فهرس الكتاب

الصفحة 1189 من 2431

القول الأول: ذهب جمهور المفسرين: إن الآية حكت حادثًا يحصل يوم ينفخ في الصور فجعلوا قوله: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} عطفا على {يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل:87] .

أي: ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة إلخ .. وجعلوا الرؤية بصرية، ومر السحاب تشبيهًا لتنقلها بمر السحاب في السرعة 89.

قال ابن كثير: «وقوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب، أي: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) } [الطور:9 - 10] .

وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) } [طه:105 - 107] .

وقال تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} [الكهف:47] .

وقوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي أتقن كل شيء، أي: أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} أي: هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء» 90.

القول الثاني: إن هذه الرؤية في الدنيا.

قال ابن جرير: « {وَتَرَى الْجِبَالَ} يا محمد {تَحْسَبُهَا} قائمة {وَهِيَ تَمُرُّ} قاله ابن عباس، قوله: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} يقول: قائمة، وإنما قيل: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} لأنها تجمع ثم تسير، فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة، وهي تسير سيرًا حثيثًا، قوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أوثق خلقه» 91.

وقال الزمخشري: « {جَامِدَةً} من جمد في مكانه إذا لم يبرح، تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد، وهي تمر مرًا حثيثًا كما يمر السحاب، وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد: إذا تحركت لا تكاد تتبين حركتها» 92.

{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وهذا تمجيد لهذا النظام العجيب إذ تتحرك الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارة ثابتة، وهي تتحرك بهم، ولا يشعرون 93.

لذلك قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] .

فليس غريبًا الآن أن نعرف أن للجبال حركة، وأن كنا لا نراها؛ لأنها ثابتة بالنسبة لموقعك منها؛ لأنك تسير بنفس حركة سيرها، كما لو أنك وصاحبك في مركب، والمركب تسير بكما، فأنت لا تدرك حركة صاحبك لأنك تتحرك بنفس حركته.

وقد شبه الله حركة الجبال بمر السحاب، فالسحاب لا يمر بحركة ذاتية فيه، إنما يمر بدفع الرياح، كذلك الجبال لا تمر بحركة ذاتية إنما بحركة الأرض كلها، وهذا دليل واضح على حركة الأرض 94.

فللجبال حركة مرتبطة بحركة الأرض، وهذه الحركة لا ترى؛ لأنه لا يمكن لمن على الأرض أن يشعر بحركتها؛ لأنه يتحرك معها، وما دامت الجبال أوتادًا في الأرض وهي -أي: الجبال- تمر مر السحاب، فلا بد أن الأرض كذلك تمر، وتتحرك بنفس الحركة، وحركة الجبال ليست ذاتية، إنما هي تابعة لحركة الأرض، والحق سبحانه شبه حركة الجبال بحركة السحاب، والسحاب حركته غير ذاتية، إنما هي تابعة لحركة الرياح 95.

ثانيًا: رؤية السراب:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) } [النور:39] .

وقال تعالى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) } [النبأ:20] 96.

السراب: ما يرى في نصف النهار من اشتداد الحر؛ كالماء في المفاوز يلصق بالأرض، وهو غير الآل 97 الذي يرى في طرفي النهار، ويرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء 98.

وهذا مثل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به، فقال: والذين جحدوا توحيد ربهم وكذبوا بهذا القرآن، وبمن جاء به مثل أعمالهم التي عملوها (كسراب) يقول: مثل سراب، والقاع: ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب.

والمعنى: حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسًا ماءً، يستغيث به من عطشه {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} يقول: لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور، يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب، فظنه ماء يرويه من ظمئه، حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله، لم يجده ينفعه شيئًا؛ لأنه كان عمله على كفر بالله، ووجد الله، هذا الكافر عند هلاكه بالمرصاد، فوفاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا، وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه 99.

والسراب: هي ظاهرة ضوئية تلاحظ في ظروف مناخية وجغرافية متعددة، وأكثرها شيوعًا ما يلاحظه المسافر في المناطق الصحراوية خلال فترة الظهيرة، من وجود رقعة مائية أمامه، وكلما تقدم، تقدمت تلك الرقعة المائية أمامه، وما هي في الحقيقة بماء، وهو لن يدركها أبدًا، وقد ضرب الله في قرآنه المحكم مثلًا بهذه الظاهرة الطبيعية التي يراها الناس بأعينهم ويعرفون مدلولها: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور:39] .

فقد شبه الله أعمال الكافرين بالسراب، وما هو بماء حقيقي، ولكنه وهم وخداع نظر، فهي أعمال يحسبها الكافرون تنفعهم بدون إيمان، حتى إذا جاءوا يوم القيامة وجدوا أعمالهم هباءً منثورًا 100.

لقد منَ الله عز وجل على بني آدم بنعم كثيرة، لا تعد ولا تحصى، يرونها في جميع تفاصيل حياتهم، لا يختلف في ذلك غنيهم عن فقيرهم، فالكل منعم عليه.

ولكن نظرة الناس إلى تلك النعم تختلف، وهذا ما سنناقشه في النقاط الآتية:

أولًا: رؤية الشاكر:

إن الشاكر يرى أن النعم من الله تعالى، ولهذا فهو يطلب من الله تعالى أن يلهمه شكر هذه النعم.

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15] .

والمعنى: أغرني بشكر نعمتك التي أنعمت علي 101، يعني: ألهمني ما أؤدي به شكر نعمتك، وما أوزعت به نفسي، أن أكفها عن كفران نعمتك، وأصله من وزعته، أي: دفعته، يعني: ادفعني أن أؤدي شكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي بالإسلام، {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} يعني: تقبله {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} يعني: أكرمهم بالتوحيد 102.

كما أن الشاكر يرى أن الله سخر له ما في السموات والأرض وتم تلك النعم عليه الظاهرة والباطنة.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) } [لقمان:20] .

يقول تعالى منبهًا خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة بأنه سخر لهم ما في السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعله إياها لهم سقفًا محفوظًا، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي: في توحيده وإرساله الرسل ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [لقمان:20] . أي: مبين مضيء 103.

وكذلك يرى الشاكر أن من شكر النعم أن يحدث بها، ويذكرها ويعمل بمقتضاها 104.

قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) } [الضحى:11] .

أي: انشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر 105.

والتحدث بنعمة والإخبار بها، وقول العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا شكر .. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر: (من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله، التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب) 106.

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى جميل، يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده) 107.

يعني: يشكر بما أنعم الله تعالى عليه، ويحدث به، فيظهر على نفسه أثر النعمة 108.

وفي حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعطي عطاء، فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبي زور) : ومعنى قوله: (ومن كتم فقد كفر) يقول: قد كفر تلك النعمة 109.

فذكر أقسام الخلق الثلاثة، شاكر النعمة المثني بها، والجاحد لها، والكاتم لها، والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها، فهو متحل بما لم يفعله 110.

والشكر ثلاثة أشياء:

الأول: معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة، فرب جاهل يحسن إليه وينعم عليه، وهو لا يدري، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر.

والثاني: قبول النعمة بتلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة، فإن ذلك شاهد بقبولها حقيقة.

والثالث: الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى 111.

وشكر الله تعالى مبنى على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، والثناء عليه بها، وألا يستعملها فيما يكره، هذه الخمسة هي أساس الشكر، وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة اختلت قاعدة من قواعد الشكر 112.

والشاكر في الحقيقة: من يرى عجزه عن شكره، ويرى شكره من الله عز وجل، لتحققه أنه هو الذي خلقه، وهو الذي وفقه لشكره، وهو الذي رزقه الشكر، وهو الذي اجتباه حتى كان بالكلية له سبحانه 113.

والخلاصة أن: رؤية الشاكر للنعم هو القيام بالشكر اعتقادًا وقولًا وفعلًا، كما قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13] .

وبهذا يتبين أن رؤية الشاكر للنعم تتمثل في الاعتراف بها والإقرار بوجوب الشكر، اعتقادًا بأن النعم من الله وحده لا شريك له، وقولًا بالتحدث بالنعم وإظهارها، وعملًا ببذلها لمن يحتاجها؛ لما رواه ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عبادًا اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم) 114.

ثانيًا: رؤية الجاحد:

إن الله تعالى إذا أنعم على الجاحد فإنه يرى أن هذه النعم هي بسسب فضله وعلمه ومكانته بين الناس، كما قال تعالى عن قارون: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) } [القصص:76 - 78] .

قال عطاء: فكفر قارون لما رأى أن المال حصل له بعلمه، ولم يعتبره من عطاء الله، فكأنه أراد بعلمه في التصرف وأنواع المكاسب، وقال آخرون: معناه: إنما أوتيته على خير علمه الله عندي، فكنت أهلًا لما أعطيته لفضل علمي، وقال الكلبي: على علم عندي بصنعة الذهب 115.

وقال ابن زيد: أي: إنما أوتيته لعلمه بفضلي ورضاه عني، أي: أن الله تعالى آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل في، وقيل: أوتيته على علم من عندي بوجوه التجارة والمكاسب 116.

ومثل هذه الآية قوله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) } [الفجر:15 - 16] .

«يقول تعالى ذكره: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والغنى فأكرمه بالمال، وأفضل عليه، ونعمه بما أوسع عليه من فضله فيقول: ربي أكرمن، فيفرح بذلك ويسر به ويقول: ربي أكرمني بهذه الكرامة.

وأما إذا ما امتحنه ربه بالفقر فقدر عليه رزقه يقول: فضيق عليه رزقه وقتره، فلم يكثر ماله، ولم يوسع عليه فيقول: ربي أهانن، يقول: فيقول ذلك الإنسان: ربي أهانني، يقول: أذلني بالفقر، ولم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه، ورزقه من العافية في جسمه» 117.

والمعنى: إذا ما اختبره ربه وأوسع عليه فيقول: ربي أكرمن، وإذا جعل رزقه مقدرًا، فيقول: ربي أهانن، أي: ليس الأمر كما يظن الإنسان، وهذا يعنى به الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا، وصفة المؤمن أن الإكرام عنده توفيق الله إياه، أي: ما يؤديه إلى حظ الآخرة 118.

وبهذا يتبين أن الجاحد لا يرى أن النعمة من الله تعالى، بل وينسبها لغير الله تعالى، وهو بهذا يقع في الشرك وكفران النعم، ويدل على ذلك ما رواه زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:(هل تدرون ماذا قال ربكم؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) 119.

قال النووي: «اختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا، على قولين: أحدهما هو: كفر بالله سبحانه وتعالى، سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا، فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء والشافعي منهم، وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا لو قال: مطرنا بنوء كذا، معتقدًا أنه من الله تعالى وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة اعتبارًا بالعادة، فكأنه قال: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر، واختلفوا في كراهته، والأظهر كراهته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره، فيساء الظن بصاحبها؛ ولأنها شعار الجاهلية، ومن سلك مسلكهم، والقول الثاني: في أصل تأويل الحديث أن المراد: كفر نعمة الله تعالى؛ لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب» 120.

والجاحد هو الذي لا يعرف نعمة الله تعالى ولا يقوم بشكرها، وهذا بفعل الشيطان به، قال تعالى: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) } [الأعراف:17] .

والمعنى: ولا تجد أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتك التي أنعمت عليهم، وشكرهم إياه، طاعتهم له بالإقرار بتوحيده، واتباع أمره ونهيه 121.

سيكون هذا المبحث في بيان رؤية الأدلة العلمية، والجنائية في القرآن الكريم، وذلك في النقاط الآتية:

أولًا: رؤية الأدلة العلمية:

تتمثل رؤية الأدلة العلمية في المعجزات التي أقامها الأنبياء عليهم السلام على صدق نبوتهم، وكذلك في الأدلة العلمية للمعجزة الخالدة (القرآن الكريم) في العصر الحاضر، وسيتم بيان ذلك في الفقرات الآتية:

1.رؤية معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

لقد رأى الصحابة الكرام رضي الله عنه المعجزات التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته، وهي كثيرة، ومنها: رؤية انشقاق القمر المذكورة في القرآن.

قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) } [القمر:1 - 2] .

«قال مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار فرقتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: (اشهد يا أبا بكر) ، فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق» 122.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشهدوا) 123.

وقوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً} أي: دليلًا وحجة وبرهانًا {يُعْرِضُوا} أي: لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} أي: ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر، ومعنى مستمر: ذاهب، أي: باطل مضمحل لا دوام له، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم 124.

2.رؤية معجزات موسى عليه السلام.

لقد ذكر القرآن الكريم رؤية فرعون وقومه لمعجزات سيدنا موسى عليه السلام في كثير من الآيات.

منها قوله تعالى: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) } [الأعراف:105 - 108] .

وقوله تعالى: {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) } [الشعراء:31 - 33] .

والمعنى: أنه أخرج يده من جيبه أو من تحت جناحه {فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره: أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، وقيل: إن موسى عليه عليه السلام أدخل يده تحت جيبه ثم نزعها منه، وقيل: أخرج يده من تحت إبطه، فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس، وكان موسى عليه السلام آدم اللون، ثم ردها إلى جيبه فأخرجها، فإذا هي كما كانت، ولما كان البياض المفرط عيبًا في الجسد، وهو البرص قال الله تعالى في آية أخرى: {بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه:22] .

يعني: من غير برص، والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضًا عجيبًا خارجًا عن العادة يتعجب منه 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت