فهرس الكتاب

الصفحة 2363 من 2431

الوفاء

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: (وفي) «الواو والفاء والحرف المعتل: كلمةٌ تدل على إكمالٍ وإتمام. منه الوفاء: إتمام العهد وإكمال الشرط. ووفى: أوفى، فهو وفيٌ. ويقولون: أوفيتك الشيء، إذا قضيته إياه وافيًا. وتوفيت الشيء واستوفيته؛ إذا أخذته كله حتى لم تترك منه شيئًا» 1.

وقال ابن منظور: «معنى الوفاء في اللغة الخلق الشريف العالي الرفيع» 2.

«يقال: وفى بعهده وأوفى، ووفيت بالعهد وأوفيت به سواء، فمن قال وفى فإنه يقول تم كقولك وفى لنا فلانٌ أي: تم لنا قوله ولم يغدر، ومن قال أوفى فمعناه أوفاني حقه أي: أتمه ولم ينقص منه شيئًا، وكذلك أوفى الكيل أي: أتمه ولم ينقص منه شيئًا» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: الوفاء بالعهد: إتمامه وعدم نقض حفظه 4.

وقال أيضًا: الوفاء صدق اللسان والفعل معًا 5.

وقال الجرجاني: الوفاء: هو ملازمة طريق المواساة، ومحافظة عهود الخلطاء 6.

وقيل: الوفاء: المحافظة على العهد والالتزام به، ومنه الوفاء بالالتزام، ووفاء الدين، والوفاء بالعهد 7.

فالوفاء يدور حول الالتزام والإكمال والتمام والمحافظة على ما ألزم الإنسان به نفسه من عهود أو مواثيق أو وعود أو أمانات أو غير ذلك مما يضاف إلى كلمة الوفاء.

وردت مادة (وفي) في القرآن الكريم (66) مرة، يخص موضوع البحث منها (41) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 6 ... {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) } [الزمر:70]

الفعل المضارع ... 20 ... {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) } [الإنسان:7]

فعل الأمر ... 11 ... {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) } [الإسراء:34]

اسم الفاعل ... 2 ... {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) } [هود:109]

اسم تفضيل ... 2 ... {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111]

وجاء الوفاء في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: التمام، ومنه قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] . يعني: أنه بذل المجهود في جميع ما طولب به وأداه تامًا كاملًا 9.

الصدق:

الصدق لغةً:

نقيض الكذب، صدق، يصدق، صدقًا، وصدقًا، وتصادقًا، قيل: صدقه الحديث: أنبأه بالصدق، ويقال: صدقت القوم، أي: قلت لهم صدقًا وتصادقًا في الحديث وفي المودة 10.

الصدق اصطلاحًا:

مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم 11.

وقال الراغب: الصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما 12.

الصلة بين الصدق والوفاء:

قال الماوردي: «الصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان فيهن تمام كل دين، وصلاح كل دنيا، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد 13.

وقيل: بين الوفاء والصدق عموم وخصوص «فكل وفاء صدق، وليس كل صدق وفاء. فإن الوفاء قد يكون بالفعل دون القول، ولا يكون الصدق إلا في القول، لأنه نوع من أنواع الخبر، والخبر قول» 14.

الأمانة:

الأمانة لغةً:

لها أصلان متقاربان: أولهما: الأمانة التي ضد الخيانة، ومعناه سكون القلب. والآخر: التصديق 15.

الأمانة اصطلاحًا:

قال الكفوي: الأمانة: كل ما افترض الله على العباد فهو أمانة كالصلاة والزكاة والصيام وأداء الدين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار، وقال في موضع آخر: كل ما يؤتمن عليه من أموال وحرم وأسرار فهو أمانة 16.

الصلة بين الأمانة والوفاء:

معنى الأمانة قريب من معنى الوفاء؛ فإذا كانت الأمانة بمعنى الفرائض فمن الوفاء إتمامها كاملة غير منقوصة، وكذا إذا كانت بمعنى الوديعة.

قال النسفي: ومعنى الخون النقص كما أن معنى الإيفاء التمام، ومنه تخونه إذا انتقصه، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه 17.

الخيانة:

الخيانة لغةً:

الاحتيال والخداع. فالخيانة خلاف الأمانة 18.

الخيانة اصطلاحًا:

«مخالفة الحق بنقض العهد في السر» 19.

