فهرس الكتاب

الصفحة 2272 من 2431

قال سيد قطب رحمه الله: «نعم! (( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) ؟ إن عذابه لجزاء على الجحود والكفران وتهديد لعله يقود إلى الشكر والإيمان، إنها ليست شهوة التعذيب، ولا رغبة التنكيل ولا التذاذ الآلام، ولا إظهار البطش والسلطان، تعالى الله عن ذلك كله علوًّا كبيرًا، فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان فهنالك الغفران والرضوان» 78.

«فالحكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع بعذابٍ ولا بثوابٍ، ولكنها المسببات تجري على الأسباب. وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا على إيمانهم وشكرهم، وتجنبوا موالاة المنافقين والكافرين، فالله لا يعذبهم؛ إذ لا موجب لعذابهم» 79.

••رضا الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] .

قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «يضاعف لكم، وكأنه يريد ثواب الشكر، وقيل: يقبله منكم» 80.

«وإنما رضي لهم سبحانه الشكر؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة» 81.

والمعنى: وإن تشكروا الله على نعمه وتؤمنوا به؛ لأن الشكر يقتضي الإيمان، فإن الله يرضى لكم ذلك السبيل ويثيبكم عليه؛ لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارين، لا لانتفاعه تعالى به، فهو غني عن الشكر.

وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل وتتوارى في هالات ذلك الرضوان الكريم، فما أروع الشكر الذي يوصل إلى رضوان الله. وقد روى مسلم بسنده في باب إحلال الرضوان على أهل الجنة، عن أبي سعيدٍ الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) 82.

لكفران النعم عواقب، نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: المحن والزوال، التعاسة والشقاء:

إذا جحد المرء نعم ربه تبارك وتعالى، فإن الله يسلب منه هذه النعمة، وتحل مكانها النقمة، وليس بالضرورة أن تسلب النعمة، بل قد يزاد له فيها استدراجًا له حتى يزداد إثمًا؛ وذلك لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى.

وقد ذكر تعالى بعض الأمم الذين جحدوا نعمته فسلب منهم تلك النعمة، فقوم سبأ لما أعرضوا عن الشكر وجحدوا النعمة، أبدلهم الله مكانها شرًّا ونقمة.

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 15 - 17] .

وسبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها «مأرب» . والآية هنا تبين: «ما أدَرَّ الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم أن يعبدوا الله ويشكروه، ثم فسر الآية بقوله: {جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} وكان لهم واد عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدًا محكمًا، يكون مجمعًا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله، وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أَدَرَّها عليهم من وجوه كثيرة:

منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.

ومنها: أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة؛ لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.

ومنها: أن الله تعالى وعدهم -إن شكروه- أن يغفر لهم ويرحمهم؛ ولهذا قال: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} .

ومنها: أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، -الظاهر أنها: (قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام) - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد» 83.

فانظر كيف أبدلهم الله بالجنات والثمار ذلك الثمر البشع المر، وذلك النبات الذي لا فائدة منه ولا خير، وغيره من النبات الذي لا ثمر له. فهذا الجزاء من الواضح تمامًا أنه مترتب على كفر النعمة، والإعراض عن المنعم.

وكذلك فلقد ضرب القرآن لنا مثلًا تلك القرية التي كانت نعم الله تغمرها من كل مكان، وتحيط بها من كل اتجاه، ولكنها كفرت بتلك النعمة، وجحدت شكر موليها، فهل تبقى تلك النعم متصلةً بها، وهي على تلك الحال؟! القرآن يجيب عن ذلك.

قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، يعني: مكة 84.

وهذه القرية وإن كان المقصود بها مكة حيث كفر أهلها بنعمة الله، وقد كانوا آمنين مطمئنين يعيشون فكفروا به وجحدوا رسالته، «إلا أن الآية عامة لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا، فبدل الله نعمتهم بالنقمة، وإيثار جمع القلة» أنعم «للإيذان بأن كفران النعم القليلة أوجب العذاب، فكيف بكفران وجحود النعم الكبيرة؟» 85.

«ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسًا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقًا؛ لأن الذوق أعمق أثرًا في الحس من مساس اللباس للجلد. وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس؛ لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون» 86.

ثانيًا: العذاب المهين:

قال تعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل: 11 - 14] .

أي: «اتركني وإياهم، فسأنتقم منهم، وإن أمهلتهم فلا أهملهم، هؤلاء أصحاب النعمة والغنى، الذين طغوا حين وسَّعَ الله عليهم من رزقه، وأمدهم من فضله، ثم توعدهم بما عنده من العقاب، فقال: إن عندنا عذابًا شديدًا، جعلناه تنكيلًا للذي لا يزال مستمرًا على الذنوب، و نارًا حامية {وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ} وذلك لمرارته وبشاعته، وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن، وعذابًا موجعًا مفظعًا، وذلك {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} من الهول العظيم، {وَكَانَتِ الْجِبَالُ} الراسيات الصم الصلاب {كَثِيبًا مَهِيلًا} أي: بمنزلة الرمل المنهال المنتثر، ثم إنها تبس بعد ذلك، فتكون كالهباء المنثور» 87.

موضوعات ذات صلة:

الإنفاق، الشكر، الحمد، العطاء

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 446.

2 انظر: الصحاح، الجوهري 5/ 2041، شمس العلوم، نشوان الحميرى 10/ 6662، لسان العرب، ابن منظور 12/ 580، مختار الصحاح، الرازي ص 314.

3 الكليات، الكفوي ص 912.

4 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 327.

5 التعريفات، الجرجاني ص 242.

6 المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 707 - 708.

7 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، 1/ 597 - 599، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 440.

8 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 204.

وانظر: الصحاح، الجوهري 2/ 569.

9 التعريفات، الجرجاني ص 191.

وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 288، الكليات، الكفوي ص 174.

10 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص 197.

11 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 267.

12 انظر: تاج العروس، الزبيدي 36/ 194.

13 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص 197.

14 انظر: تاج العروس، الزبيدي 11/ 238.

15 روح البيان، اسماعيل الخلواتي 7/ 348.

16 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص 197.

17 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 145.

18 التحرير والتنوير 14/ 219.

19 تيسير الكريم الرحمن ص 444.

20 المصدر السابق ص 445.

21 التحرير والتنوير 14/ 237.

22 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 440.

23 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه، رقم 5458.

24 المختصر في تفسير القرآن، مركز تفسير ص 69.

25 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 72.

26 في ظلال القرآن 2/ 696.

27 التفسير المنير، الزحيلي 2/ 352.

28 جامع البيان، الطبري 2/ 691.

29 التحرير والتنوير 6/ 132.

30 التفسير القيم، ابن القيم ص 234.

31 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 443.

32 تيسير الكريم الرحمن ص 224.

33 أضواء البيان 6/ 234.

34 تيسير الكريم الرحمن ص 156.

35 التحرير والتنوير 1/ 39.

36 التحرير والتنوير 14/ 309.

37 جامع البيان، الطبري 3/ 60.

38 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 183.

39 تيسير الكريم الرحمن ص 602.

40 المصدر السابق ص 781.

41 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/ 194.

42 مفاتيح الغيب، الرازي 20/ 284.

43 جامع البيان، الطبري 17/ 224.

44 تيسير الكريم الرحمن ص 442.

45 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 20/ 102.

46 معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/ 340.

47 انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص 574.

48 التحرير والتنوير 30/ 40.

49 أحكام القرآن، ابن العربي 4/ 411.

50 مفاتيح الغيب، الرازي 31/ 201، بتصرف.

51 المصدر السابق 16/ 79.

52 تفسير القرآن العظيم 6/ 203.

53 التفسير المنير، الزحيلي 20/ 75.

54 التحرير والتنوير 20/ 92.

55 المصدر السابق 1/ 526.

56 التفسير المنير، الزحيلي 22/ 159.

57 أخرجه البخاري في صحيحه، باب (ألم ترى إلى الذي بدلوا نعمة الله كفرًا) ، رقم 4700.

58 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 508.

59 المصدر السابق 4/ 587.

60 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم 2968. عن أبي هريرة رضي الله عنه.

61 التحرير والتنوير 14/ 242.

62 جامع البيان، الطبري 14/ 293.

63 في ظلال القرآن 5/ 3056.

64 مفاتيح الغيب، الرازي 19/ 66.

65 المفردات ص 265.

66 مدارج السالكين، ابن القيم 2/ 238.

67 البحر المحيط 6/ 411.

68 في ظلال القرآن 4/ 2089.

69 تفسير الراغب الأصفهاني 1/ 343.

70 التحرير والتنوير 6/ 107.

71 تيسير الكريم الرحمن ص 73.

72 في ظلال القرآن 2/ 843.

73 تفسير القرآن العظيم 3/ 60.

74 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 6/ 214.

75 انظر: المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري 1/ 376.

76 انظر: الوجيز، الواحدي ص 235.

77 جامع البيان، الطبري 7/ 624.

78 في ظلال القرآن 2/ 786.

79 التحرير والتنوير 5/ 245.

80 البحر المحيط، أبو حيان 9/ 187.

81 فتح القدير، الشوكاني 4/ 518.

82 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدًا، رقم 2829.

83 تيسير الكريم الرحمن ص 677.

84 جامع البيان، الطبري 14/ 383.

85 انظر: المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري 3/ 163.

86 في ظلال القرآن 4/ 2199.

87 تيسير الكريم الرحمن ص 893.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت