فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 2431

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) } [الأنعام:112 - 113] .

عن مالك بن دينارٍ رحمه الله أنه قال: «شياطين الإنس أشد علي من شياطين الجن؛ وذلك أني إنْ تعوذْت بالله منْ شياطين الجن ذهبتْ عني، وشياطين الإنس تجيئني فتجرني إلى المعاصي عيانًا» 65.

عن ابْن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «إن للْجن شياطين يضلونهمْ مثْل شياطين الإنْس يضلونهمْ، قال: فيلْقى شيْطان الإنْس شيْطان الْجن، فيقول هذا لهذا: أضْللْه بكذا، وأضْللْه بكذا، قال: فهو قوْله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} » .

قال ابن الجوزي: «وأما قوله {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} فهو ما زين منه، وحسن، وموه» 66، «يزين بعضهم لبعض ما يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقًا» 67.

وقال البقاعي: «والغرور: هو الذي يعْتقد فيه النفع وليس بنافعٍ» 68.

ويقول الشيخ عبد الحميد طهماز: «ولا يخفى ما في الآية من تحذيرٍ للمؤمنين من الوقوع في شراك الضالين المضلين، فعليهم أن يتجنبوا استماع كلامهم المزوق المزخْرف الذي يخفون في طياته السم الناقع، فما أكثر ما يخلطون السم بالدسم، فالاستماع إلى أقوالهم قد يؤدي إلى الرضا بها، ثم الاستجابة الفعلية لما فيها من إثم وفجور. وكأني بالآية الكريمة قد نزلت لهذا العصر الذي أصبح فيه لوسائل الإعلام سلطانٌ كبير، وتأثيرٌ شديدٌ على الناس، لقد وجه شياطين الإنس من أعداء الإنسانية بوحيٍ من شياطين الجن كثيرًا من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة إلى الشعوب الإسلامية، ليفتنوا المسلمين عن دينهم وأخلاقهم، وقد ملؤوها بالبرامج المزخرفة المموهة التي تستهدف في حقيقتها تشكيك المسلمين بدينهم، وإشاعة الفواحش والفجور في مجتمعاتهم» 69.

وقال تعالى ناهيًا ومحذرًا من خطوات الشيطان التي يستدرج بها الإنسان حتى يوقعه في الحرام: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) } [البقرة:168] ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) } [النور:21]

«قال الضحاك: هي الخطايا التي يأمر بها، وقال أبو إسحاق: أي: لا تقفوا آثاره؛ لأن ترككم شيئًا من شرائع الإسلام اتباع الشيطان» 70.

فلا يزال الشيطان بالإنسان حتى يدفعه إلى تعاطي الحرام، من المآكل والمشارب والمناكح، فالحذر الحذر من وساوسه وخطواته، وحبائله وخطراته التي يستدرج بها أهل الغفلة، فإذا تعاطى الناس الحرام فشا الظلم وخيم الضلال، وانتشر الخنا والفجور، وفسدت المجتمعات وتردت إلى الهاوية.

واتباع الهوى: «السير وراء ما تهوى النفس وتشتهي أو النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل أو الرجوع إلى شرع أو تقدير لعاقبة» 71.

واتباع الهوى يفضي إلى الانسياق وراء الملذات والانغماس في الشهوات، والنفور من الحق، وكراهيته، وما ينبثق عن ذلك من ظلمٍ وافتراء، وتردي الأخلاق، وانفراط عقد المجتمع، وفقدان نعمة الأمن وتلاشي العدالة الاجتماعية، وسقوط المجتمع في براثن الطغيان والاستبداد، وتسلط الظلمة، وتصدر الفسقة، وتمكن المنافقين ومرضى القلوب. ولقد حذرنا المولى عز وجل في كتابه الكريم من إتباع الهوى، وأنذر الذين ملك الهوى زمام قلوبهم، ودعا إلى تجنب أصحاب الأهواء، قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] .