الصلة بين الخيانة والوفاء:

من خلال معرفة معنى الخيانة يلاحظ أنها تأتي في مقابل الوفاء خاصة، وأن الوفاء يقوم على الإتمام والإكمال والالتزام بالعهود والمواثيق، والخيانة تنصرف إلى نقضها وعدم الوفاء بها، ومن استعمال القرآن للخيانة بمعنى نقض العهود والمواثيق وعدم الوفاء بها ما جاء في قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) } [الأنفال: 58] .

والوفاء له مجالات كثيرة يجب على المسلم أن يقوم بها على وجه الإكمال والإتمام، حتى يكون قد حقق الوفاء المأمور به في الشريعة، ومن أبرز هذه المجالات:

أولًا: الوفاء بالعهود والمواثيق:

والوفاء بالعهود والمواثيق من الأمور المهمة في حياة المسلم، والتي جاءت الكثير من النصوص الشرعية تأمر بالوفاء بها على وجه التمام والكمال.

ويشمل ذلك الوفاء بالعهد والميثاق مع الله سبحانه، أو مع الناس، وقد جاء الأمر بذلك في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) } [البقرة: 40] .

وقد بين الشيخ ابن عثمين أهمية الوفاء بالعهد مع الله فقال: «ومن فوائد هذه الآية أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بل إن الله أكرم من عبده، حيث يجزيه الحسنة بعشر أمثالها؛ وأن من نكث بعهد الله فإنه يعاقب بحرمانه ما رتب الله تعالى على الوفاء بالعهد؛ وذلك لأن المنطوق في الآية أن من وفى لله وفى الله له؛ فيكون المفهوم أن من لم يف فإنه يعاقب، ولا يعطى ما وعد به؛ وهذا مقتضى عدل الله عز وجل 20.

ومن الآيات التي تحث على الوفاء بالعهود والمواثيق قوله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } [الأنعام: 152] .

والآية تجعل الوفاء بعهد الله من وصية الله لعباده كما قال ابن كثير: «وقوله: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} أي: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا. وإيفاء ذلك: أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول تعالى: هذا وصاكم به، وأمركم به، وأكد عليكم فيه» 21.

وقد جاء الأمر أيضًا بالوفاء بالعهود والمواثيق في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] .

قال القرطبي: « {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ} لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع الإنسان من بيع أو صلة أو موافقة للديانة» 22.

وعن سر إيثار التعبير بـ {وَأَوْفُوا} فلأن فيه دلالة على التمسك بالعهد تمسكًا تامًّا، وأداءً وافيًا لا نقيصة فيه، وهذا ما يناسب الحديث عن العهد مع الله تعالى، لذا أضيف العهد الى الله في قوله: {بِعَهْدِ اللَّهِ} لإبراز عظمة هذا العهد وفخامته، وللحث على الالتزام به وعدم نقضه، هذا ما أوحى به لفظ الجلالة بما فيه من معاني الجلالة والعزة، لأنه اسم الله الأعظم. والإتيان بـ (إذا) الظرفية لتأكيد الوفاء بالعهد 23.

وبين القرآن أن الإنسان سيسأل عن عهده الذي أعطاه لغيره وذلك في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) } [الإسراء: 34] .

قال ابن كثير: «أي: الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه» 24.

وقال الطبري: «يقول: وأوفوا بالعقد الذي تعاقدون الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضًا، والبيوع والأشربة والإجارات، وغير ذلك من العقود؛ لأن الله جل ثناؤه سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، يقول: فلا تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموه أيها الناس فتخفروه، وتغدروا بمن أعطيتموه ذلك. وإنما عنى بذلك أن العهد كان مطلوبًا، يقال في الكلام: ليسئلن فلان عهد فلان» 25.

وقد مدح الله الذين يفون بعهودهم ومواثيقهم، وأنهم من الذين صدقوا، وذلك في قوله تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .

وأنهم من المتقين قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) } [آل عمران: 76] .

وانهم من أولي الألباب قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) } [الرعد: 19 - 20] .

وأن له الأجر العظيم من الله سبحانه: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) } [الفتح: 10] .

وقد ورد في السنة النبوية أيضًا ما يأمر بالوفاء بالعهود والمواثيق والإنكار على من خالف ذلك، وأنه مما أمر به الإسلام، فعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: (أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبيٍ) 26.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفي بالعهود حتى في أشد الظروف، فعن الحسن بن على بن أبى رافعٍ رضي الله عنه أن أبا رافعٍ أخبره قال: (بعثتنى قريشٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألقي في قلبى الإسلام، فقلت: يا رسول الله إنى والله لا أرجع إليهم أبدًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد، ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذى في نفسك الآن فارجع) . قال: فذهبت ثم أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأسلمت) 27.

قال ابن الأثير: « (إني لا أخيس بالعهد) أي: لا أنقضه. يقال: خاس بعهده يخيس، وخاس بوعده إذا أخلفه» 28.

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم أن من لا يوفون بعهودهم إنما يفضحون يوم القيامة ويكون لهم علامة جزاء على غدرهم، وهذا وإنْ دلَّ فإنما يدلُّ على عظم هذا الأمر في الإسلام، فعن عبد الله رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يقال هذه غدرة فلانٍ) 29.

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء) 30.

بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه رضي الله عنهم إلى الوفاء بعهودهم، ولا يطلب منهم نقضها مهما كان الأمر، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيلٌ قال فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) 31.

ولقد استنبط أهل العلم من هذه النصوص وغيرها أن الوفاء بالعهود والمواثيق من الأمور اللازمة والمهمة، كما قال ابن تيمية: «جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة، ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة، والتشديد على من يفعل ذلك» 32.

وقال الشيخ صالح الفوزان: «من الوصايا العظمية: الوفاء بعهد الله عز وجل بأن تعبده ولا تشرك به شيئًا؛ والوفاء بالمواثيق التي تكون بين الناس بعضهم مع بعض، فإذا عاهدت سلطانًا، أو أميرًا، أو عاهدت أحدًا من الناس فلا تغدر العهد» 33.

وبعض العلماء قد عد النقض للعهود والمواثيق من الكبائر والموبقات، كما ذكر الذهبي فقال: «الكبيرة الخامسة و الأربعون: الغدر و عدم الوفاء بالعهد» 34.

ومن خلال ما سبق يتضح لنا أهمية ووجوب الوفاء بالعهود والمواثيق وإتمامها والقيام بها على وجه الكمال، ويشمل ذلك كل العهود والمواثيق سواء مع الله سبحانه أم مع الناس على اختلاف أنواعهم، مسلمين أم غير مسلمين، طالما أعطيناهم عهودًا ومواثيق.

ثانيًا: الوفاء بالوعود:

ومن المجالات المهمة من مجالات الوفاء، الوفاء بالوعود، لأنه دليل على صدق المسلم، وتمام إيمانه، وكمال إسلامه.

والوفاء بالوعد: هو الصبر على ما يبذله الإنسان من نفسه ويرهنه به لسانه. والخروج مما يضمنه (بمقتضى العهد الذي قطعه على نفسه) وإن كان مجحفا به، فليس يعد وفيا من لم تلحقه بوفائه أذية وإن قلت، وكلما أضر به الدخول تحت ما حكم به على نفسه كان ذلك أبلغ في الوفاء 35.

والوعد: «هو الإخبار بإيصال الخير في المستقبل، والإخلاف: جعل الوعد خلافا، وقيل: هو عدم الوفاء به» 36.

قال ابن حجر العسقلاني: «المراد بالوعد، الوعد بالخير، أما الوعد بالشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة،» 37.

فالوعد لا بد أن يكون بمعروف، فحين يكون الوعد بشر، لا يجب الوفاء به. وإن زمن الوفاء بالوعد هو المستقبل، وليس الآن (حين الوعد) . «وينبغي أن يفرق بين الوعد والنذر؛ لكون الوفاء بهما في المستقبل فيتشابهان من هذا الوجه، لكن هذا التشابه لا يمنع وجود الفرق بينهما، فالنذر وإن كان فيه معنى الوعد، إلا أن فيه معنى القربة إلى الله تعالى، وأن في عدم الوفاء به الكفارة، وليس كذلك الوعد» 38.

وهناك فرق بين الوعد والعهد، إذ العهد، يراد به الأمان واليمين والموثق والذمة والحفاظ والوصية، فتقول: عهد الله علي لأفعلن كذا 39 والعهد يراد به ما تعبد الله به من أمور الدين، أو ما يكون بين العباد مما يكون بخلفه إتلاف مال أو نفس، أو إدخال ضرر كثير.

أما الوعد ففيما لا يتعلق ذلك به حق لمخلوق. أو ما لا يؤدي إلى إخلافه كثير ضرر، فمن نقض عهده فذلك من كبائر الذنوب ويبلغ به الهلاك، ومن أخلف وعده كان إثما ولا يبلغ فاعلوه إلى الكفر والهلاك 40.

وقيل: العهد ما يكون من الجانبين، وأما ما يكون من جانب فوعد، ونقضه خلف وعد 41.

وقيل: العهد ما كان من الوعد مقرونا بشرط، نحو قولك: إن فعلت كذا فعلت كذا وما دمت على ذلك فأنا عليه، والعهد يقتضي الوفاء والوعد يقتضي الإيجاز، ويقال: نقض العهد وأخلف الوعد 42.

ومع ما نقلناه من خلاف بين العهد والوعد، فإن العسقلاني ذكر أنه قد يتحد معناهما 43.

ولعل ما يؤيد هذا الرأي قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) } [التوبة: 75 - 77] .

إذ بدأ الذكر الحكيم بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} فلما أخلفوا رتب عليهم ما رتب، ثم علله بقوله: {بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} 44.

والوعد مباح 45. فلكل شخص أن يعد بالمعروف والخير من يشاء من الناس، لكن الذي ينبغي الإشارة إليه هو أن يتحفظ الشخص في إطلاق الوعود للناس؛ لأن الوفاء بالوعد أمر مستقبل، والشخص لا يملك معرفة أحواله المستقبلية؛ إذ قد يكون الواعد عاجزًا عن الوفاء فيكون مخلفًا للوعد، فيوصم بخصلة من خصال النفاق؛ لذلك فإن الإمام الغزالي رحمه الله قد اعتبر وعد الكاذب آفة، إذ يقول: «إن اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفًا، وذلك من أمارات النفاق» 46.

وقد جعل الله تعالى الوفاء بالوعود من صفات الأنبياء، فقال سبحانه عن نبي الله إسماعيل عليه السلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) } [مريم: 54] .

قال القرطبي: «وخصه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفًا له وإكرامًا، كالتلقيب بنحو الحليم والأواه والصديق، ولأنه المشهور المتواصف من خصاله. وصدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخلف مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدم بيانه في براءة. وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد» 47.

وقال القاسمي: «وفيه تنبيه بعظم هذه الخلة. ولذا كان ضدها نفاقًا، كما صرحت به الأخبار» 48.

وبين الرازي أنواع الوعد التي صدق فيها إسماعيل عليه السلام فقال: «وهذا الوعد يمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الله تعالى ويمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الناس.

أما الأول: فهو أن يكون المراد أنه كان لا يخالف شيئًا مما يؤمر به من طاعة ربه، وذلك لأن الله تعالى إذا أرسل الملك إلى الأنبياء وأمرهم بتأدية الشرع فلا بد من ظهور وعد منهم يقتضي القيام بذلك ويدل على القيام بسائر ما يخصه من العبادة. وأما الثاني: فهو أنه عليه السلام كان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده، فالله تعالى وصفه بهذا الخلق الشريف 49.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم عدم الوفاء بالوعود من صفات المنافق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف) 50.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا أو كانت فيه خصلة من أربعة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) 51.

ومخلف الوعد يكون فاسد النية عديم الوفاء، قال العيني: «ونبه بقوله: (إذا وعد أخلف) على فساد النية؛ لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا عزم عليه مقارنًا بوعده، أما إذا كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له رأي، فهذا لم توجد فيه صفة النفاق» 52.

قال النووي: «أجمعوا على أنَّ من وعد إنسانًا شيئًا ليس بمنهيٍّ عنه فينبغي أن يفي بوعده، وهل ذلك واجب أو مستحب فيه خلاف، ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحبٌّ، فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا يأثم يعني: من حيث هو خلف. وإن كان يأثم، إن قصد به الأذى. قال: وذهب جماعة إلى أنه واجب، منهم عمر بن عبد العزيز وبعضهم إلى التفصيل، ويؤيد الوجه الأول ما أورده في الإحياء حيث قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وعد وعدًا قال: «عسى» ، وكان ابن مسعود لا يعد وعدًا إلا ويقول: إن شاء الله تعالى، وهو الأولى، ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد عازمًا على أن لا يفي به فهذا هو النفاق انتهى» 53.

ويظهر بذلك أهمية الوفاء بالوعود وعدم إخلافها لما فيه من التشبه بصفات المنافقين.

ثالثًا: الوفاء بالعقود:

ومن الأمور المهمة في حياة المسلم الحرص على الوفاء بالعقود، وقد جاء النصُّ على ذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]

قال ابن عاشور: «فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها ربهم، وهو الامتثال لشريعته، وشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين، ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم» 54.

وما ذكره ابن عاشور هو الراجح في نظري؛ لدلالة العقود عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت