فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك) . ففدى نفسه وبني أخويه وحليفه، فأنزل الله عز وجل الآية. قال العباس رضي الله عنه: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل) 113.
وبعد نزول هذه الآيات الكريمة، نزلت في سورة محمد (وهي أيضًا سورة القتال) في إجراءات القتال وتحديد مصير الأسرى بعد انتهاء القتال.
فقال الله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] .
والخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى المسلمين كما هو المتبادر. وقد تضمنت أمرًا لهم بأن عليهم إذا لقوا الكافرين في الحرب أن يصدقوا في قتالهم، حتى إذا أكثروا فيهم القتل وقهروهم وضمنوا لأنفسهم الغلبة عليهم جنحوا إلى أسر ما بقي منهم، ويظل أمرهم معهم على هذا المنوال حتى تنتهي حالة الحرب، ويتخلص الناس من أعبائها. كما تضمنت تشريعا في حق الأسرى، فالمسلمون مخيرون فيهم بعد ذلك: فإما أن يمنوا ويتفضلوا عليهم فيطلقوهم بدون فداء وإما أن يطلقوهم بفداء 114.
قال البغوي رحمه الله: واختلف العلماء في حكم هذه الآية:
فقال قوم: هي منسوخة بقوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال:57] . وبقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] .
وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء.
وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقهم، أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض، أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين، وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن، وعطاء، وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق.
قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل في الأسارى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} 115.
وهذا الذي قاله ابن عباس وأكثر الصحابة والعلماء هو الأصح والاختيار؛ لأنه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده 116.
وبعد هذه الإشارات إلى تقرير مصير الأسرى، تأتي آيات كريمة في الدعوة إلى معاملة الأسير معاملة تشي بالأخلاق الإسلامية العالية والعدالة التي تسع الجميع، وبالإحسان بكل مظاهره، وبخاصة في الأمور المادية والمعيشية، وقرن الله تعالى فيها الإحسان إلى الأسير -ولوكان غير مسلم- بالإحسان إلى المسكين واليتيم، وكلاهما يستحق الرعاية والإحسان بمقتضى العقيدة والإيمان بالله تعالى 117.
وهذا كله في سياق صورة وضيئة شفافة لقلوب مخلصة جادة عازمة على الوفاء لله بتكاليف العقيدة، مع رحمة ندية بعباده الضعاف، وإيثار على النفس، وتحرج وخشية لله، ورغبة في رضاه، وإشفاق من عذابه، تبعثه التقوى والجد في تصور الواجب الثقيل.
يقول الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) } [الإنسان: 8 - 10] .
وهي تصور شعور البر والعطف والخير ممثلًا في إطعام الطعام، مع حبه بسبب الحاجة إليه 118.
فمثل هذه القلوب لا يقال عنها: إنها تحب الطعام الذي تطعمه للضعاف المحتاجين على اختلاف أنواعهم، إلا أن تكون في حاجة هي إلى هذا الطعام، ولكنها تؤثر به المحتاجين بأريحية نفس، ورحمة قلب، وخلوص نية، واتجاه إلى الله بالعمل، يحكيه السياق من حالهم، ومن منطوق قلوبهم فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة، تتجه إلى الله تطلب رضاه، ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكرًا، ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء، كما تتقي بها يومًا عبوسًا شديد العبوس، تتوقعه وتخشاه، وتتقيه بهذا الوقاء 119.
أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال 120: والذي يناسب السياق هو ما قاله ابن عباسٍ، والحسن، وقتادة: إنه الأسير من المشركين، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام بحقهم، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء أو استرقاق، القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر، ولذلك لا يحسن فيمن يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل.
ثم هذا الإطعام على من يجب؟ فنقول: الإمام يطعمه، فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين 121.
قال البقاعي رحمه الله: وقد نقل في غزوة بدر أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز، وكان الخبز إذ ذاك عزيزًا، حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعهم إليهم قال: «استوصوا بهم خيرًا» ومن حكم الأسير الحقيقي كل مضرور، يفعلون ذلك والحال أنهم يقولون بلسان الحال أو القال -إن احتيج إليه- إزاحة لتوهم المن أو توقع المكافأة، مؤكدين إشارة إلى أن الإخلاص أمر عزيز لا يكاد أحد يصدق أنه يتأتى لأحد: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} أيها المحتاجون {لِوَجْهِ اللَّهِ} أي: لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام؛ لكونه أمرنا بذلك 122.
للقتال والجهاد نتائج، ويعقبهما ثمرات في الفرد نفسه وفي الأمة، فهو يربي النفس على البذل والتضحية، ويشعر المسلم بالعزة الحقيقية الكاملة، ويدفع خطر الأعداء ويكسر شوكتهم، كما يدفع الفتنة وينشر الأمن في المجتمع، وفيه شفاء لصدور المؤمنين وإغاظة للكافرين والظالمين المعتدين.
وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: تربية النفس على البذل والتضحية:
في الجهاد والقتال يبذل المسلم المجاهد غاية الجهد والوسع، فهو يبذل نفسه وماله ووقته في سبيل الله تعالى لا يبتغي مكافأة من الناس ولا شكرًا منهم وحمدًا، ولا يريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا، فيرتفع إلى آفاق عالية من البذل والعطاء لخير البشرية وهدايتها وصيانتها من العدوان والظلم، لتشعر بحريتها الحقيقية في عبوديتها لله واستسلامها لشرعه وخضوعها له. وبذلك تتحقق الخيرية التي وصف الله تعالى بها هذه الأمة في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .
قال أبو هريرة رضي الله عنه في تفسيرها: «كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة، يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس، فهم خير الأمم للخلق. والخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» فصارت الأمة بذلك خير أمة أخرجت للناس، وأفلح بذلك المقاتلون. وهذا هو مقصود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهذا من معنى كون محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا رحمة للعالمين، فهو رحمة في حق كل أحدٍ بحسبه، حتى المكذبين له هو في حقهم رحمةٌ أعظم مما كان غيره رحمة للناس 123.
وهذه بعض الآيات الكريمة التي تربي نفس المؤمن على البذل والتضحية و العطاء، قد تذكر نتيجة واحدة أو نوعًا واحدًا من هذه التربية، وقد تجمعها كلها في سياق واحد.
قال الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } [البقرة: 195] .
واختلف المفسرون في تأويل هذه الآية الكريمة:
فقال بعضهم: هذا في البخل وترك الإنفاق. أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك بترك الإنفاق في سبيل الله. وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء. وقال ابن عباس في هذه الآية: أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص 124، ولا يقولن أحدكم: إني لا أجد شيئًا. وقال: السدي: أنفق في سبيل الله ولو عقالًا، ولا تقل: ليس عندي شيء. وقال: سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان: لما أمر الله تعالى بالإنفاق قال رجل: أمرنا بالنفقة في سبيل الله، ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء، فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: لا يمنعنكم من نفقة في حقٍّ خيفة العيلة. قال أبو عبيدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق نفقة على أهله فالحسنة بعشر أمثالها) 125.
وقيل: أنزلت الآية في ترك الجهاد، قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت فينا معشر الأنصار؛ وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه، فلو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فـ «التهلكة» الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية، وهم يستسقون به 126.
وهذان القولان متلازمان وهما غير متناقضين، فإنَّ ترك الجهاد فيه إلقاء بالنفس إلى الهلاك، وترك النفقة هو ترك للجهاد بالمال، وانشغال بالزرع والمادة والمال عن الجهاد. وهذا من اختلاف التنوع في التفسير، وليس من اختلاف التضاد 127.
ثم تأتي آيات أخرى في سورة البقرة توجيهًا للمنفقين في سبيل الله، وهم الذين جادوا بالمال ابتغاء وجه الله، فكأن الجهاد في سبيل الله والقتال لإعلاء كلمة الله يعود المقاتل على البذل والإنفاق، فالنفس والمال شقيقان، ومن يجود بنفسه لن يبخل بماله.
قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) } [البقرة: 262 - 263] .
وهاتان آيتان من سورة البقرة في سياق البناء الاقتصادي والتكافل الاجتماعي، وقد تكررت الدعوة إلى الإنفاق في هذه السورة، والآن يرسم السياق دستور الصدقة في تفصيل وإسهاب، مظللًا بظلال حبيبة أليفة، ويبين آدابها النفسية والاجتماعية؛ الآداب التي تحول الصدقة عملًا تهذيبيًّا لنفس معطيها وعملًا نافعًا مربحًا لآخذيها، وتحول المجتمع عن طريقها إلى أسرة يسودها التعاون والتكافل، والتواد والتراحم، وترفع البشرية إلى مستوى كريم: المعطي فيه والآخذ على السواء.
ومع أن التوجيهات التي وردت في هذا الدرس تعد دستورًا دائمًا غير مقيد بزمن ولا بملابسات معينة، إلا أنه لا يفوتنا أن نلمح من ورائه أنه جاء تلبية لحالات واقعة، كانت النصوص تواجهها في الجماعة المسلمة يومذاك- كما أنها يمكن أن تواجهها في أي مجتمع مسلم فيما بعد- وأنه كانت هناك نفوس شحيحة ضنينة بالمال تحتاج إلى هذه الإيقاعات القوية، والإيحاءات المؤثرة كما تحتاج إلى ضرب الأمثال، وتصوير الحقائق في مشاهد ناطقة كيما تبلغ إلى الأعماق! كان هناك من يضن بالمال. فلا يعطيه إلا بالربا. وكان هناك من ينفقه كارهًا أو مرائيًا. وكان هناك من يتبع النفقة بالمن والأذى. وكان هناك من يقدم الرديء من ماله ويحتجز الجيد، وكل هؤلاء إلى جانب المنفقين في سبيل الله مخلصين له، الذين يجودون بخير أموالهم، وينفقون سرًّا في موضع السر، وعلانية في موضع العلانية في تجرد وإخلاص ونقاء 128.
ونقل الإمام البغوي عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنهما- جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كانت عندي ثمانية آلاف، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله فيما أمسكت لك وفيما أعطيت) ، وأما عثمان فجهز جيش المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها 129، فنزلت فيهما هذه الآية.
وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان رضي الله عنه بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ويقلبها ويقول: (ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم) 130 فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في طاعة الله {ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا} وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول: أعطيتك كذا، ويعد نعمه عليه فيكدرها {وَلَا أَذًى} أن يعيره فيقول: إلى كم تسأل؟ وكم تؤذيني؟ وقيل: من الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه 131.
ولذلك جاء التحذير من البخل بالنفقة في سبيل الله، فإن المؤمن لا يكون بخيلًا بماله وهو يجود بنفسه.
قال الله تعالى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) } [محمد: 38] .
أي: ها أنتم -أيها المؤمنون- تدعون إلى النفقة في جهاد أعداء الله ونصرة دينه، فمنكم من يبخل بالنفقة في سبيل الله، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله تعالى هو الغني عنكم وأنتم الفقراء إليه، وإن تتولوا عن الإيمان بالله وامتثال أمره يهلكم، ويأت بقوم آخرين، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي عن أمر الله، بل يطيعونه ويطيعون رسوله، ويجاهدون في سبيله بأموالهم وأنفسهم 132.
ثم جاءت التوجيهات الربانية في ظل الوقائع والأحداث التاريخية في حياة الأنبياء السابقين-على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم- تتجه إلى الذين آمنوا يحرضهم الله تعالى فيها على القتال، وعلى الإنفاق في سبيل الله، واهب الحياة وواهب المال، والقادر على قبض الحياة وقبض المال، فهي تضحية بالنفس وبالمال.
قال الله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) } [البقرة: 250 - 251] .
فإن القوم لما سألوا الله تعالى الصبر، وأخذوا بأسباب النصر، ثم برزوا لجالوت وجنوده استجاب الله لهم ذلك الدعاء لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم بإذن الله، وقتل داود عليه السلام جالوت، أي: باشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره، عندئذ من الله عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ولهذا قال: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان مَنْ قبله من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك 133.
وفي آيات أخرى، في سور متعددة، تأتي الإشارة إلى أثر القتال في البذل والتضحية معًا، فتجمع بين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال. وهذا أثر من آثار عقيدة الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، كقوله سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) } [التوبة: 20] .
وقوله سبحانه: {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) } [التوبة: 121] .
وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13] .
ثانيًا: العزة والتمكين للمجتمع الاسلامي:
من نتائج القتال وثمراته أن يحافظ المسلمون على عزتهم وكرامتهم التي يستمدونها من عزة الله تعالى القوي العزيز: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] .
وهذه الآية الكريمة جاءت في سياق آيات بين الله تعالى فيها برهان الإيمان ودلائله من مشاهد الحياة النابضة في الموات، ثم انتقلت إلى معنى نفسي ومطلب شعوري، إلى معنى العزة والرفعة والمنعة والاستعلاء. وربطت هذا المعنى بالقول الطيب الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح الذي يرفعه الله، إشارة إلى ما كان يمنع الكفار منه، وهو العزة الظاهرة التي كانوا يتوهمونها من حيث إنهم ما كانوا في طاعة أحد، ولم يكن لهم من يأمرهم وينهاهم، فكانوا ينحتون الأصنام، وكانوا يقولون: إن هذه آلهتنا، ثم إنهم كانوا ينقلونها مع أنفسهم، وأية عزة فوق المعية مع المعبود! فهم كانوا يطلبون العزة -وهي عدم التذلل للرسول وترك الاتباع له- فقال تعالى: إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة، فهي كلها لله، ومن يتذلل له فهو العزيز، ومن يتعزز عليه فهو الذليل. إن العزة كلها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه. فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره. ليطلبها عند الله، فهو واجدها هناك وليس بواجدها عند أحد، ولا في أي كنف، ولا بأي سبب {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} .
وهذه حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية، وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين، وتعديل الحكم والتقدير، وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل والأسباب! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب؛ لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزًا كريمًا ثابتًا في وقفته غير مزعزع، عارفًا طريقه إلى العزة، طريقه الذي ليس هنالك سواه! إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر، ولا لعاصفة طاغية، ولا لحدث جلل، ولا لوضع ولا لحكم، ولا لدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من قوى الأرض جميعًا. وعلام؟ والعزة لله جميعًا، وليس لأحد منها شيء إلا برضاه 134.