قال ابن عباس: ما ذكر الله عز وجل الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه. وقال الشعبي: إنما سمى الهوى لأنه يهوي بصاحبه 72.

فصاحب الهوى لا يرى إلا الهوى، والهوى طريق الهلكة والضياع: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ منْجياتٌ، وثلاثٌ مهْلكاتٌ: فأما الْمنْجيات: فالْعدْل في الْغضب والرضا، وخشْية الله في السر والْعلانية، والْقصْد في الْغنى والْفقْر، وأما الْمهْلكات: فشحٌ مطاعٌ، وهوًى متبعٌ، وإعْجاب الْمرْء بنفْسه) 73.

ولقد أورد ابن الجوزي في كتابه ذم الهوى آثارًا للسلف في ذلك منها ما رواه عن مالك بن دينار: أنه قال: بئس العبد عبدٌ همه هواه وبطنه، وقال ابن السماك: إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك، داؤك هواك ودواؤك ترك هواك 74.

واتباع الهوى من الأسباب الرئيسة في تردي المجتمعات وانتكاسها؛ فإن الإعراض عن الحق والنكوب عن الهدى، والميل إلى الهوى، مما يعمي القلوب والأبصار، ويفسد المجتمعات؛ لأنه يفضي إلى الظلم والفوضى والتخبط حين يترك العنان لكل نفسٍ وما تهوى.

والأهواء متباينة ومتنازعة، ولذا جاءت بصيغة الجمع.

من آثار اتباع الهوى على النفس والمجتمع:

1.التخبط والضلال والجور في الحكم.

فإن من أسباب التخبط والجور في الأحكام وما يعقبها من مظالم تهدم المجتمعات، فإما حكم بين الناس بالحق وإما اتباع للأهواء المضلة.

قال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26] .

والمتبع للهوى يحرم نفسه من نعمة الهداية، إذ لم ينتفع بعلمه وأغلق سمعه وبصره عن قوارع الحق وشواهده.

قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) } [الجاثية:23] .

2.الانتكاس والسقوط.

ولا شك أن في اتباع أهل الأهواء مع وضوح الحق وقيام حجته مفسدة عظيمة سيما ممن نال حظا من العلم، وهو مع ذلك ينساق للجهال، فيضيع نفسه ويضيع غيره.

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف:175 - 176] .

قال الشيخ رشيد رضا: «وهذا الرجل صفته كصفة الْكلْب في حالته هذه، وهي أخس أحْواله وأقْبحها، والْمراد -والله أعْلم- أنه كان منْ إخْلاده إلى الْأرْض، واتباع هواه في أسْوأ حالٍ، خلافًا لما كان يبْغي منْ نعْمة الْعيْش وراحة الْبال، فهو في همٍ دائمٍ مما شأْنه أنْ يهْتم به، وما شأْنه ألا يهْتم به منْ صغائر الْأمور وخسائس الشهوات، كدأْب عباد الْأهْواء وصغار الْهمم تراهمْ كاللاهث من الْإعْياء والتعب، وإنْ كان ما يعْنون به، ويحْملون همه حقيرًا لا يتْعب ولا يعْيي، ولا ترى أحدًا منْهمْ راضيًا بما أصابه منْ شهواته وأهْوائه، بلْ يزيد طمعًا وتعبًا كلما أصاب سعةً وقضى أربًا:

فما قضى منْها أحدٌ لبانته

ولا انْتهى أربٌ إلا إلى أرب 75

3.الإفراط.

والإفراط يفضي إلى التقصير والعجز، وإضاعة الحقوق.

قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] .

أي: «ضياعًا وهلاكًا، وهو من التفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف، فإن الغفلة عن ذكر الله تعالى تؤدي إلى اتباع الهوى المؤدي إلى التجاوز والتباعد عن الحق والصواب» 76.

وفي قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} تسفيهٌ لهؤلاء المشركين، وما هم فيه من عناد يسوقهم إلى الهلاك، ويخرجهم من الدنيا، وقد خسروا الدنيا والآخرة جميعًا 77.

4.الإعراض عن الحق مع جلائه.

قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) } [القصص:49 - 50] . فلا أضل ممن ساقه الهوى، وبعد عن الهدى.

5.الخذلان والحرمان من ولاية الله ونصرته.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) } [الرعد:37] .

فجزاء اتباع أهل الأهواء الخذلان والضياع. أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} قال: من أحد يمنعك من عذاب الله تعالى 78.

6.العمى والصمم عن الحق.

فمتبع الهوى له عين لا يبصر بها وله أذن لا يسمع بها وله عقل لا يعقل به، فحياته كالبهائم بل أضل، إذ البهيمة لا تخرج عن دورها في الحياة، {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان:43 - 44] . وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} قال: كلما هوى شيئًا ركبه وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى 79.

وقال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) } [محمد:16] . فقرنت الآية بين الطبع على قلوبهم وبين اتباع الأهواء، فداء القلب وعماه في اتباع الأهواء.

لا شك أن الخلود إلى الراحة والدعة وترك العمل والاشتغال بأسباب الترف أو الكلام والجدل مما يفسد النفس والمجتمع، فمن قل عمله كثرت شهواته، والترف مفسدةٌ عظيمة، ومهلكةٌ خطيرةٌ، قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) } [هود:116 - 117] .

فهلا كان فيمن قبلكم أولو معادن نفيسة، ونفوس زكية، وهمم عالية،، ينهون الناس عن الفساد في البلاد، إلا قليلًا ممن أنجاهم الله تعالى بصلاحهم ونصحهم، واتبع الذين ظلموا سبيل الترف، فنافسوا على الرياسة والسلطان والثراء، لينعموا بالمال والجاه، وسلكوا لذلك كل سبيل، وكانوا مجرمين بفجورهم وفسادهم، ونكوبهم عن طريق الصلاح ومحاربتهم للحق، فاستحقوا الهلاك، فالترف من أسباب الفسوق والانحلال الموجب للنقمة والعقوبة التي لا تكون إلا للمفسدين.

قال صاحب الظلال: «لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما اهتموا بالتنعم والترف والانغماس في الشهوات والتطلع إلى الرياسة والسعي لها وجمع الثروة وطلب العيش الهنيء، ورفضوا ما وراء ذلك مما ينفعهم في الآخرة ونبذوه وراء ظهورهم. فالترف يغلظ القلوب ويفقدها الحساسية ويفسد الفطرة ويغشيها فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى وتصر على الباطل ولا تتفتح للنور» 80.

وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) } [الإسراء:16 - 17] .

فالمترفون هم الذين يقودون عجلة الحضارة إلى الدمار بفسقهم ومجونهم، وقسرهم ضعفاء القلوب على الكفر والضلال، حتى يكون الهلاك الذي يعمهم جميعًا، بعد أن أمرهم الله بالطاعة فبادروا إلى التمرد والعصيان، قرئ (أمرنا) 81: أي أكثرنا فصاروا هم الكثرة الفاسدة، الأغلبية الطاغية. والمترف عالة على مجتمع، لا يعمل ولا ينتج، بل هو نديم الشهوات قعيد الملذات، لا يفكر إلا في ملء بطنه وإفراغ شهوته، فالترف داعية السرف المفضي إلى الفسوق والعصيان والظلم والإجرام، يظهر هذا في الكبار والموسرين، ثم ينعكس على الفقراء المعوزين فتسوء حال الأمم وتتدهور أخلاقها.

قال الألوسي: «وإنما خص الله تعالى المترفين بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى الجميع، لأنهم أئمة الفسق ورؤساء الضلال، وما وقع من سواهم إنما وقع باتباعهم وإغوائهم، فكان توجه الأمر إليهم آكد» 82، فالأمم إنما يهلكها بطرها واستكبارها وغفلتها عن الحق واستغراقها في شهواتها الدنيوية دون تدبر وترو، وإنما يصلحها تدبرها وبصيرتها واعتدالها وسلوكها طريق الحق وتفكيرها في العواقب وعدم إسرافها في متع الحياة وشهواتها.83

والصلة بين الانغماس في الترف والتشبث به وبين الإجرام وثيقة، فالمترف والباحث عن الترف قد لا يتورع عن سلوك أي طريق وركوب أي حيلة ليعيش حياة الترف، والترف من دواعي القعود عن عزائم الأمور والركون للدعة.

وقد مضت سنة الله في المترفين الذين أبطرتهم النعمة فكذبوا رسل الله وردوا دعوة الله أن يهلكهم ويذيقهم العذاب في الدنيا كما يذيقهم العذاب في الآخرة.

قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) } [الأنبياء:11 - 15] .

تصور الآيات الكريمة مشهد العذاب الذي حل بالظلمة المترفين، فانطلقوا يركضون هربًا من ملاحقته، فيقال لهم على سبيل الاستهزاء: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة، «وارْجعوا إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، ارجعوا إلى ما أترفتم فيه من العيش والرفاهية والحال الناعمة» 84.

وتأمل في حال قوم سبأ حين تبطروا على هذه النعم وطلبوا زوالها وتمنوا لو كان السفر طويلًا، وبلغ الترف ببعضهم والدعة أن اشتكى بعضهم من بعد الأسفار جحودًا وإنكارًا لنعم الله تعالى، وظلموا أنفسهم بجحودهم وغفلتهم، وتمللهم، فجعلناهم عبرةً يتحدث الناس بها ويتعجبون من أخبارهم وبؤسهم بعد عيشهم الرغيد، وتفرقهم بعد اجتماع شملهم وذلهم بعد عزهم، حتى صار تفريقهم مثلًا سائرًا فقالوا في الأمثال: ذهبوا أيْدي سبا وتفرقوا أيْدي سبا 85، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) } [سبأ:18 - 19] .

من أسباب التغيير: الأمن من مكر الله تعالى، فيغتر العبد ويتمادى في الذنوب والعصيان، ويمسي ويصبح في غفلةٍ لا يلقي بالا لما قدمته يداه.

قال الراغب رحمه الله: مكر الله: صفة حقيقة على ما يليق بجلال الله وكماله، ومن لوازمها إمهال العاصي وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله 86.

والمراد: المسرف على نفسه، العاصي لربه، وقد يوسع على العبد الصالح تمكينًا له لصلاحه وإكرامًا.

وقال ابن حجر الهيتمي: «الأمن من مكر الله يتحقق بالاسترسال في المعاصي مع الاتكال على الرحمة» 87.

قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) } [الأعراف:97 - 99] .

أفأمن أولئك الذين يكذبون بآيات الله ويجحدونها إمهال الله لهم واستدراجهم؛ بإمدادهم بالنعم في دنياهم من صحة البدن ورخاء العيش فيأخذهم على غرة بعذاب لا رجعة فيه ولا مهرب منه، وهم في نومٍ ورقادٍ، أو في لعبٍ ومرحٍ، أفأمن أولئك العصاة مكر الله بهم ونقمته عليهم فلا يأمن مكر الله إلا أهل الخسران.

قال تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ، فما وراء الأمن والغفلة والاستهتار إلا الخسار. وما يغفل عن مكر الله هكذا إلا الذين يستحقون هذا الخسار! أفأمنوا مكر الله؛ وهم يرثون الأرض من بعد أهلها الذاهبين، الذين هلكوا بذنوبهم، وجنت عليهم غفلتهم؟ أما كانت مصارع الغابرين تهديهم وتنير لهم طريقهم؟ 88.

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) } [الأنعام:44] ) 89.

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن فجأة نقمتك، ومن جميع سخطك وغضبك) 90.

وسياق آيات الأعراف وإن كانت في المكذبين الكافرين إلا أن الواجب على المؤمن الحذر من سوء العاقبة بإفراطه وتفريطه.

وقال تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) } [النحل:45 - 47] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت