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) 36.

ثالثًا: النهي عن إلحاق الضرر في التعامل:

1.والد المولود ووالدته.

قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] .

قوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] .

قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.

وقوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} أي: بأن تدفعه عنها؛ لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالبا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا قال: {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارا بها.

وقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} قيل: في عدم الضرار لقريبه، قاله مجاهد والشعبي والضحاك، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور، وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنابلة إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف 37، ومن هدايات الآية: أنه عبر عن الوالد بالمولود له؛ إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم؛ لأن منافع الولد منجزة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة، حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها 38، وفي الآية دلالة على: «على وجوب نفقة الأقارب المعسرين، على القريب الوارث الموسر» 39.

2.الكاتب والشهود.

قال تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} .

قال الطبري رحمه الله: «معنى ذلك: ولا يضار كاتب ولا شهيد، بمعنى: ولا يضارهما من استكتب هذا أو استشهد هذا بأن يأبى على هذا إلا أن يكتب له، وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى على هذا إلا أن يجيب إلى الشهادة وهو غير فارغ، وإنما قلنا هذا القول؛ لأن الخطاب من الله عز وجل في هذه الآية من مبتدئها إلى انقضائها على وجه افعلوا أو لا تفعلوا، إنما هو خطاب لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتاب والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون، فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم، فإنما هو على وجه الأمر والنهي للغائب غير المخاطب كقوله: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ} [البقرة: 282] .

وكقوله: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] .

وما أشبه ذلك، فالواجب إذا كان المأمورون فيها مخاطبين بقوله: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282] .

أشبه منه بأن يكون مردودا على الكاتب والشهيد، ومع ذلك إن الكاتب والشهيد لو كانا هما المنهيين عن الضرار لقيل: وإن يفعلا فإنه فسوق بهما، لأنهما اثنان، وإنما غير مخاطبين بقوله: {وَلَا يُضَارَّ} بل النهي بقوله: {وَلَا يُضَارَّ} نهي للغائب غير المخاطب، فتوجيه الكلام إلى ما كان نظيرا لما في سياق الآية، أولى من توجيهه إلى ما كان منعدلا عنه» 40.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «نهي عن المضارة، وهي تحتمل أن يكون الكاتب والشهيد مصدرًا للإضرار، أو أن يكون المكتوب له والمشهود له مصدرًا للإضرار؛ لأن (يضار) يحتمل البناء للمعلوم وللمجهول، ولعل اختيار هذه المادة هنا مقصود؛ لاحتمالها حكمين؛ ليكون الكلام موجهًا فيحمل على كلا معنييه؛ لعدم تنافيهما، وهذا من وجه الإعجاز.

والمضارة: إدخال الضر بأن يوقع المتعاقدان الشاهدين والكاتب في الحرام والخسارة، أو ما يجر إلى العقوبة، وأن يوقع الشاهدان أحد المتعاقدين في إشاعة حق أو تعب في الإجابة إلى الشهادة. وقد أخذ فقهاؤنا من هذه الآية أحكامًا كثيرة تتفرع عن الإضرار؛ منها ركوب الشاهد من المسافة البعيدة، ومنها ترك استفساره بعد المدة الطويلة التي هي مظنة النسيان، ومنها استفساره استفسارًا يوقعه في الاضطراب، ويؤخذ منها أنه ينبغي لولاة الأمور جعل جانب من مال بيت المال لدفع مصاريف انتقال الشهود وإقامتهم في غير بلدهم وتعويض ما سينالهم من ذلك الانتقال من الخسائر المالية في إضاعة عائلاتهم، إعانة على إقامة العدل بقدر الطاقة والسعة» 41 والآية تدل على النهي عن مضارة الكاتب والشهود.

هناك عدة وسائل لدفع الضر في القرآن الكريم، منها:

أولًا: الالتجاء إلى الله تعالى:

يخبرنا الله تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه، قال تعالى: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} [النحل: 52] .

قال ابن عباس ومجاهد: أي: دائمًا، وقيل: واجبًا، قيل: خالصًا، أي: له العبادة وحده ممن في السموات والأرض، كقوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] .

ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] .

وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم، وعلموا أن كل ما يتقلبون فيه من نعمة منه سبحانه، ثم أخبر سبحانه عن طبيعة الإنسان من حيث هو، إذا مسه الضر، من مرض، أو مصيبة اجتهد في الدعاء، وسأل الله في جميع أحواله؛ قائمًا وقاعدًا ومضجعًا، وفائدة ذكر هذه الأحوال: أن المضرور لا يزال داعيًا، ولا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها 42، وألح في الدعاء؛ ليكشف عنه ضره، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ} قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة، {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} ترفعون أصواتكم إليه بالاستغاثة، يقال: جأر يجأر جئورًا 43، ويقال: جأر الرجل إلى الله، أي: تضرع بالدعاء 44، قال الأعشى:45

فطافت ثلاثًا بين يومٍ وليلةٍ وكان النكير أن تضيف وتجأرا

فذكر الله تعالى: أن الإنسان في وقت الكرب، يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع أحواله، فإذا فرج الله كربه، أعرض عن ذكر ربه ونسي ما كان فيه، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت