فهرس الكتاب

الصفحة 1272 من 2431

السلام

أولًا: المعنى اللغوي:

السلام: اسم مصدر من الفعل «سلّم» يقال: سلّم تسليمًا مصدر، وسلامًا اسم مصدر.

وأصل مادة «سلم» تفيد معنى السلامة من كل شر، قال ابن فارس: «السين واللام معظم بابه من الصحة والعافية، والشاذ عنه قليل» 1.

وقال الراغب: «السّلم والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة» 2. وقريب منه المعنى المحوري للمادة: «صحة جرم الشيء والتئام ظاهره في ذاته» 3.

و (السلام) من أسماء الله الحسنى، لسلامته سبحانه من كل نقص.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

المعنى اللغوي للكلمة الذي ترجع إليه كل معانيها هو السلامة من كل عيب حسي أو معنوي.

ولا يختلف السلام في معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي ويمكننا أن نعرّفه فنقول: السلام اسم من أسماء الله تعالى يدل على معنى التحية والسلامة من كل سوء وشر.

وردت مادة (سلم) في القرآن الكريم (140) مرةً، يخص موضوع البحث (50) مرةً 4.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} [الأنفال:43]

الفعل المضارع ... 2 ... {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]

الفعل الأمر ... 2 ... {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النور:61]

المصدر ... 45 ... {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف:46]

وجاء السّلام في الاستعمال القرآني على خمسة أوجه 5:

الأول: هو الله تعالى: ومنه قوله تعالى: {السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [الحشر: 23] .

الثاني: الخير: ومنه قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ} [الزخرف: 89] يعني: وقل خيرًا.

الثالث: الثناء الحسن: ومنه قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات: 79] .

الرابع: السلامة من الشر: ومنه قوله تعالى: {اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا} [هود: 48] يعني: بسلامة من الشر والغرق.

الخامس: التحية التي يحيّي بها المسلمون بعضهم بعضًا، وهي تحية أهل الجنة: ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] .

التحية:

التحية لغة:

مصدر حييى يحيى، وأصلها تحيية على وزن تفعلة، فأدغمت الياء في الياء،، والتحية تأتي بمعنى: البقاء، يقال: التحيات لله، الملك والبقاء لله، وتأتي بمعنى: السلام، والتحية في كلام العرب ما يحييى بعضهم بعضًا إذا تلاقوا 6.

التحية اصطلاحًا:

لا يختلف معناها الاصطلاحي عن معناه اللغوي.

الصلة بين التحية والسلام:

التحية تشترك مع السلام، وهي أعم، قال العسكري: «التحية أعم من السلام؛ يدخل في التحية حياك الله، ولك البشرى، ولقيت الخير» 7.

أولًا: السلام اسم من أسماء الله الحسنى:

لقد ورد اسم الله السلام في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [الحشر: 23] .

وورد في السنة أيضًا؛ فعن عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان وفلان، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه فقال: (إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله) 8.

وعن ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثًا وقال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام) 9.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السلام اسم من اسماء الله تعالى وضعه فأفشوه بينكم) 10.

وفي معنى اسم السلام يقول ابن بطال: ومعناه السالم من النقائص والآفات الدالة على حدوث من وجدت به، متضمن لمعنى السلامة من ذلك كله 11.

وقال الزجاج: «السلام هو الذي سلم من عذابه من لايستحقه» 12.

وقيل: المسلم أولياءه.

وقيل: المسلم عليهم 13.

وقيل: سلم الخلق من ظلمه، بمعنى أنه لا يتصف بالظلم.

وقيل: مسلم عباده من الهلاك.

وقيل: مسلم المؤمنين من العذاب.

وقيل: المسلم على مصطفي عباده بقوله: {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59] .

وقيل: المسلم على المؤمنين في الجنة لقوله {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:58] .

وقيل: لطول بقائه 14.

وكلها معان صحيحة يجوز إطلاقها عليه سبحانه ولا تعارض بينها، فهو سبحانه السلام في ذاته وصفاته وأفعاله، «بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار؛ فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه .. فهو السلام من الصاحبة والولد والسلام من الشريك، وإذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلامًا مما يضادها؛ فحياته سلام من الموت، وكذلك قيوميته وقدرته» 15.

