أولًا: المعنى اللغوي:
الباء والعين والثاء أصلٌ واحد، وهو الإثارة. ويقال بعثت الناقة إذا أثرتها. وقال ابن أحمر:
فبعثتها تقص المقاصر بعدما ... كربت حياة النار للمتنور 1.
قال الراغب: «أصل البعث: إثارة الشيء وتوجيهه» 2.
والبعث ضربان:
-بشري، كبعث البعير، وبعث الإنسان في حاجة.
-وإلهي، وذلك ضربان:
أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن ليس (أي من عدم) ، وذلك يختص به الباري تعالى، ولم يقدر عليه أحد.
والثاني: إحياء الموتى، وقد خص بذلك بعض أوليائه، كعيسى صلى الله عليه وسلم وأمثاله، ومنه قوله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} [الروم: 56] . يعني: يوم الحشر 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يعرف البعث بعد الموت بأنه: «إحياء الله تعالى الأموات وإخراجهم من قبورهم وهم أحياء للحساب وللجزاء» 4.
وقال ابن كثير: «هو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة» 5.
والحاصل أن البعث: «هو أن يعيد الله تعالى الإنسان بروحه وجسده كما كان في الحياة الدنيا، وهذا كائن عندما تتعلق إرادة الرب جل وعلا بذلك فيخرج الخلق جميعهم من قبورهم، وهم حفاة عراة غرل بهم، ويساقون إلى أرض الموقف لينال كل إنسان ما يستحقه من الجزاء العادل وفق ما عمل في حياته الدنيا» 6.
-وردت مادة (بعث) في القرآن الكريم (67) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 20 ... {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) } [البقرة:56]
الفعل المضارع ... 28 ... {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [النحل:38]
فعل الأمر ... 5 ... {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة:129]
اسم مفعول ... 9 ... {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) } [المطففين:4]
مصدر ... 5 ... {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) } [لقمان:28]
وجاء البعث في الاستعمال القرآني على سبعة أوجه 8:
الأول: الإلهام: قال الله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ} [المائدة:31] . يعني فألهم الله غرابًا.
الثاني: الإحياء في الدنيا: قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) } [البقرة:56] .أي: ثم أحييناكم في الدنيا.
الثالث: اليقظة من النوم: قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} [الأنعام:60] . أي: من النوم.
الرابع: التسليط: قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء:5] . أي: سلطنا عليكم عبادًا لنا.
الخامس: إرسال الرسول: قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة:2] .أي: أرسل رسولًا.
السادس: النصب والتعيين: قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ} [النساء:35] .أي: انصبوا حكمًا.
السابع: النشور من القبور: قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) } [الحج:7] . يعني: ينشر من في القبور.
-الإحياء:
الإحياء لغة:
قال ابن فارس: «الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة؛ فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان، ويسمى المطر حيًا لأن به حياة الأرض» 9.
الإحياء اصطلاحًا:
لم يعرف أهل السنة الإحياء في مؤلفاتهم لوضوح معناه، وإنما تحدثوا عن هذا اللفظ بكلام عام يبين معناه عندهم، وقد ورد الإحياء في الشرع بمعنى نفخ الروح في الجسد، وإيجاد الحياة فيه 10.
الصلة بين الإحياء والبعث:
أنهما يدلان على شيء واحد وهو إعادة الحياة للميت.
النشور:
النشور لغة:
الحياة بعد الموت، ينشرهم الله إنشارًا، ونشرت الأرض تنشر نشورًا، إذا أصابها الربيع فأنبتت، فهي ناشرةٌ 11.
النشور اصطلاحًا:
يطلق ويراد به معنى البعث، وهو انتشار الناس من قبورهم إلى الموقف للحساب والجزاء.
الصلة بين البعث والنشور:
أن بعث الخلق اسم لإخراجهم من قبورهم إلى الموقف، ومنه قوله تعالى: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52] .
والنشور اسم لظهور المبعوثين وظهور أعمالهم للخلائق، ومنه قولك نشرت اسمك، ونشرت فضيلة فلان، إلا أنه قيل: أنشر الله الموتى بالألف، ونشرت الفضيلة والثوب للفرق بين المعنيين» 12.
ووجه الصلة بين البعث والنشور أنهما مرحلتان متتاليتان للموتى يوم القيامة البعث يكون بإحيائهم وإخراجهم من قبورهم والبعث يكون بانتشارهم بعد خروجهم من قبورهم كالفراش المبثوث.
الإخراج:
الإخراج لغة:
أصله من «خرج خروجًا: برز من مقره أو حاله، سواء كان مقره دارًا، أو بلدًا، أو ثوبًا، وسواء كان حاله حالة في نفسه، أو في أسبابه الخارجة 13.
الإخراج اصطلاحًا:
«هو البعث يوم القيامة لموقف العرض والجزاء» 14.
الصلة بين الإخراج والبعث:
أن البعث يشمل الإحياء والخروج، فالإخراج أخص من البعث.
-سلك القرآن الكريم مسلك الاستدلال العقلي والقياس في إثبات قضية البعث بعد الموت وأنها ممكنة عقلا، وذلك من خلال النظر في المشاهدات الكونية الدالة على قدرة الله تعالى عليه، وأنه أهون من كثير مما لا ينكرون أن الله يقدر عليه، فمن ذلك ما يلي:
أولًا: الاستدلال بالنشأة الأولى:
دل القرآن الكريم على قضية البعث بقياسها على قضية مسلمة عند منكريه وهي قضية الخلق الأول، أو النشأة الأولى، فهم يقرون بأن الله هو الذي خلقهم كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] .
فبين القرآن إنهم إن أقروا بذلك وأن الله هو الذي خلقهم بقدرته وأنشأهم من عدم، لزمهم الإقرار بقدرته كذلك على بعثهم بعد موتهم، وذلك في مواضع عدة منها قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) } [يس: 78 - 79]
ذكر الواحدي: «عن أبي مالكٍ: أن أبي بن خلفٍ الجمحي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظمٍ حائلٍ ففته بين يديه، وقال: يا محمد يبعث الله هذا بعدما أرم؟ فقال: (نعم، يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم) 15، فنزلت هذه الآية» 16.
«وقيل: إن هذا الكافر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله! فنزلت {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي من غير شيء فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عجم الذنب، ويقال عجب الذنب بالباء» 17.
«ولا شك أن الإحياء بعد أهون من الإنشاء قبل، فمن قدر على الإنشاء كان على الإحياء أقدر وأقدر، ولا احتمال لعروض العجز فإن قدرته عز وجل ذاتية لا تقبل الزوال ولا التغير بوجه من الوجوه 18.
ولهذا قال تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} «فإن قدرته كما كانت لامتناع التغير فيه، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها» 19.
«وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور» 20.
ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) } [الواقعة: 60 - 62] .
قال النسفي: « {وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} وعلى أن ننشئكم في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني أنا نقدر على الأمرين جميعًا على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم؟ ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل، أي على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها» 21.
وقال المراغي: «أي نحن قسمنا الموت بينكم، ووقتنا موت كل واحد بميقات معين لا يعدوه بحسب ما اقتضته مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة، وما نحن بعاجزين عن أن نذهبكم ونأتي بأشباهكم من الخلق، وننشئكم فيما لا تعلمون من الأطوار والأحوال التي لا تعهدونها .. ثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} أي لقد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهى البداية قادر على النشأة الأخرى وهى الإعادة بطريق الأولى» 22.
قال الشوكاني: « {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} وهي ابتداء الخلق من نطفةٍ، ثم من علقةٍ، ثم من مضغةٍ ولم تكونوا قبل ذلك شيئًا، وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم من ترابٍ فلولا تذكرون أي: فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخيرة وتقيسونها على النشأة الأولى» 23.
وقال الصابوني: « {فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} أي فهلا تتذكرون بأن الله قادر على إعادتكم كما قدر على خلقكم أول مرة؟ {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 67] .» 24.
وقد رد القرآن الكريم على من أنكروا البعث كذلك وسألوا سؤال استبعاد لا سؤال استفهام أيبعثون بعد موتهم وآباؤهم بعد أن صاروا عظاما ورفاتا من جديد ردا مفحما غاية في البيان والإيجاز والإعجاز والإفحام.
قال تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 49 - 51] .
«وقوله: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} قالوا إنكارا منهم للبعث بعد الموت: إنا لمبعوثون بعد مصيرنا في القبور عظاما غير منحطمة، ورفاتا منحطمة، وقد بلينا فصرنا فيها ترابا، خلقا منشأ كما كنا قبل الممات جديدا، نعاد كما بدئنا، فأجابهم جل جلاله يعرفهم قدرته على بعثه إياهم بعد مماتهم، وإنشائه لهم كما كانوا قبل بلاهم خلقا جديدا، على أي حال كانوا من الأحوال، عظاما أو رفاتا، أو حجارة أو حديدا، أو غير ذلك مما يعظم عندهم أن يحدث مثله خلقا أمثالهم أحياء، قل يا محمد {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} » 25.
«وتقرير الشبهة: أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم، واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها، ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟ فأجاب سبحانه عنهم بأن إعادة بدن الميت إلى حال الحياة أمرٌ ممكنٌ، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيءٍ من الحياة ومن رطوبة الحي كالحجارة والحديد، فهو كقول القائل: أتطمع في وأنا ابن فلانٍ، فيقول: كن ابن السلطان أو ابن من شئت، فسأطلب منك حقي» 26.
«وقوله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا} ؟ يخبر تعالى رسوله أن منكري البعث سيقولون له مستبعدين البعث: من يعيدنا؟ وعلمه الجواب فقال له: {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ} أي خلقكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ} ، وهو جواب مسكت فالذي خلقكم ثم أماتكم هو الذي يعيدكم كما بدأكم وهو أهون عليه» 27.
«والمعنى أنه لما قال لهم: كونوا حجارةً أو حديدًا أو شيئًا أبعد في قبول الحياة من هذين الشيئين فإن إعادة الحياة إليه ممكنةٌ، فعند ذلك قالوا: من هذا الذي يقدر على إعادة الحياة إليه، قال تعالى: {قُلِ} يا محمد: {الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني أن القول بصحة الإعادة فرعٌ على تسليم أن خالق الحيوانات هو الله تعالى، فإذا ثبت ذلك فنقول: إن تلك الأجسام قابلةٌ للحياة والعقل، وإله العالم قادرٌ لذاته، عالمٌ لذاته فلا يبطل علمه وقدرته البتة، فالقادر على الابتداء يجب أن يبقى قادرًا على الإعادة، وهذا كلامٌ تامٌ وبرهانٌ قويٌ» 28.
ثانيًا: القياس العقلي:
دلل القرآن الكريم على قضية البعث بعد الموت بالقياس العقلي الجلي على قضية بدء الخلق، وبين أنه قياس بطريق الأولى، فكل من صدق بأنه تعالى ابتدأ خلق الإنسان وهو أمر فطري لم ينازع فيه المشركون، لزمه بطريق الأولى التصديق بقدرته تعالى على إعادته مرة أخرى، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] .
قال القرطبي: «أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلًا على ما يخفى من إعادته، استدلالًا بالشاهد على الغائب، ثم أكد ذلك بقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} » 29.
«والهين هو ما لا يتعب فيه الفاعل، والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق الأولى، فإذا قال قائلٌ إن الرجل القوي لا يتعب من نقل شعيرة من موضعٍ وسلم السامع له ذلك، فإذا قال فكونه لا يتعب من نقل خردلةٍ يكون ذلك كلامًا معقولًا مبقىً على حقيقته» 30.
قال القرطبي: «ووجهه أن هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لعباده، يقول: إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه، فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء» 31.
كذلك برهن القرآن الكريم على قضية البعث بحكمة الله وعدله اللذين يقتضيان محاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا في دار أخرى بعد موتهم، وإلا كان وجودهم في هذه الحياة الدنيا ضربا من العبث يتنزه الله تعالى عنه.
من ذلك قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } [المؤمنون: 115، 116] .
قال الزحيلي: « {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا، أي لعبا وباطلا بلا قصد ولا حكمة لنا، بل خلقناكم للعبادة والتهذيب والتعليم وإقامة أوامر الله تعالى، وهل ظننتم أنكم لا تعودون إلينا في الدار الآخرة للحساب والجزاء، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] .
أي: هملًا.
{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} أي: تنزه وتقدس الله صاحب الملك الواسع، الثابت الذي لا يزول، أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، وهو ذو العرش العظيم الحسن البهي الذي يدبر فيه نظام الكون بحكمة ومقصد سام» 32.
«وبيان كونه عبثًا أنه لو خلق الخلق فأحسن المحسن وأساء المسيء ولم يلق كلٌ جزاءه لكان ذلك إضاعةً لحق المحسن وإغضاءً عما حصل من فساد المسيء فكان ذلك تسليطًا للعبث» 33.
ومثله قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) } [القيامة: 36]
«وتقريره أن إعطاء القدرة والآلة والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن المفاسد يقتضي كونه تعالى راضيًا بقبائح الأفعال، وذلك لا يليق بحكمته، فإذًا لا بد من التكليف والتكليف لا يحسن ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة» 34.
ثالثًا: الاستشهاد بالدورة النباتية:
استدل القرآن الكريم على إمكان البعث بما هو مشاهد من إحياء الأرض الميتة الجرز بنزول الماء عليها فتهتز بالخضرة والحياة بعد موتها، فمن قدر على إحياء تلك الأرض بعد موتها قادر لا محالة على إحياء الموتى من البشر.
وقد تكرر هذا المثل في مواضع عدة منها قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) } [الأعراف: 57] .
«يلفت الله تعالى نظر المشركين المنكرين للبعث والحساب والعقاب، إلى أنه يرسل الرياح فتثير السحاب، وتجعله يتكون في جو السماء، ثم تسوقه الرياح إلى الأرض الموات، التي لا نبات فيها، فيفرغ السحاب ما فيه من فوق هذه الأرض الميتة، فتحيا الأرض بالماء، وتهتز وتربو، ويخرج منها النبات، وكما أحيا الله تعالى الأرض الميتة، وأخرج منها النبات النضير، كذلك يحيي الله الأموات من البشر، ويخرجهم من قبورهم يوم القيامة ليحاسبهم على أعمالهم» 35.
قال السعدي: «يبين تعالى أثرا من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته فقال: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي: الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله، {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} الرياح {سَحَابًا ثِقَالًا} قد أثاره بعضها، وألفه ريح أخرى، وألحقه ريح أخرى {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} قد كادت تهلك حيواناته، وكاد أهله أن ييأسوا من رحمة الله، {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي: بذلك البلد الميت {الْمَاءَ} الغزير من ذلك السحاب وسخر الله له ريحا تدره وتفرقه بإذن الله، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} فأصبحوا مستبشرين برحمة الله، راتعين بخير الله، وقوله: {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها بالنبات، كذلك نخرج الموتى من قبورهم، بعد ما كانوا رفاتا متمزقين، وهذا استدلال واضح، فإنه لا فرق بين الأمرين، فمنكر البعث استبعادا له - مع أنه يرى ما هو نظيره - من باب العناد، وإنكار المحسوسات» 36.
وقال الزحيلي: «هذه آية اعتبار واستدلال على وجود البعث، وفهم الدليل بسيط جدا؛ فإن الله تعالى كما أنه يحيي الأرض وينبتها نباتا حسنا بالمطر فإنه قادر على إعادة الموتى أحياء يوم القيامة، كإحياء الأرض بعد موتها .. وإحياء الأرض بعد موتها بالنباتات يحدث بقدرة الله الخالق، فكذلك إعادة الحياة إلى الأجساد يكون بقدرة الله أيضا» 37.
وقد جمع بين الطريقتين السابقتين في إثبات البعث قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) } [الحج: 5] .