يقول المنافقون والذين في قلوبهم شك ومرض: ما وعدنا الله ورسوله من النصر والتمكين إلا باطلًا من القول والغرور، فلا تصدّقوا، واذكر يا محمد قول طائفة من المنافقين الذين ينادون المؤمنين من أهل المدينة: لا إقامة لكم في معركة خاسرة، فارجعوا إلى منازلكم؛ لأنها غير محصنة، فالحق أنهم قصدوا بذلك الفرار من القتال، فهؤلاء المنافقون عاهدوا الله سبحانه وتعالى ألا يفروا من الحرب، وألا يتأخروا إذا دعوا إلى الجهاد؛ لكنهم خانوا عهدهم وسيحاسبهم الله سبحانه وتعالى على تلك الخيانة وعدم وفائهم بالعهد، وقل يا محمد لهؤلاء المنافقين: {لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ} من المعركة خوفًا من الموت أو القتل، فإن ذلك لا يؤخّر آجالكم، وإن فررتم فلن تتمتعوا إلا بقدر أعمالكم المحدودة، وهو زمن يسير جدًّا بالنسبة للآخرة، ومن الذي يمنع المنافقين من عذاب الله وسخطه، فالمنافقون ليس لهم من دون الله ناصر ينصرهم، وإن الله سبحانه وتعالى يعلم المثبطين من المنافقين عن الجهاد في سبيل الله، فكان ديدن هؤلاء المنافقين العمل على تهوين المؤمنين وتثبيطهم وتخذلهم 62.
8.التحاكم إلى الطاغوت.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60، 61] .
هكذا حال المنافقين: إنهم يتركون التحاكم إلى الله ورسوله، فهم حين لا يقبلون حكم الله ورسوله، ويفتضح نفاقهم، يأتون بأعذار كاذبة ملفقة، ويحلفون الأيمان لتبرئة أنفسهم، إننا لم نرد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحكامه، إنما أردنا التوفيق والمصالحة، وأردنا الإحسان لكل من الفريقين المتخاصمين، ومن عجيب أمرهم في ذّلك، أنهم إذا وجدوا الحكم لصالحهم قبلوه 63، وإن يكن عليهم يعرضوا عنه.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى بذلك {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: 47 - 49] .
9.طعنهم في المؤمنين وتشكيكهم في نوايا الطائعين.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] .
إن الله سبحانه وتعالى توعد بالعذاب الأليم للمنافقين الذين يسخرون من المؤمنين المتصدقين، فإذا تصدق الأغنياء بالمال الكثير عابوهم واتهموهم بالرياء، وإذا تصدق الفقراء بما في طاقتهم استهزءوا بهم، وقالوا: إن الله غني عن هذه الصدقة، وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزل قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] ) 64.
والنفاق انحراف خطير يطرأ على سلوك الإنسان، وقد رهّب منه القرآن الكريم؛ حيث توعد الله سبحانه وتعالى المنافقين بالعذاب الشديد في نار جهنم.
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68] .
وقد حذّر الله سبحانه وتعالى من النفاق؛ لما له من آثار جسيمة على الفرد والمجتمع، فلما يعلم الإنسان خطر النفاق وآثاره المدمرة وصفات المنافقين، وما أعد لهم من الوعيد الشديد، حيث قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] .
فإن الإنسان يحرص كل الحرص، ويحذر كل الحذر من الوقوع في النفاق بأنواعه، فيبدأ بتصحيح نواياه ومعتقداته، ويجعلها خالصة لله عز وجل، مما يدفعه ذلك إلى الاستقامة على طاعة ربه، فيترفع عن أخلاق المنافقين وصفاتهم الذميمة التي أشار إليها القرآن والسنة، وبذلك تتحقق الاستقامة للفرد والمجتمع.
رهّب الله سبحانه وتعالى من الأعمال السيئة، وبيّن أن الإنسان مسئول عن أعماله سواء كانت صالحة أو سيئة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] .
وسوف نتحدث هنا عن بعض الأعمال السيئة في القرآن، كالقتل، والزنا، والقذف، والسرقة.
إن القتل جريمة خطيرة، لها أضرارها على الفرد والمجتمع، وقد ذكر الله تحريمها في مواطن كثيرة من القرآن الكريم.
فقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 92، 93] .
جاءت الآية الأولى تبين حكم من قتل مؤمنًا خطأً، والقتل الخطأ هو القتل الحادث بغير قصد الاعتداء لا للفعل، ولا للشخص، كأن وقع شخص على آخر فمات، أو رمى شجرة أو دابة، فأصابت الرمية إنسانًا فمات، أو رمى آدميًّا فأصاب غيره فمات، فإذا حصل ووقع القتل بطريق الخطأ؛ فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهل القتيل، إلا إذا عفوا عنه وأسقطوا الدية باختيارهم فلا تجب حين إذن، وإذا كان المقتول مؤمنًا وأهله من الكفار، فالواجب على قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولا تجب الدية لأهله؛ لأنهم أعداء محاربون فلا يعطوا من أموال المسلمين ما يستعينون به على قتالهم، وأما إذا كان المقتول معاهدًا أو ذميًّا فالواجب في قتله كالواجب في قتل المؤمن، وهي دية مسلمة إلى أهله تكون عوضًا عن حقهم، وعتق رقبة مؤمنة كفّارة عن حق الله، فمن لم يجد الرقبة التي يحررها فعليه صوم شهرين متتابعين، توبة من الله على عباده المؤمنين؛ لأن الله عليم بما يصلح الناس، وحكيم في تشريعه 65.
وجاءت الآية الثانية تبيّن حكم وجزاء من يقتل مؤمنًا متعمدًا، حيث غلّظ الشارع في العقوبة على هذه الجريمة؛ لعظمها عند الله تعالى، فعن البراء بن عازبٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدّنيا أهون على اللّه من قتل مؤمنٍ بغير حقٍّ) 66.
ولم يذكر القرآن الكريم له كفارة، بل جعل عقابه أشد عقاب توعّد به القاتل، فهو سبب في هلاك صاحبه في الدنيا والآخرة، حيث قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .
فقد حكمت الآية على القاتل المتعمد بعقوبات ثلاثة، وذلك كما يأتي:
الأولى: الخلود في جهنم.
الثانية: استحقاق الغضب واللعنة.
الثالثة: العذاب العظيم في الآخرة.
وثبت في السنة تشريع عقوبة أخرى للقتل العمد، وهي الحرمان من الإرث، والوصية، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس لقاتل ميراث) 67.
فإذا قتل الوارث مورثه، أو الموصى له الموصي، حرم من الميراث والوصية، عملًا بمبدأ سد الذرائع؛ حتى لا يطمع أحد بمال مورثه، فيتعجل موته بالقتل، فمن تعجّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه 68.
ومن أضرار جريمة القتل ما يأتي:
1.خسران القاتل الآخرة باستحقاقه العذاب والغضب واللعنة.
2.إنها من الكبائر المنصوص عليها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات ... ) 69 وعدّ منها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
3.إنّ قتل نفسٍ واحدةٍ كقتل الناس جميعًا، قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ? وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَ?لِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة: 32] . قال ابن كثير: «أي: من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس» 70.
4.إنّ القتل أول ما يقضى فيه بين العباد يوم القيامة، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول ما يقضى بين الناس في الدماء) 71.
فمن خلال ما سبق ظهرت لنا بعض أضرار جريمة القتل على مرتكبها، فلابد للإنسان أن يضع مخافة الله سبحانه و تعالى نصب عينيه قبل أن يقدم على هذه الجريمة؛ حتى لا يقع في الهلاك والخسران.
قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] .
وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .
يقول الإمام السعدي رحمه الله: «والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه» 72، وقد كانت عقوبة الزانية في صدر الإسلام الحبس في البيت، وعدم الإذن لها بالخروج، وكانت عقوبة الرجل التأنيب والتوبيخ قولًا، قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] .
ثم نسخ ذلك بجلد الزاني أو الزانية البكر، ورجم المحصن منهم 73.
قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2، 3] .
ذكر الله سبحانه و تعالى عقاب من انتهك حرمات الله تعالى بالزنا، وبيّن عقوبة كلًّا من الزانيين، وهي مائة جلدة، تستوفونها منهما كاملة دون رحمة أو شفقة، ودون تخفيف من العقاب، أو انتقاص من الحد، وقدّم الزانية لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر، فإنه كان منهنّ إماء وبغايا يجاهرن بتلك الجريمة، فإن جريمة الزنا أخطر وأعظم من أن تستدر العطف، أو تدفع إلى العفو عن مرتكب هذه الجريمة النكراء، فإن من عرف آثار جريمة الزنا وأضرارها من تدنيس للعرض والشرف وضياع للأنساب، واعتداء على كرامة الإنسان، وتلطيخ لهم بالعار، وتعريض الأولاد للتشرد والضياع؛ حيث يولد اللقيط وهو لا يدري أباه، ولا يعرف حسبه ولا نسبه، فمن عرف ذلك أدرك حكمة الله تعالى في تشريع هذا العقاب الزاجر الصارم، وليس هذا فحسب بل لابد أن تشهدوا على هذه العقوبة؛ لتكون زاجرًا له ولأفراد المجتمع من اقتراف مثل هذا المنكر الشنيع، فتحصل العبرة والعظة 74.
وعبّر القرآن بقوله « {فَاجْلِدُوا} ولم يقل: (فاضربوا) للتنبيه على أن الغرض من هذا العقاب هو الإيلام، حيث يصل ألمه إلى الجلد؛ وذلك لعظم هذا الجرم» 75.
وفرّقت الشريعة الإسلامية بين حد البكر (غير المتزوج) وحد المحصن (المتزوج) فخففت العقوبة في الأول فجعلتها مائة جلدة، وغلّظت العقوبة في الثاني فجعلتها الرجم بالحجارة حتى الموت؛ وذلك لأن جريمة الزنا بعد الإحصان (التّزوج) أشد وأغلظ من الزنا قبل الإحصان في نظر الإسلام، فالجريمة التي يرتكبها رجل محصن مع (امرأة محصنة) عن طريق الفاحشة أشنع وأقبح من الجريمة التي يرتكبها مع البكر؛ لأنه قد أفسد نسب غيره، ودنّس فراشه، وسلك لقضاء شهوته طريقًا غير مشروع، مع أنه كان متمكنًا من قضائها بطريق مشروع، فكانت العقوبة أشد وأغلظ 76.
وبيّن الله تعالى أن الزاني لا يليق به أن ينكح المؤمنة العفيفة الشريفة، إنما ينكح من هي مثله أو أخس منه، ينكح الزاني الفاجرة، أو المشركة الوثنية، ولا عجب في أنّ الفاسق الخبيث لا يرغب غالبًا إلا في فاسقة مثله أو مشركة، والزانية الخبيثة، كذلك لا ترغب إلا في خبيث مثلها أو مشرك 77.
وقد صدق الله تعالى حيث يقول: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26] .
هكذا نجد أنّ الله تعالى حرّم جريمة الزنا لما فيها من أضرار عظيمة ومخاطر جسيمة تودي بحياة الأفراد والجماعات، حيث جعل الله تعالى عقوبة الزاني المحصن الرجم حتى الموت، والبكر الجلد مائة جلدة، وفي ذلك ردع له عن الإقدام على مثل هذه الفعلة ولا حتى قربانها، وقد بيّن الله سبحانه أنه لابد من حضور طائفة من المؤمنين ليشهدوا عذاب الزاني، قال تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} يفيد حضور جمع من المؤمنين عند إقامة الحد؛ وذلك تنكيلًا وعبرةً وعظةً لغيره من التفكير في الإقدام عليها، حيث قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .
نهى عن مقاربته بالمقدمات، كالعزم والنظر وشبهه، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} أي: فعلة ظاهر فحشها وقبحها، {وَسَاءَ سَبِيلًا} ؛ قبح طريقًا طريقه؛ لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس، وتهييج الفتن، فلما يعلم الإنسان أنه ينفضح على رءوس الأشهاد، يقف ويفكّر مليًّا في ما سيفعله، فيكون هذا الترهيب دافعًا له على الاستقامة، وإذا استقام الإنسان يستقيم حال المجتمع، فتصان الأعراض وتحفظ الأنساب 78.
القذف جريمة عظيمة نص عليها القرآن والسنة، فهو من الكبائر، ومن أشنع الذنوب وأبلغها في الإضرار بالمقذوف والإساءة إليه؛ لذا كان التحذير منه في القرآن الكريم شديدًا، وقد عاقب الله سبحانه وتعالى القاذفين بعقوبات عديدة.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] .
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: والذين يشتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهنّ بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن أنهم رأوهن يفعلن ذلك، فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها» 79.
يقول الإمام القرطبي: «للقذف شروط عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف، وهما: العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف؛ إذ التكليف ساقط دونهما، وشرطان في الشيء المقذوف به وهو: أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنا واللواط أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي، وخمسة من المقذوف وهي: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والعفة عن الفاحشة» 80.
بيّنت الآية حكم جلد القاذف للمحصنة وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، وليس فيه نزاع بين العلماء، فإن أقام القاذف بيّنة على صحة ما قاله درأ عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، وقوله: {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} يدل على أن شهادة الأربعة شرط في إثبات الزنا 81.
أوجب الله سبحانه وتعالى على القاذف إذا لم يأت بالبينة على صحة ما قال ثلاث عقوبات، حسية ومعنوية ودينية:
أولًا: العقوبة الحسية: وتتمثل في جلد القاذف ثمانين جلدة.
ثانيًا: العقوبة المعنوية: وتتمثل في عدم قبول شهادة القاذف، فيهدر قوله، ويصبح في المجتمع من المنبوذين، فلا ثقة له بين الناس.
وقد توعد الله سبحانه وتعالى لأولئك الذين يرمون المؤمنات المحصنات ويتهمونهن بالزنا، باللعنة في الدنيا والآخرة والعذاب العظيم لجرم الذنب الذي ارتكبوه في حقهن، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .
يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: « {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} قال العلماء: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنين من القذفة، فالمراد باللعنة: الإبعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبه العدالة، والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين» 82.
لذلك نجد الله سبحانه وتعالى شدّد في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا؛ وذلك صيانة للأعراض من التهجم، وقطع ألسنة السوء، فيمتنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس، وجريمة القذف تولّد أخطارًا جسيمة في المجتمع، فكم من فتاة عفيفة شريفة لاقت حتفها بسبب كلمة قالها قائل، فوصل خبرها إلى الناس، وافتضح أمرها، وانتشر صيتها، وهي بريئة من ذلك، فجاءت حكمة التشريع في بيان العقوبة المترتبة على هذه الجريمة؛ ردعًا للقاذف من أن يتهم الناس بالفاحشة، وحماية سمعتهم من التدنيس، ومنع إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، فإن كثرة الترامي بها، وكثرة سماعها، وسهولة قولها، يجرئ السفهاء على ارتكابها، فكانت العقوبة غليظة؛ حتى لا يتجرأ أحد على ارتكابها، ولا يقدم على فعلها، فيمتنع عن هذا الفعل الشنيع، وبذلك يستقيم الإنسان، وتصان الأعراض من أن تنتهك، وتحفظ كرامة الأمة، ويطهر المجتمع من مقالة السوء، وتنتشر المودة والمحبة بين الأفراد، وبذلك تستقيم حياة الأمة 83.
السرقة من الجرائم العظيمة في الإسلام، فهي لا تحل في شرع الله، ولا في أي قانون وضعي؛ لأن إباحة السرقة تخلّ بأمن الناس، وتفقد الطمأنينة؛ ومن ثمّ يتزعزع استقرار المجتمع؛ لذا فقد جعل الله سبحانه و تعالى عقوبة السرقة القطع زجرًا لأخذ الأموال بغير حق.