ثانيًا: من أسماء الجنة دار السلام:

أعد الله الجنة دارًا للمؤمنين خالدين فيها أبدًا، وغرس كرامتهم فيها بيده سبحانه؛ فكانت دار سلام وأمن لا فيها أذى ولا نصب، ومن أسمائها دار السلام.

قال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:127] .

وفي الآية وعد حسن من الله للقوم الذين يذّكرون بأن لهم دار السلام، ودار السلام هي الجنة إجماعًا، وفي تقديم {لَهُمْ} دلالة على اختصاصهم بالجنة، والسلام له معنيان: «أحدهما: ان السلام اسم من أسماء الله عز وجل، فأضاف الدار إليه هي ملكه وخلقه، والثاني أنه المصدر بمعنى السلامة، كما تقول: السلام عليك» 16.

والظاهر رجحان المعنى الثاني؛ «فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من اسمائه غير السلام وكان يقال: دارالرحمن أو دار الله .... وأيضًا فلأن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو إلى أهلها؛ أماالأول فنحو دار القرار، دار الخلد .... وأما الثاني فنحو: دار المتقين ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن» 17.

وسميت الجنة دار السلام لسلامتها من كل آفة، وقيل: لأن من دخلها سلم من البلايا والرزايا أجمع، وقيل: لأنها سلمت من دخول أعداء الله، كيلا يتنغص أولياء الله فيها كما ينغص مجاورتهم في الدنيا وقيل: سميت بذلك لأن كل حاله من حالات أهلها مقرونه بالسلام» 18.

وهذه دعوة من الله العلي الأعلى لعباده على لسان رسله وملائكته كي ينيبوا إلى ربهم ويفعلون ما يوصلهم إلى دار السلامة والكرامة، وفي الحديث عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان، يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خيرً مما كثر وألهى. وأنزل الله في ذلك قرآنًا في سورة يونس {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس:25] 19.

وتتعدد مواطن السلامة في الجنة، فالدخول في الجنة بسلام.

قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر:45، 46] .

وقال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق:31 - 34] .

وفي الآيتين حذف فعل القول، وهو في القرآن كثير، وتقدير المعنى: ويقال لهم: ادخلوها بسلام، والقائل: الله تعالى أو ملائكته الكرام، ومعنى بسلام، بسلامة من النار، أو بسلامة تصحبكم من كل آفة، أو بتحية من الله» 20.

ولفظ السلام يشمل كذلك السلامة من الغل والخصام والنزاع بدليل ما بعدها {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47] .

والسلامة في الجنة من كل ما ينغص، وفي الحديث: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا) 21.

والتحية في الجنة هي: السلام.

قال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [يونس:10] .

وقال تعالى: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم:23] .

وقال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب:44] .

إن التحية بالسلام نوع من الإكرام، وفيها السلامة من كل شر.

قال ابن القيم: «ولما كانت الجنة دار السلامة من كل عيب وشر وآفة، بل قد سلمت من كل ما ينغص العيش والحياة، كانت تحية أهلها فيها سلام، والرب يحييهم فيها بالسلام والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم» 22.

وإذا كانت الآيات السابقة قد أفادت أن التحية في الجنة تكون بالسلام، فقد ورد في القرآن أن السلام في الجنة غير التحية، قال تعالى في ثواب عباد الرحمن: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) } [الفرقان: 75] .

فعطف التحية على السلام، وفي الفرق بينهما يقول الزمخشري: «والتحية دعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة» 23.

وقال العسكري: «والتحية أعم من السلام، والسلام مخصوص ويدخل في التحية: حياك الله، ولك البشرى، ولقيت كل خير» 24.

وقال مقاتل: المراد بالتحية: سلام بعض على بعض، أو سلام الملائكة عليهم، والمراد بالسلام أن الله سلمهم مما يخافون وسلم إليهم أمرهم، وقيل: التحية من الملائكة أو من أهل الجنة والسلام من الله تعالى عليهم، وقيل: التحية من الله تعالى لهم بالهدايا والتحف، والسلام بالقول 25.

ومن أوجه السلام في الجنة أن القول فيها سلام؛ قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) } [مريم: 62] .

وقال {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة: 25 - 26] .

ومن جملة النعيم الذي يحظى به أهل الجنة أنهم يسمعون الكلام الطيب، واستثناء السلام من اللغو في الآية الأولى ومن اللغو والتأثيم في الآية الثانية إنما هو من قبيل الاستثناء المنقطع الذي ليس من جنس المستثنى منه.

والمعنى: أن أهل الجنة لايسمعون أي كلام من اللغو أو الهذر الذي لا فائدة منه.

قال تعالى « {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} [النبأ: 35] .

وقال {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} [الغاشية: 11] .

و {لَاغِيَةً} نكرة في سياق النفي أفادت العموم، فلا لغو في الجنة بحال. بل يسمعون الكلام الطيب الذي يسلمون به.

قال الزجاج: « (وسلامًا) اسم جامع للخير متضمن للسلامة، فالمعنى: أن أهل الجنة لا يسمعون إلا ما يسلمهم» 26.

ويرى الزمخشري أن الاستثناء في الآية متصل، وتقدير المعنى عنده، أي: إن كان تسليم بعضهم على بعض، وتسليم الملائكة عليهم لغوًا، فلا يسمعون لغوًا إلا ذلك 27، فهو يعدها من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وفي قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة: 25 - 26] .

يقول ابن القيم: «وهذا فيه نفي لسماع اللغو والتأثيم، وإثبات لضده وهو السلام المنافي لهما: فالمقصود به نفي شيء وإثبات ضده» 28.

والتسليم من الله تعالى على عباده في الجنة، قال تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:55: 58] .

والمعنى «ولهم فيها ما يدعون، وذلك هو سلام من الله عليهم، بمعنى تسليم من الله» 29.

والظاهر من سياق الكلام أنه سلام من الله بدون واسطة ملك. وقد روى من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:58] . قال: فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم، ماداموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته في ديارهم) 30.

وعن عمر بن عبد العزيز، قال: «إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة، قال: فيسلم على أهل الجنة فيردون عليه السلام» . قال القرظي: «وهذا في القرآن {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} 31. وسلام الملائكة ثابت في أكثر من آية وسيأتي.

ومن أوجه السلام على أهل الجنة ما يسلم به عليهم أهل الأعراف، وذلك في قوله تعالى: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] .

والأعراف مشتق من العرف؛ لأن كل مرتفع من الأرض عند العرب أعراف 32.

وقد اختلف فيهم على أقوال متعددة؛ قال صديق خان: «وفي هذه الأقوال ما يدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة الله تعالى، وفيها ما يدل على أنهم أفضل من أهل الجنة وأعلى منهم منزلةً وليس في الباب ما يقطع به من نص جلي وبرهان نير» 33.

وإن كانت دلالة لفظ الأعراف توحي أنهم في منزلة عالية يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم، وهم يطمعون في موضع الحال من ضمير الجماعة في {يَدْخُلُوهَا} ويكون المعنى لم يدخلوها في حال طمع بها، بل في حال يأس وخوف 34.

قال القاسمي: «ولا يبعد عندي أن يكون {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} حالًا من {أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} أي: نادوهم بالسلام وهم في الموقف على طمع دخول الجنة يبشرونهم بالأمان والفوز من العذاب إشارةً إلى سبق أهل الأعراف على غيرهم في دخول الجنة وعلو منازلهم على سواهم» 35.

ومما سبق يتضح لنا أن الجنة دار السلام؛ يسلم فيها الرب جل في علاه على أهل الجنة، وتسلم عليهم الملائكة، ويسلم عليهم أصحاب الأعراف، والسلام تحيتهم فيما بينهم، وهو تحيتهم عند الدخول، وفي داخلها، وهو كلامهم فيما بينهم، فهم في سلام دائم.

ثالثًا: السلام صفة شرع الله ودينه:

إن مادة (الإسلام) ومادة (السلام) ترجعان إلى أصل لغوي واحد هو السلامة والخلوص من كل ما يسوء، وما وحدة الأصل هذه إلا إشارة إلى وشائج قوية وصلة وثيقة بين الإسلام والسلام حتى صارت الجملة مثلًا سائرًا: (الإسلام دين السلام) .

قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16] .

فالنور هو القرآن، أو هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم لعطفه على الكتاب، وهو سبب الهداية لمن اتبع رضوان الله فيهتدي إلى طريق الجنة، قال الطبري: «سبل السلام سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وبعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا به، لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية» 36.

وإذا كان لفظ السبل جاء مجموعًا هنا فهو بمثابة شعب الإيمان الذي يجمعها جامع واحد، فكل هذه السبل للخير، كجداول الماء التي تخرج من النهر، أو كالشجرة التي يخرج منها أطايب الثمار فتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

والتعبير القرآني {سُبُلَ السَّلَامِ} يعتبر من الأوصاف الربانية العظيمة الدقيقة لهذا الدين الخالد، يقول سيد قطب: «وما أدق هذا التعبير وأصدقه، إنه (السلام) هو ما يسكبه هذا الدين في الحياة كلها .... سلام الفرد. وسلام الجماعة. وسلام العالم. سلام الضمير، وسلام العقل، وسلام الجوارح، وسلام البيت والأسرة، وسلام المجتمع والأمة، وسلام البشر والإنسانية. السلام مع الحياة والسلام مع الكون. والسلام مع الله رب الكون والحياة. السلام الذي لا تجده البشرية ولم تجده يومًا. إلا في هذا الدين وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته» 37.

ومن الألفاظ المقاربة التي جاءت بمعنى الإسلام قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] .

فإن السلم هنا معناه: الإسلام عند جمهور المفسرين 38.

وللراغب تأويل لطيف لارتباط معنى السلم هنا بالطاعة فيقول: «عني بالسلم سلم العبد لله عز وجل، وذلك أن الإنسان في كفره وكفران نعمة الله كالمحارب له، وبهذا يسمى الكافر: المحارب، في نحو قوله تعالى: {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] .

وسلم العبد لله على ثلاث أضرب .... الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق دمه ... ، واثنان بعد الإيمان أحدهما: أن يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره ... والثاني: أن يكون سليمًا من الشيطان وأوليائه وسليمًا فيما يجري من قضائه، وبه يحصل دار السلام وهذا غاية ما ينتهي إليه العبد .... وهذا السلم هو المعنى بقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] 39.

وهذا ربط جيد بين معاني لفظة السلام بمشتقاتها، فالمسلم مستسلم لربه، منقاد له بمحبة وإخبات، مسالم لكل ما حوله ومن حوله، سالم من شر الشيطان وشركه، ومصيره إلى دار السلام بسلام، وفي معنى السلام والاستسلام والانقياد تدخل كل مفردات ومشتقات مادة (الإسلام) بصيغها المختلفة.

إن من معاني اسم الله (السلام) أنه تبارك وتعالى هو المسلّم على أوليائه سلام بر وإكرام ولطف وثناء حسن منه تعالى، وأمان منه لهم في كل أمورهم وأحوالهم، وفي القرآن الكريم سلام من الله تعالى على أنبيائه إجمالًا وعلى بعضهم تخصيصًا.

أولًا: سلام الله على أنبيائه ورسله:

فمن الأول قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59] .

والآية خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن قص عليه إهلاك الأمم المكذبة أمره أن يحمده على هلاك الظالمين، أو هي استفتاح الاعتبار بالحمد لله والسلام.

وقوله: {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} يعني أمنةً ثابتةً من الله لعباده المصطفين، وجملة {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ} من الله تحتمل وجهين: «تحتمل أن تكون داخلة في حيز القول فتكون معطوفةً على الجملة الخبرية وهي الحمد لله، ويكون الأمر بالقول متناولًا للجملتين معًا.

وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب محكية بالقول، ويحتمل أن تكون جملةً مستقلةً معطوفة على جملة الطلب، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب، وهذا التقدير أرجح وعليه يكون السلام من الله عليهم» 40.

والمصطفون هم الأنبياء كما ورد عن عبدالرحمن بن زيد 41.

وورد عن عبد الله بن عباس والسدي والثوري أنهم الصحابه الكرام رضوان الله عليهم 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت