وعمارة المساجد نوعان: حسية، ومعنوية؛ فالحسية: بالتشييد والبناء والترميم والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح والدخول إليها والقعود فيها، والمعنوية: بالصلاة وذكر الله والاعتكاف والزيارة للعبادة فيها، وذلك يشمل العمرة، ومن الذكر: درس العلم، بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلًا عن فضول الحديث 98.
والمعنى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} أي: إنما يستحق عمارة المساجد وتستقيم منه العمارة، ويكون أهلًا لها من اتصف بالإيمان بالله تعالى إيمانًا صحيحًا، على النحو المبين في القرآن من الإقرار بوجود الله والاعتراف بوحدانيته، وتخصيصه بالعبادة، والتوكل عليه، وآمن باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد، ويجزي فيه بالثواب للمحسنين وبالعقاب للمسيئين، وأقام الصلاة المفروضة على الوجه المستكمل لأركانها وشروطها وتدبر تلاوتها وأذكارها، وخشوع القلب لله وخشيته، وآتى الزكاة لمستحقيها المعروفين كالفقراء والمساكين وأبناء السبيل، {وَلَمْ يَخْشَ} في قوله وعمله إلا الله وحده، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة، وإنما النفع والضر بيد الله. أما إنه لم يذكر الإيمان بالرسول فلأنه دل عليه ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها لأنه مما جاء به الرسول، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول.
وهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد الحسية بالبناء والتشييد والترميم، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم، فلا يعمر بيوت الله غيرهم، وهؤلاء هم الذين يرجى بحق أن يكونوا من المهتدين إلى الخير دائمًا، وإلى ما يحب الله ويرضيه، المستحقون الثواب على أعمالهم، لا أولئك المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد، فيشركون بالله ويكفرون بما جاء به رسوله، ويسجدون للطواغيت (الأصنام) ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام 99.
كما أن الله تعالى ذم من يسعى في خراب المساجد، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) } [البقرة:114] .
قال الرازي في تفسيرها قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} «فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالًا من المشرك؛ لأن قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ} يتناول المشرك؛ لأنه تعالى قال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .
فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان» 100.
وقد ورد ذكر بيوت الله التي هي المساجد في السنة النبوية، وذلك فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) 101.
وفيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) 102.
ذكرت بيوت الأنبياء في سياقات متعددة، وسيتم الحديث أولًا عن بيوت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم بيوت غيره من الأنبياء فيما
يأتي:
ذكر القرآن بيوت النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سياقات مختلفة كما يأتي:
-في سياق الجهاد.
قال تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) [الأنفال:5] .
والإخراج من البيت: هو الإخراج المعين الذي خرج به النبي صلى الله عليه وسلم غازيًا إلى بدر.
والمعنى: أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمرًا موافقًا للمصلحة في حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك الخروج 103.
-في سياق الآداب الواجبة معها.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى? طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَ?كِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ? وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ? وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ?53?) [الأحزاب:53] .
وقد تضمنت الآية- فيما يتعلق بالبيوت- حكمين:
الحكم الأول: النهي عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال إلا بالإذن لتناول طعام، غير منتظرين وقت نضجه، والمعنى: فيا أيها الذين آمنوا أو صدقوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيتًا من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال إلا بالإذن لتناول طعام، غير منتظرين وقت نضجه، فإذا نضج فادخلوا، إذا دعيتم، فإذا تناولتم الطعام فانتشروا في الأرض غير مستأنسين أو مشتغلين بلهو الحديث، إن دخولكم بيت النبي واشتغالكم بالحديث قبل نضج الطعام كان يؤذي النبي، وإيذاؤه حرام، وكان النبي يتضايق من ذلك، ويكره أن ينهاكم عن ذلك من شدة حيائه صلى الله عليه وسلم، والله لا يستحيي من بيان الحق، وهو الأمر بالخروج من البيت، ومنع البقاء فيه، وهذا أدب عام يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين 104.
الحكم الثاني: النهي عن النظر إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فكما نهيتكم عن الدخول إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم من غير إذن، ودون انتظار نضج الطعام، كذلك نهيتكم عن النظر إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فإذا طلبتم منهن شيئًا من الأمتعة، كالمواعين وسائر مرافق الدين والدنيا، فاطلبوه من وراء حجاب ساتر، وذلك الحجاب أطهر وأطيب للنفس، وأبعد عن الريبة، لقلوبكم وقلوبهن، من الهواجس ووساوس الشيطان.
