فهرس الكتاب

الصفحة 2001 من 2431

قال ابن جرير: «ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وعما ينجيكم من سخطه عليكم، حتى متم ودفنتم في المقابر» 77.

والعموم والإطلاق أبلغ في الذم؛ لأنه يشمل كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويتفاخر به المتفاخرون سوى طاعة الله تعالى، ومن جملة ذلك بل وفي مقدمتها الأموال.

قال ابن القيم رحمه الله: «التكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمرٍ من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا، وهذا أسوء حالًا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها» 78.

وعلى ذلك فالتكاثر في المال مذموم، لا سيما إن قصد به المفاخرة والمباهاة وهو دليلٌ على حب الدنيا والتعلق بها والغفلة من الآخرة والعمل لها.

قال ابن الجوزي: «وأما من قصد جمعه -أي: المال- والاستكثار منه من الحلال، نظرنا في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته وادخر لحوادث زمانه وزمانهم، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده» 79.

وقال النووي رحمه الله في شرح حديث: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا) قال: «فيه ذم الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها والرغبة فيها» 80.

لكن قد تحصل الكثرة من غير تكاثر فهذا لا يضر، وقد كان بعض الصحابة أهل كثرة في المال ولم تضرهم، لكونها حاصلة من غير تكاثر 81.

فالمذموم هو التكاثر الملهي عن الآخرة، والتكاثر الواقع في متاع الدنيا الزائل، أما التكاثر في أسباب السعادة الأخروية فهو أمرٌ مطلوب شرعًا 82.

قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] .

والمتأمل اليوم في حال الناس يرى التسابق المحموم، والتنافس المسموم، والتكاثر المذموم، في كل غرضٍ من أغراض الحياة، لا سيما مع الانفتاح اللا محدود، والدور الكبير الذي تقوم به وسائل الاتصال والإعلام، ووسائل التواصل المختلفة في نشر مبدأ التكاثر والتنافس في متع الدنيا.

فقد يحصل الإنسان على كفايته ومطلوبه في الدنيا، فيجد رزقه ويتيسر له قوته وقوت ولده وأهله، ويملك مسكنه، لكنه ينزلق إلى الجمع والتكاثر؛ حبًا في التملك والاستئثار وطمعًا في الدنيا وحرصًا على متعها.

ومن التكاثر بالمال: التكاثر والتفاخر بالدور وأثاثها وزينتها، والمزارع والضياع، والسيارات، والهواتف المحمولة وأنواع الكماليات التي أصبحت من سمات هذا العصر، وأضحت المفاخرة بها واضحة للعيان، وتعدت الضرورة والحاجة إلى الكماليات بل إلى السرف المذموم، ويخشى أن يدخل ذلك في الأشر والبطر والظلم والكبر، ويخشى على الناس أن يسلبوا ما أنعم الله به عليهم بسبب سوء استخدام هذه النعم.

ولعل من أسباب التكاثر في المال والتنافس في جمعه والسعي في تكثيره، كونه من أسباب السعادة الدنيوية العاجلة؛ إذ به يتحصل الإنسان على ما يريده فيها. ومن الأسباب كذلك اعتبار كثرة المال معيارًا للأفضلية ودليلًا على الخيرية في مقاييس البشر المغلوطة.

وقد ضرب الله تعالى في كتابه الكريم أمثالًا، وقص قصصًا، وحكى أخبارًا عمن اغتر بماله وكثرته، وظن أنه دليل على الخير، وحب الله تعالى له، ووافر حظه في الدنيا والآخرة، وكيف كانت عاقبة أمره في الدنيا مع ما له في الآخرة من جزاء؟!

فحكى سبحانه عن بني إسرائيل اعتراضهم أن يكون طالوت ملكًا وقائدًا حربيًا فقال: {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة:247] .

فتوهموا أن الغنى والمال شرطٌ أساسي في الملك؛ ولأنه كان فقيرًا لا مال له فإنه حسب زعمهم لا يستطيع الحكم 83.

وفي سورة الكهف قص الله تعالى خبر صاحب الجنتين ومحاورته لصاحبه المؤمن حيث قال: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) } [الكهف:34] .

وهذا غاية الجهل؛ لأنه افتخر بأمرٍ ليس فيه فضيلة ولا صفة تميزه عن صاحبه، فإن النعمة الحقيقية هي نعمة الإيمان والإسلام ولو مع قلة المال، أما ما عداها فهو معرض للزوال والبوار 84؛ لذلك قال له صاحبه المؤمن: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) } [الكهف:37 - 39] .

وفي سورة مريم أخبر الله تعالى عن المكذبين بالبعث المنكرين للحياة بعد الموت فقال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) } [مريم:77] .

فهذا الكافر جمع بين كفره بآيات الله تعالى ودعواه الكبيرة أنه سيؤتى في الآخرة مالًا وولدًا، أي يكون من أهل الجنة؛ لأنه كان صاحب مال في الدنيا، وهذا من أعجب الأمور 85.

وفي موضع آخر يذكر الله تعالى اغترار الكفار فيقول عز وجل: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) } [سبأ:35] .

لما كان أولئك الكفار مترفون قد أنعم الله عليهم بفضله في الدنيا، عيروا المؤمنين الفقراء، وظنوا أن ذلك سبب لتميزهم وتفاخرهم، ودليلٌ على محبة الله لهم ورضاه عنهم، وعن ما هم عليه من الكفر، وقالوا: ما كان الله ليعطينا هذا في الدنيا، ثم يعذبنا في الآخرة 86.

فرد الله عليهم وأبان لهم خطأهم بقوله عز وجل: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي: إن الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، لا لمحبة لمن وسع عليه، ولا لبغض لمن ضيق عليه، وإنما له في ذلك حكمة تامة بالغة؛ ولأن الدنيا لا تساوي شيئًا في ميزان الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) 87.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي: إن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة سنن الله في الكون، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مسألة الرزق غلطٌ بين، أو مغالطة واضحة، فقد يعطي الله العاصي والكافر استدراجًا وإمهالًا، ويمنع الطائع والمؤمن ابتلاءً واختبارًا؛ ليصبر فتكثر حسناته عند الله.

وبذلك يتبين أن ما يزعمه المترفون من أن مدار التوسعة هو الشرف والكرامة، ومدار التضييق هو الهوان والذل، لا حقيقة له ولا أصل في تقدير الله تعالى 88.

فهذه النظرة خطأ محض وقياس باطل؛ لأن الإمداد بالأموال - كما تقدم - غالبًا ما يكون للاستدراج، كما قال عزوجل: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:55 - 56] .

أي: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد؛ لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا، أو دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟ كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) } [سبأ:35] .

لقد أخطؤوا في ظنهم، وخاب رجاؤهم، بل نفعل ذلك استدراجًا وإملاءً لهم؛ لهذا قال: {بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: لا يحسون أنما نفعل ذلك بهم استدراجًا وأخذًا بأيديهم إلى العذاب إن لم يتوبوا 89، كما قال تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178] .

وقال عز وجل: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم:44 - 45] .

وقال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:55] .

وقال سبحانه: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) } [التوبة:85] .

أي: لا تعجبك أموال الكفار وأهل النفاق، ولا أولادهم، ولا سائر نعم الله التي آتاهم، فإنما هي من أسباب المحن والآفات والعذاب عليهم. فأموالهم في الدنيا سبب لتعذيبهم، والمراد بالعذاب هنا ما ينالهم من المشقة في تحصيلها والسعي الشديد في جمعها، حيث يتعبون في ذلك، ويصحبهم الهم والقلق والخوف الشديد عليها، ثم هي في الآخرة عذابٌ عليهم، حيث يموتون على الكفر والنفاق الموجب لدخول النار 90.

والآيتان في التوبة مع تفاوت في بعض الألفاظ «وفائدة التكرار التأكيد والتحذير من الاشتغال بالأموال والأولاد، مرة بعد أخرى، بسبب شدة تعلق النفوس بها، حتى لا تحجب عن طلب ما هو أولى وهو الاشتغال للآخرة، فهي تحذيرٌ ونهيٌ صريح عن الاغترار بالأموال والأولاد» 91.

وقد أبان سبحانه ميزان القربى عنده، والنجاة والأمن من عذابه وأنها ليست بكثرة المال، وإنما بالإيمان والعمل الصالح فقال سبحانه: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) } [سبأ:37] .

وقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) } [آل عمران:10] .

وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) } [آل عمران:116] .

وقال عز وجل: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) } [الشعراء:88 - 89] .

فدل ذلك على أن المال لا ينفع صاحبه يوم القيامة ولو افتدى نفسه بملء الأرض ذهبًا إلا من آمن بالله وأحسن، واستعمله في طاعة الله تعالى، وأنفقه في سبيله.

وقد حكى سبحانه تحسر ذلك المغتر بماله يوم القيامة فقال: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) } [الحاقة:28] .

وقال سبحانه تنديدًا بالكافر: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل:11] أي: إذا مات وهلك وسقط في جهنم.

وقال عز وجل عن أبي لهب: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) } [المسد:2] .

وخلاصة القول في ذلك: أن الكرامة والمكانة للعبد عند الله ليست بالمال وكثرته، بل بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.

أولًا: كسب المال المشروع:

الإنسان في هذه الحياة لا غنى له عن المال، الذي هو عصب الحياة وقوامها؛ لذلك نجد الإنسان يميل بطبعه وفطرته للكسب وحيازة المال وتحصيله، إذ يرى أن قوام حياته وتلبية حاجاته وتوفير قوته وقوت من يعوله متعلق بذلك، وبه يغني نفسه ويعفها عن السؤال والذل والحاجة.

وهذا الميل الفطري لا يدخل في الافتتان بالمال مادام أن الإنسان التزم العدل والحق في السعي لكسبه، ومادام أن تحصيله وفق ضوابط الشرع من الكسب الطيب الحلال، الذي ليس به اعتداء، ولا ظلم، ولا ضرر على الغير، ومادام أن المال عنده وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية يبذل كل وسيلة في سبيل الحصول عليه.

فالقرآن الكريم كما يحذر من الافتتان بالمال والالتهاء بجمعه وتكثيره وتحصيله، ويبين عاقبة من كانت هذه حاله، فإنه لا يرضى بالرهبنة والإعراض عن الدنيا وزينتها بالكلية ومن جملة ذلك المال.

يقول تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77] .

والآيات التي وصفت المال بأنه (زينة) و (فتنة) وسبب للهو وما فيها من المفاضلة بين الدنيا والآخرة، والتنبيه على أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا وما عند الله (الباقيات الصالحات) خيرٌ وأبقى أجرًا وثوابًا، إنما هي في المفاضلة بين المال الفاني الزائل بزوال الدنيا، وبين الأجر الثابت الباقي الدائم عند الله في الآخرة.

ويخطيء من يظن أن المفاضلة هنا بين كسب المال وترك كسبه وجمعه، فإن ذلك مخالف للفطرة والطبع البشري الإنساني، إنما المفاضلة بين تعظيم المال وتقديسه حتى يصبح عند صاحبه معبودًا، وبين من رعى حق الله تعالى فيه وابتغى رضاه وأنفقه في سبيله، وجعله طريقًا له إلى الجنة.

وليس في الآيات ما يدل على نبذ الدنيا ورفض العمل والكسب نفورًا من المال وإيثارًا لما عند الله، فهذا فهمٌ سقيم خاطئ يتناقض مع روح الإسلام وجمعه بين الدنيا والدين.

بل القرآن يقر جمع المال وتحصيله، ويشرع ويبين السبل الصحيحة في كسبه، ويدعو إلى التماس أبواب الرزق المتنوعة، ويبيح أنواعًا من الاكتساب، ويفتح أصنافًا من وسائل طلب الرزق، ويلفت النظر إلى ما في هذا الكون من منابع الثروات، ومصادر الخيرات، ويحثهم على الاستفادة منها واستغلالها.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} واعلمهم أن الأرض بكل ما عليها خلقت لانتفاع الإنسان بها، وجعلت مجال عمله وكسبه بكل ثرواتها ظاهرًا وباطنًا.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [الملك:15] .

وحثهم سبحانه على ابتغاء فضله والضرب في الأرض طلبًا للرزق والتكسب.

قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198] .

وقال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] .

قال الشوكاني: « {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} للتجارة والتصرف فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} أي: من رزقه الذي يتفضل به على عباده بما يحصل لهم من الأرباح في المعاملات والمكاسب» 92.

وفيه إباحة لطلب الرزق بالتجارة، يعني: اطلبوا الرزق من الله تعالى بالتجارة والكسب.

قال السعدي: « {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} لطلب المكاسب والتجارات» 93.

وقال الزحيلي: «أباح لهم عقب الفراغ من الصلاة الانتشار في الأرض للتجارة والتصرف في الحوائج» 94.

وقال عز وجل: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20] .

قال ابن كثير: «أي: مسافرون يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر» 95.

وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الكسب فقال: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) 96.

وضرب الله تعالى الأمثلة على الكسب والعمل وطلب الرزق بأفضل الخلق وهم الأنبياء والرسل، فآدم كان فلاحًا يحرث الأرض ويزرعها، وإبراهيم الخليل كان بناءً، وقد بنى البيت، وإلياس كان نساجًا، وداود كان حدادًا يصنع الدروع، وموسى كان راعيًا للغنم، وعيسى كان يعمل بالطب، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم عمل في صغره برعي الغنم ثم في شبابه بالتجارة، فكل نبي كانت له حرفة يبتغي من خلالها فضل الله ورزقه؛ لأن من الدين أن يقوم الإنسان بأداء ما تتطلبه هذه الحياة من زراعة وصناعة وتجارة وحرفة ومهنة، بالطريقة التي يرشدنا إليها القرآن؛ لهذا نراه يأمر الناس باستخدام وسائل الإنتاج المتاحة لهم في جميع المجالات على هذه الأرض.

وكسب المال بالأوجه المشروعة والوسائل المباحة إما أن يكون عن طريق العمل والجد والكد كالتكسب بأنواع المهن والحرف من تجارة وزراعة وصناعة وصنوف المعاملات، وإما أن يكون تحصيلًا للمال وكسبًا له من غير عمل أو بذل جهد كالمال الذي يتحصل عليه الإنسان من وصية، أو هبةٍ، أو ميراث.

قال الحافظ ابن حجر في بيان معنى (الكسب الطيب) الوارد في بعض نصوص الحديث: «ومعنى (الكسب) المكسوب، والمراد به ما هو أعم، من تعاطي التكسب أو حصول المكسوب من غير تعاطٍ كالميراث، وكأنه ذكر الكسب؛ لأنه الغالب في تحصيل المال، والمراد بـ (الطيب) الحلال؛ لأنه صفة الكسب» 97.

وقال في شرحه لـ (باب كسب الرجل وعمله بيده) : «عطف العمل باليد على الكسب من عطف الخاص على العام؛ لأن الكسب أعم من أن يكون عملًا باليد أو بغيرها» 98.

ثانيًا: كسب المال الممنوع:

كما فتح الله تعالى لعباده وسائل الكسب الحلال من أصناف المعاملات والحرف والمهن والمزاولات، وكما أمرهم بالسعي في الأرض وابتغاء فضله في شتى المجالات، وفصل لهم ما أحل لهم من الطيبات والتعاملات، فإنه كذلك بين لهم ما حرم عليهم من الكسب، حفاظًا على الأمة ووحدتها، وحمايةً لها من الفساد بأنواعه.

فإنَّ حبَّ الإنسان للمال إذا استشرى في النفس، وجاوز حده الطبيعي، انقلب من كونه غريزة وفطرة في الطبع البشري، ليكون مرضًا عضالًا؛ لأنه يصير المال غاية لا وسيلة، فيسلك كل طريق لتحصيله وجمعه وتكثيره، ويتفنن في وسائل كسبه، دون التفريق بين الحلال والحرام، بل يعتقد أنه متى حل المال بيده صار حلالًا، وقد يخوض في المعاملات المحرمة ووسائل الكسب الممنوعة والمشبوهة، كلُّ ذلك من أجل كسب المال

لذا فقد كشف القرآن العظيم عن المعاملات الممنوعة، وحرمها ونفر منها ورهب من تناولها، ومن الوسائل المحرمة في كسب المال وتحصيله التي جاء التحذير منها في القرآن ما يلي:

ومعنى الربا في اللغة: مأخوذ من الزيادة 99.

وفي الشرع: هو الزيادة في أشياء مخصوصة، والزيادة على الدَّيْنِ مقابل الأجل مطلقًا 100. ويطلق على شيئين: ربا الفضل وربا النسيئة 101.

وقد وردت عدة نصوص في القرآن الكريم تحذر من الربا، وتنهى عنه، بل غلظ الله تعالى في عقوبة هذا الكسب، والذي أفرط فيه كثير من الناس- وبخاصة في هذه العصور-حتى قل أن يسلم أحد من الربا أو غباره.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) } [البقرة:275 - 276] .

ثم قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة:278 - 279] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:130] .

فهذا خبرٌ من الله تعالى عن أَكَلَةِ الربا وسوء حالهم ومآلهم وشدة منقلبهم، حيث إنهم يقومون من قبورهم لنشورهم، كالذي يصرعه الشيطان، فيقومون حيارى مضطرين، أحوالهم أحوال المجانين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت