فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 2431

ففي هذه الآية يخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} : أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز له أن يعرض عنهم عند عجز يعرض، وعند عائق يعرض، وأنت عند ذلك ترجو من الله فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال عن المواساة {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} ، يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة فتقول: الله يرزق، والله يفتح بالخير 30.

وهذا تعليمٌ عظيمٌ من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء؛ لأن الرد الجميل خيرٌ من الإعطاء القبيح 31.

ثانيًا: المؤمنون:

قد ذكر سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن المؤمنين وإعراضهم عن أهل الكفر والنفاق، ففي موضوعين يأتي البيان القرآني لإعراض المؤمنين من باب الإخبار عن حالهم، وأن إعراضهم عما لا يليق هو من دأب أهل الإيمان.

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) } [المؤمنون:3] .

أي: معرضون عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه فهم معرضون عن كل باطل ولهو وما لا يحل من القول والفعل 32. وكذلك قال الله تعالى في الإخبار عنهم: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص:55] .

فأهل الإيمان يعرضون عن اللغو وهو مالا يليق من القول، ويقولون على جهة التبري: «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم» أي: كلٌ سيجازى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء. ولزم من ذلك، أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه.

{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أي: لا تسمعون منا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه.

{لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} من كل وجه 33.

وفي موضع آخر يأتي الأمر من الله تعالى لعباده المؤمنين ب عن المنافقين.

قال الله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) } [التوبة:95] .

ففي هذه الآية أمر من الله تعالى لأهل الإيمان ب عن المنافقين، وبيان حقيقتهم أنهم سيؤكدون لكم اعتذارهم بالأيمان الكاذبة إذا انقلبتم وتحولتم إليهم من سفركم؛ لأجل أن تعرضوا عن عتبهم وتوبيخهم على قعودهم مع الخالفين من النساء والأطفال والعجزة، وبخلهم بالنفقة، فأمر الله ب عنهم فقال تعالى: {فَأَعْرِضُوا لِتَرْضَوْا} أي: إعراض إهانةٍ واحتقارٍ، لا إعراض صفحٍ وإعذارٍ.

وهذا التعبير من الأسلوب الحكيم، وهو قبول ما يبغون من عنهم ولكن على غير الوجه الذي يرجونه منه بل على ضده، وقد علل الأمر بقوله: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} أي: قذرٌ معنويٌ يجب عنه تنزهًا عن القرب منه بأشد مما يتنزه الطاهر الثوب والبدن عن ملابسة الأرجاس والأقذار الحسية 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت