وهي مع الطواف عليهم بها جارية في الأنهار، ظاهرة تراها العيون 111، فلذلك قيل فيها: كأس « {مِنْ مَعِينٍ} أي: من شراب معين أو نهر معين: أي ظاهر للعيون، أو خارج من العيون: وهو صفة للماء، من عان الماء: إذا نبع. وصف به خمر الجنة؛ لأنها تجري كالماء، أو للإشعار بأن ما يكون لهم بمنزلة الشراب جامع لما يطلب من أنواع الأشربة لكمال اللذة» 112.
وقد أبهم الطائف عليهم في الآية، ووقع بيانه في سورة الواقعة في قوله سبحانه: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) } [الواقعة:17 - 21] .
و «الولدان المخلدون» : هم الذين لا يتغيّرون، وهم على سنٍّ واحد، وقيل: هم المقرطون أو المسورون 113.
وقوله عز وجل أيضًا: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) } [الإنسان:19] : «شبههم باللؤلؤ في الحسن والبياض، وبالمنثور منه في كثرتهم وانتشارهم في القصور 114.
فمع لذة ما يطاف عليهم به، فإن شربه لا يعقبه صداع ولا وجع: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} ، والطائفون عليهم حسان الصور: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} ، والمطوف عليهم به جميل المنظر: {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} ، تشتهيه النفس وتلذه العين: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) } [الواقعة:20 - 21] .
وهذه الخمر على لذتها، ليس فيها مساوئ خمر الدنيا من الإسكار والصداع ووجع البطن وما يعقبه من قيء ونحوها، قال ابن كثير: «فنزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع الرأس ووجع البطن -وهو الغول- وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى هاهنا: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء، أي: لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم.
وقوله عز وجل: {لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} أي طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك.
وقوله: {لَا فِيهَا غَوْلٌ} يعني: لا تؤثر فيهم غولًا -وهو وجع البطن. قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد- كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه؛ لكثرة مائيتها. وقيل: المراد بالغول هاهنا: صداع الرأس. وروي هكذا عن ابن عباس. وقال قتادة: هو صداع الرأس، ووجع البطن. وعنه، وعن السدي: لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر:
فما زالت الكأس تغتالنا
وتذهب بالأول الأول
وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد: إنه وجع البطن.
وقوله: {وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} قال مجاهد: لا تذهب عقولهم، وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي، وغيرهم.
وقد قال بعض أهل التفسير إن في قول الله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21] .
تعريضًا بنجاسة خمر الدنيا؛ «لأن خمر الجنة طاهرةٌ، وليست بنجسةٍ كخمر الدنيا» 115، وقد جعل فيه الشنقيطي شاهدًا لقول جمهور الفقهاء بأن الخمر نجسة العين فقال: «قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} [المائدة:90] الآية.
يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين؛ لأن الله تعالى قال إنها: رجس، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. وقيل: إن أصله من الركس، وهو العذرة والنتن.
قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} ؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} ، وكقوله: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} ، بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول وأهلها يصدعون، أي: يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها» 116.
و «المعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضا» 117.
جرت عادة الناس في الحياة الدنيا أنهم يعدون للخمر مجالس، يطوف عليهم فيها الخدم، ويتخيرون فيها المكان، ويدعون إليها الأصحاب والأقران، وقد يتجملون لها ويلبسون أحسن الثياب، ويجتمعون لها في مجالس لهو وسمر.
وقد نص القرآن الكريم على أن لأهل الجنة فيها مجالس خير من هذه المجالس، في جنة مفتحة الأبواب، قال تعالى: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) } [ص:49 - 52] .
«وتفتيح الأبواب كناية عن التمكين من الانتفاع بنعيمها؛ لأن تفتيح الأبواب يستلزم الإذن بالدخول وهو يستلزم التخلية بين الداخل وبين الانتفاع بما وراء الأبواب» 118.
ونصت الآية على أنهم يجلسون فيها مجلس المطمئن المرتاح المنعم والذي دلت عليه هيئة الاتكاء: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} ، وهم مع ذلك سالمون من كل ما ينغص عليهم مهما كان قليلًا مما يؤذي أبدانهم أو أسماعهم كخشونة في اللباس أو الأفرشة، أو برد أو حر، أو لغو أو إثم، قال تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) } [الإنسان:12 - 14] .
وقال سبحانه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) } [الواقعة:25 - 26] أي: لا يسمعون باطلًا ولا كذبًا 119.
والحرير: الرقيق الناعم من الثياب -كما هو معلوم-، والأرائك: «السرر، أو ما يتكأ عليه من سرير أو فراش ونحوه. {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} أي: لا يرون فيها شمسًا شديدة الحرارة بحيث تؤذيهم أو تضرهم، ولا يرون فيها كذلك {زَمْهَرِيرًا} أي: بردًا مفرطًا، يقال: زمهر اليوم، إذا اشتد برده.
والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا يرون في الجنة إلا جوًّا معتدلًا، لا هو بالحار ولا هو بالبارد.
وقوله سبحانه: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا} معطوف على قوله قبل ذلك: {مُتَّكِئِينَ} . و {ظِلَالُهَا} فاعل {وَدَانِيَةً} والضمير في {ظِلَالُهَا} يعود إلى الجنة.
أي: أن الأبرار جالسون في الجنة جلسة الناعم البال، المنشرح الصدر. وظلال أشجار الجنة قريبة منهم، ومحيطة بهم، زيادة في إكرامهم» 120.
وهم على سرر منسوجة من الذهب والجوهر، أو مصفوفة، متقابلون لا ينظر بعضهم في قفا بعض 121: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) } [الواقعة:15 - 16] .
«وسرر: جمع سرير وهو ككرسي واسع يمكن الاضطجاع عليه، وكان الجلوس على السرير من شعار الملوك وأضرابهم، وذلك جلوس أهل النعيم؛ لأن الجالس على السرير لا يجد مللًا؛ لأنه يغير جلسته كيف تتيسر له.
و {مُتَقَابِلِينَ} : كل واحد قبالة الآخر. وهذا أتم للأنس؛ لأن فيه أنس الاجتماع وأنس نظر بعضهم إلى بعض فإن رؤية الحبيب والصديق تؤنس النفس.
والظاهر: أن معنى كونهم متقابلين تقابل أفراد كل جماعة مع أصحابهم، وأنهم جماعات على حسب تراتيبهم في طبقات الجنة، وأن أهل كل طبقة يقسمون جماعات على حسب قرابتهم في الجنة كما قال تعالى: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) } [يس:56] .
وكثرة كل جماعة لا تنافي تقابلهم على السرر والأرائك وتحادثهم؛ لأن شؤون ذلك العالم غير جارية على المتعارف في الدنيا» 122.
تعلو النضارة وجوههم، قال تعالى: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) } [الإنسان:11] .
«أي: آمنهم مما خافوا منه، {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً} أي: في وجوههم، {وَسُرُورًا} أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع بن أنس. وهذه كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) } [عبس:38 - 39] . وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه» 123.
وقال سبحانه أيضًا: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) } [المطففين:24] : «يعني أنك إذا رأيتهم تعرف أنهم من أهل النعمة لما ترى على وجوههم من النّور والحسن والبياض، قيل: النضرة في الوجه والسرور في القلب» 124.
وتزينت أبدانهم ومعاصمهم بالحرير والحلي: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) } [الإنسان:21] : «أي: قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، فالسندس: ما غلظ من الديباج والإستبرق: ما رق منه. {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} أي: حلوا في أيديهم أساور الفضة، ذكورهم وإناثهم» 125.
وهم في غمرة ذلك يطلبون ما شاؤوا من فاكهة وشراب، مع ما يقابلون به من الإكرام والحفاوة، كما قال عز وجل: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) } [ص:49 - 52] .
وقال أيضًا: {أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) } [الصافات:41 - 44] .
«والرزق: الطعام، قال تعالى: {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} [آل عمران:37] .
وقال: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} [يوسف:37] .
والمعلوم: الذي لا يتخلف عن ميعاده ولا ينتظره أهله.
و {فَوَاكِهُ} عطف بيان من رزق. والمعنى: أن طعامهم كله من الأطعمة التي يتفكه بها لا مما يؤكل لأجل الشبع. والفواكه: الثمار والبقول اللذيذة.
و {وَهُمْ مُكْرَمُونَ} عطف على {لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} ، أي: يعاملون بالحفاوة والبهجة، فإنه وسط في أثناء وصف ما أعد لهم من النعيم الجسماني أن لهم نعيم الكرامة وهو أهم؛ لأن به انتعاش النفس مع ما في ذلك من خلوص النعمة ممن يكدرها؛ ذلك لأن الإحسان قد يكون غير مقترن بمدح وتعظيم ولا بأذى وهو الغالب، وقد يكون مقترنًا بأذى وذلك يكدر من صفوه، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة:264] .
فإذا كان الإحسان مع عبارات الكرامة وحسن التلقي فذلك الثواب» 126.
وقربت ثمار الجنة منهم لتنالها أيديهم في سهولة ويسر: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) } [الإنسان:14] .
ويطوف عليهم الولدان المخلدون في أجمل صورة وأحسن منظر: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) } [الإنسان:19] .
قال ابن عطية: «و {مُخَلَّدُونَ} قال جمهور الناس: معناه باقون من الخلود، وجعلهم ولدانًا؛ لأنهم في هيئة الولدان في السن لا يتغيرون عن تلك الحال، وقال أبو عبيدة وغيره مخلّدون معناه مقرطون، والخلدات حلي يعلق في الآذان ... وشبههم بـ «اللؤلؤ المنثور» في بياضهم وانتشارهم في المساكن يجيئون ويذهبون وفي جمالهم، ومنه سميت المرأة درة وجوهرة» 127.
وفي أيديهم الصحاف والأكواب والأباريق والقوارير مقدرة تقديرًا، قال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) } [الواقعة:17 - 21] .
أكواب جمع كوب، وهي الآنية التي لا عرى لها ولا خراطيم، والأباريق التي لها عرى وخراطيم واحدها إبريق، سمي بذلك لأنه يبرق لونه من صفائه.
وقال جل وعلا: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) } [الزخرف:71] .
«والصحاف: جمع صحفة، وهي: إناء مستدير واسع الفم ينتهي أسفله بما يقارب التكوير. والصحفة: إناء لوضع الطعام أو الفاكهة، مثل: صحاف الفغفوري الصيني تسع شبع خمسة، وهي دون القصعة التي تسع شبع عشرة. وقد ورد أن عمر بن الخطاب اتخذ صحافًا على عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤتى إليه بفاكهة أو طرفة إلا أرسل إليهن منها في تلك الصحاف» 128.
وقال جل وعلا: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) } [الإنسان:15 - 16] .
فهي أكواب «مادتها من فضة، وهي على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء، أن تكون الفضة الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير» 129.
وفي التقدير: «قولان: أحدهما: قدّروها في أنفسهم، فجاءت على ما قدّروا، قاله الحسن. وقال الزجاج: جعل الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه على تقديرهم. والثاني: قدّروها على مقدارٍ لا يزيد ولا ينقص، قاله مجاهد. وقال غيره: قدروا الكأس على قدر ريّهم، لا يزيد عن ريّهم فيثقل الكفّ، ولا ينقص منه فيطلب الزيادة، وهذا ألذّ الشراب. فعلى هذا القول يكون الضمير في «قدّروا» للسقاة والخدم، وعلى الأول للشاربين» 130.
فمن أبصرهم رآهم في نعمة وملك عظيم: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) } [الإنسان:20] .
«كرر ذكر الرؤية مبالغة، و {ثَمَّ} ظرف والعامل فيه رأيت أو معناه، وقال الفراء التقدير: {رَأَيْتَ} ما ثمّ وحذفت ما، وقرأ حميد الأعرج «ثم» بضم الثاء، و «النعيم» : ما هم فيه من حسن عيش، و «الملك الكبير» : قال سفيان: هو استئذان الملائكة وتسليمهم عليهم وتعظيمهم لهم، فهم في ذلك كالملوك، وقال أكثر المفسرين: «الملك الكبير» اتساع مواضعهم، فروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام كلهم مختلف شغله من شغل أصحابه، وأدنى أهل الجنة منزلة من ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه» 131.
شرب الخمر بلاء ابتلي به البشر قديمًا وحديثًا، وشاع بينهم شيوع النار في الهشيم. ولم يكن العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم ليشذوا عن هذه القاعدة، بل إن الأحاديث التي رويت في إراقتهم لقرب الخمر في طرقات المدينة بعد نزول تحريمها تشهد أنهم كانوا يشربون منها الشيء الكثير، وما وقع لهم من حوادث قبل نزول التحريم يدل على أنه كان لها مكان كبير في مجالسهم واجتماعاتهم ونواديهم. قال في التحرير والتنوير: «وشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود حياتهم، وقصارى لذاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم، قال طرفة:
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى
وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة
كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وعن أنس بن مالك: (حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر) . فلا جرم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة التدريج فأقر حقبة إباحة شربها. واتفق أهل الأثر على أن تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام، أي: في آخر سنة أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب» 132.
ولقد استطاع التشريع القرآني أن يستأصل هذا المرض الخبيث فيهم بخطة حكيمة، وتدرج متأن رشيد سبق بيانه، و «في تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة، وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر، وأصبحت جزءًا من حياتهم، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة؛ لشق ذلك على نفوسهم وربما لم يستجيبوا لذلك النهي، كما تقول السيدة عائشة رضي اللّه عنها: (أول ما نزل من القرآن سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبدًا) .
وذلك من الخطة الحكيمة التي انتهجها الإسلام في معالجة الأمراض الاجتماعية، فقد سلك بالناس طريق (التدريج في تشريع الأحكام) فبدأ بالتنفير منه بطريق غير مباشر كما في الآية الأولى، ثم بالتنفير المباشر عن طريق المقارنة بين شيئين: شيء فيه نفع ضئيل، وشيء فيه ضرر وخطر جسيم، كما في الآية الثانية، ثم بالتحريم الجزئي في أوقات الصلاة كما في الآية الثالثة، ثم بالتحريم الكلي في جميع الأوقات كما في الآية الرابعة، فللّه ما أدق هذا التشريع» 133.
وتبدو هذه ميزة انفردت بها الشريعة الخاتمة من دون سائر الشرائع الأرضية، ويرى ابن عاشور أنها انفردت بها أيضًا عن سائر الشرائع السماوية السابقة، قال: «وشرب الخمر عمل متأصل في البشر قديمًا لم تحرمه شريعة من الشرائع لا القدر المسكر بله ما دونه، وأما ما يذكره علماء الإسلام إن الإسكار حرام في الشرائع كلها فكلام لا شاهد لهم عليه بل الشواهد على ضده متوافرة، وإنما جرأهم على هذا القول ما قعدوه في أصول الفقه من أن الكليات التشريعية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض هي مما اتفقت عليه الشرائع، وهذا القول وإن كنا نساعد عليه فإن معناه عندي أن الشرائع كلها نظرت إلى حفظ هاته الأمور في تشريعاتها، وأما أن تكون مراعاة باطراد في غير شريعة الإسلام فلا أحسب ذلك يتم، على أن مراعاتها درجات، ولا حاجة إلى البحث في هذا» 134.