وذلك لأنه لم يصح لكم أن تؤذوا رسول الله وتضايقوه، كالبقاء في منزله، والاشتغال بالحديث، وانتظار نضج الطعام، ويحرم عليكم أبدًا التزوج بنسائه بعد الفراق بموت أو طلاق، تعظيمًا له، إن إيذاء صلى الله عليه وسلم وزواج نسائه من بعده ذنب عظيم وإثم كبير، والبعد عن الإيذاء سرًّا وعلنًا مطلوب، فإنكم إن تظهروا شيئًا من الأذى أو تكتموه، فإن الله تام العلم به، يعلم السرائر والخفايا، والظواهر والأحوال كلها.
ثم استثنى الله من حكم حجاب أزواج النبي: المحارم، فلا إثم ولا حرج على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في ترك الحجاب أمام الآباء والأبناء، بسبب النسب أو الرضاع، والإخوة وأبناء الإخوة والأخوات، وأمام النساء المؤمنات، والأرقاء من الذكور والإناث، بعدًا عن الحرج والمشقة في ذلك بسبب الخدمة، ودخل الأعمام في الآباء 105.
-في سياق ذكر أمهات المؤمنين.
قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ? إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ?32?وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى? ? وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ?33?وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى? فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ?34?) [الأحزاب:32 - 34] .
هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطبًا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن إذا اتقين الله عز وجل كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة.
ثم قال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي: دغل (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير، ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها 106.
وفي قوله تعالى: (أَهْلَ الْبَيْتِ) ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه عنى عليًّا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، قاله أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم.
الثاني: أنه عنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ابن عباس وعكرمة.
الثالث: أنها في الأهل والأزواج، قاله الضحاك 107.
وقد اختلف الفقهاء والمفسرون في أهل البيت المذكورين في الآية على أقوال، والراجح والصحيح منها: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، أو بنو هاشم خاصة، أو بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب؛ وهذا القول هو اختيار الجمهور والأكثرين من العلماء، ولا شك أن بعضهم أخص بكونه من آل البيت من بعض، فعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين: أخص من غيرهم 108،109، وكذلك زوجاته صلى الله عليه وسلم يدخلن دخولًا أوليًّا، قال ابن عطية: «والذي يظهر إلي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وهذه الآية تقضي أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن» 110.
وقال الشوكاني- بعد أن ذكر تلك الأقوال-: «أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات، ولكونهن الساكنات في بيوته صلى الله عليه وسلم النازلات في منازله، ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره، وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما ذكرناه من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول، فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله، وأهمل ما لا يجوز إهماله، وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي، وابن كثير، وغيرهما» 111.
-ذكر القرآن الكريم بيت نوح عليه السلام في سياق الدعاء.
قال تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ?28?) [نوح:28] .
فقد ذكر المفسرون في معنى بيتي المذكور في الآية: بيتي منزلي، وقيل: مسجدي، فيما قال ابن عباس وجمهور المفسرين، وقيل: سفينتي 112. وقال ابن عباس أيضا: بيته: شريعته ودينه استعار لها بيتًا، كما يقال: قبة الإسلام، وفسطاط الدين 113.
-بيت إبراهيم عليه السلام.
قال سبحانه: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ? رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ? إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ?73?) [هود:73] يعني قالت الملائكة لسارة (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) معناه: لا تعجبي من ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، فإذا أراد شيئًا كان سريعًا (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) يعني: بيت إبراهيم عليه السلام، وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة، وفيه دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته (إِنَّهُ حَمِيدٌ) يعني: هو المحمود الذي يحمد على أفعاله كلها، وهو المستحق لأن يحمد في السراء والضراء والشدة والرخاء، فهو محمود على كل حال (مَجِيدٌ) ومعناه: المنيع الذي لا يرام، وقال الخطابي: المجيد الواسع الكرم 114.
-ذكر القرآن الكريم بيت لوط عليه السلام.
قال تعالى: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ?36?) [الذاريات:36] .
أي: لوطًا عليه السلام وابنتيه 115، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم 116.
-بيت موسى وهارون عليه السلام.
قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى? وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(87 ) ) [يونس:87] .
وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوها نحو القبلة 117.
وقال الزجاج: صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف 118، وقال عكرمة، عن ابن عباس: واجعلوا بيوتكم مساجد 119.
ثالثًا: بيوت المؤمنين:
ذكرت بيوت المؤمنين في سياقات متعددة يمكن بيانها فيما يأتي:
-في سياق الهجرة.
قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ? وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء:100] .
-في سياق الأكل في البيوت.
قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى? حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ? لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ? فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى? أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ?61?) [النور:61] .
-في سياق آداب دخول البيوت.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [النور:27] .
رابعًا: بيوت الظالمين:
ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام التذكير بنعم الله تعالى.
قال سبحانه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) } [الأعراف:74] .
فقد ذكّّر نبي الله صالح عليه السلام قومه بالنعم التي أنعم الله بها عليهم، والمعنى: أي وتذكروا نعم الله عليكم وإحسانه إليكم، إذ جعلكم خلفاء لعاد في الحضارة والعمران والقوة والبأس، وأنزلكم منازلهم تتخذون من سهولها قصورًا زاهية، ودورًا عالية، بما ألهمكم من حذق في الصناعة، فجعلكم تضربون اللّبن وتحرقونه آجرًا (الطوب المحرق) وتستعملون الجص، وتجيدون هندسة البناء ودقة النجارة، وتنحتون من الجبال بيوتًا، إذ علمكم صناعة النحت، وآتاكم القوة والجلد.
فقد كانوا يسكنون الجبال في الشتاء لما في البيوت المنحوتة من القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون السهول في باقي الفصول للزراعة والعمل.
قال تعالى: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف:74] .
أي: وتذكروا هذه النعم العظام، واشكروها له بتوحيده وإفراده بالعبادة، ولا تتصرفوا فيها تصرف كفران وجحود بفعل ما لا يرضي الله الذي خلقها لكم، فما بالكم بالكفر والعثي في الأرض بالفساد 120.
كما ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام العذاب الذي استحقته.
قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) } [النمل:52] .
قال الطبري: «يعني تعالى ذكره بقوله: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} فتلك مساكنهم خاوية خالية منهم، ليس فيها منهم أحد، قد أهلكهم الله فأبادهم {بِمَا ظَلَمُوا} يقول تعالى ذكره: بظلمهم أنفسهم بشركهم بالله، وتكذيبهم رسولهم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة، لعظة لمن يعلم فعلنا بهم ما فعلنا، من قومك الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عند ربك وعبرة» 121.
كما ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام تذكير المكذبين برسلهم وكيف كانت سنة الله تعالى فيمن كان قبلهم وسلك مسلكهم، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) } [طه:128] .
قال ابن جرير الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أفلم يهد لقومك المشركين بالله، ومعنى يهد: يبين، يقول: أفلم يبين لهم كثرة ما أهلكنا قبلهم من الأمم التي سلكت قبلها التي يمشون في مساكنهم ودورهم، ويرون آثار عقوباتنا التي أحللناها بهم سوء مغبة ما هم عليه مقيمون من الكفر بآياتنا، ويتعظوا بهم، ويعتبروا، وينيبوا إلى الإذعان، ويؤمنوا بالله ورسوله، خوفًا أن يصيبهم بكفرهم بالله مثل ما أصابهم» 122.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) } [السجدة:26] .
وقوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) } [العنكبوت:38] .
وقوله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [الحج:45 - 46] .
أي: إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبرًا ومواعظ ودلائل متناظرة تبين أخبار من تقدم كيف كان أمرهم 123.
كما ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام النفاق وأنها سبب للفرار من الجهاد قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) } [الأحزاب:13] .
وكذلك ذكر سبحانه بيوت الظالمين بأنها بيوت شهوات وانحلال وخيانة، كما ذكر ذلك في قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) } [يوسف:23] .
وتشير الآية إلى أن اتباع الشهوات وارتكاب الخيانات في البيوت من الظلم، ولهذا قال سبحانه: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي: إنه تعالى لا يفلح الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس بخيانة وتعد على الأعراض، لا في الدنيا ببلوغ الإمامة والرياسة، ولا في الآخرة بالوصول إلى رضوان الله تعالى ودخول جنات النعيم 124.
خامسًا: بيوت المخلوقات:
إن بيوت المخلوقات من غير بني آدم المذكورة في القرآن هي:
1.بيوت العنكبوت.
قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) } [العنكبوت:41] .
يقول تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ} في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ} لنفسها، كيما يكنها، فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم حين نزل بهم أمر الله، وحل بهم سخطه أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا، ولم يدفعوا عنهم ما أحل الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم 125.
قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها» 126.
2.بيوت النحل.
قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) } [النحل:68] .
وقوله: {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل:68] .
أي: خلايا، وهي الأمكنة التي يضع النحل فيها العسل، ويقال: إنما يضع العسل في أجواف الأشجار، وقد يضع على أغصان الأشجار، وقوله: {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} يعني: يبنون، وقد جرت عادة أهلها أنهم يبنون لها الأماكن فهي تأوي إليها بتسخير الله إياها لذلك 127.
قال الرازي: في تفسير قوله: {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل:68] .