فهرس الكتاب

الصفحة 1052 من 2431

ويسند ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا) 54.

وإذا تأملنا جملة الآيات التي نصت على حكم الخمر أو أشارت إليه في القرآن الكريم وجدناها خمس آيات:

هذا ترتيبها في المصحف، أما ترتيبها في النزول: فإن كانت آية النحل: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} متضمنة لحكم الخمر فهي أول الآيات نزولًا، وإلا فآية البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} ، ثم آية النساء {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43] ، ثم آيتا المائدة: نزلتا معًا، أو نزلت الثانية {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} ، ثم الأولى {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} .

هل آية النحل أول آية نزلت في حكم الخمر؟

روى ابن جرير بسنده «عن إبراهيم والشعبيّ وأبي رزين، قالوا: هي منسوخة في هذه الآية {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل:67] » 56، وهو رأي طائفة من المفسرين منهم ابن العربي 57.

وعلى هذا القول فهي أول آية نزلت في حكم الخمر.

وترى طائفة أخرى أن الآية غير منسوخة؛ لأن السكر في الآية غير الخمر؛ ولأن ما تضمنته الآية خبر والخبر لا يدخله النسخ.

قال ابن عطية: «والسكر أيضًا في كلام العرب ما يطعم، ورجح الطبري هذا القول، ولا مدخل للخمر فيه ولا نسخ من الآية شيء. وقال بعض الفرقة التي رأت السكر الخمر: إن هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر، وفي هذه المقالة درك، لأن النسخ إنما يكون في حكم مستقر مشروع» 58.

وقال الخازن: «القول بالنسخ فيه نظر؛ لأن قوله: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل:67] خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، ومن زعم أنها منسوخة رأى أن هذه الآية نزلت بمكة في وقت إباحة الخمر ثم إن الله تبارك وتعالى حرمها بالمدينة فحكم على هذه الآية بأنها منسوخة» 59.

ورد ذلك ابن العربي فقال: إن الخبر إن كان عن شيء له وجود في الحقيقة أو عن الثواب ونحوه فهو الذي لا يدخله النسخ، أما الخبر عن الحكم فليس كذلك، قال: «فإن قيل: كيف يحرم ما أحل الله ههنا، وينسخ هذا الحكم، وهو خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ.

قلنا: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا حقيقته قبل، وأوضحنا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي فذلك الذي لا يدخله نسخ، أو كان عن الفضل المعطى ثوابًا فهو أيضًا لا يدخله نسخ؛ فأما إن كان خبرًا عن حكم الشرع فالأحكام تتبدل وتنسخ جاءت بخبر أو بأمر، ولا يرجع ذلك إلى تكذيب في الخبر أو الشرع الذي كان مخبرًا عنه قد زال بغيره.

وإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) } [النحل:101] .

يعني أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء، ويكلف ما يشاء، ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وعنده أم الكتاب» 60.

ولئن اختلف في كون آية النحل أول آية نزلت فإنه لم يختلف في أن آية البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة:219] ، سبقت آية النساء {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43] ، وبعدهما آيتا المائدة، ومرد ذلك إلى الروايات الكثيرة في أسباب نزولها.

فمن ذلك ما روى أبو داود عن أبي إسحاق، عن عمرو، عن عمر بن الخطاب، قال: (لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة:219] ، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43] . فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي:(ألا لا يقربن الصلاة سكران) ، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت هذه الآية {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، قال عمر: انتهينا) 61.

وروى أحمد عن أبي هريرة، قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة:219] إلى آخر الآية، فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} ، وكانوا يشربون الخمر. حتى إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله فيها آية أغلظ منها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] ، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90] ، فقالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا، من عمل الشيطان، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم) 62.

ففي هذين الأثرين ترتيب نزول الآيات الثلاث وأن ذلك وقع إجابة عن أسئلة من الصحابة رضوان الله عليهم، ووقع في روايات أخرى أنها نزلت إثر حوادث:

فمن ذلك ما روى أبو داود عن علي بن أبي طالب: (أن رجلًا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي في المغرب فقرأ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} فخلط فيها، فنزلت {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] ) 63.

وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: (وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح أنفي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فأنزل الله عز وجل في -يعني نفسه- شأن الخمر: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة:90] » 64.

وقال الواحدي: «وكانت تحدث أشياء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب شرب الخمر قبل تحريمها، منها قصة علي بن أبي طالب مع حمزة رضي الله عنهما» 65.

ثم ساق ما روى البخاري في صحيحه عن علي قال: (كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة عليها السلام، بنت النبي صلى الله عليه وسلم، واعدت رجلًا صواغًا في بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بإذخر، فأردت أن أبيعه من الصواغين، فنستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشارفي قد أجبت أسنمتها، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت، في شرب من الأنصار، عنده قينة وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء.

فوثب حمزة إلى السيف، فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، قال علي: فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده زيد بن حارثة، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت، فقال: (ما لك) ؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتي، فأجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه، فأذن له، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل، محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟! فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقري فخرج وخرجنا معه) 66. وليس في هذه الرواية تصريح بسبب النزول.

ودل عموم الروايات السابقة على أن آيتا المائدة نزلتا معًا، ونص القرطبي على أن الثانية منهما نزلت قبل الأولى فقال: «وهذه الآية -آية البقرة- أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43] ، ثم قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:91] ، ثم قوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة:90] » 67.

غير أنه لم يذكر على ذلك رواية أو يستدل عليه بدليل إلا أنه قال عند تفسيره لآية المائدة: «روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة:91] الآية» 68.

وفيها أيضًا أن حرمة الخمر لم تستقر إلا بعد نزول آية المائدة، وأنه حرم بصفة متدرجة ولم تنزل آية التحريم إلا في المدينة، وأن من الصحابة من توفي وهو يشرب الخمر لما تنسخ إباحتها.

وقد ذكر الجصاص كلامًا لا يجرى على ظاهره فقال: «قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] : هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر ولو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} والإثم كله محرم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} [الأعراف:33] .

فأخبر أن الإثم محرم، ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثمًا حتى وصفه بأنه كبير تأكيدًا لحظرها. وقوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} لا دلالة فيه على إباحتها؛ لأن المراد منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها، فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها لا سيما وقد أكد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} يعني أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ينبغي منهما.

ومما نزل في شأن الخمر قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] . وليس في هذه الآية دلالة على تحريم ما لم يسكر منها، وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر منها؛ لأنه إذا كانت الصلاة فرضًا نحن مأمورون بفعلها في أوقاتها، فكل ما أدى إلى المنع منها فهو محظور، فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر وكان شربها مؤديًا إلى ترك الصلاة كان محظورًا؛ لأن فعل ما يمنع من الفرض محظور.

ومما نزل في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [المائدة:90 - 91] .

فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه: أحدها قوله: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} وذلك لا يصح إطلاقه إلا فيما كان محظورًا محرمًا، ثم أكده بقوله: {فَاجْتَنِبُوهُ} وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه، ثم قال تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ومعناه فانتهوا» 69.

وهذا الذي ذكره لو قصد منه أن الآيات التي نزلت أولًا أشارت إلى أن مآل الخمر التحريم، وأن الأمر سيستقر على تحريمها فصحيح، وأما لو قصد أن آية البقرة ثم آية النساء نصتا على التحريم فغير صحيح؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفهموا ذلك، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

قال القرطبي: «هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا به معروفًا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه آية النساء {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43] على ما تقدم. وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟

حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما وجب أسنمتهما، فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه، لا في حال سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لما قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟! على عقبيه القهقرى وخرج عنه» 70.

حرم الله الخمر ولعن عاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها ... وفرض على من شربها عقوبة شديدة في الحياة الدنيا، وتوعده بعذاب أليم يوم القيامة.

وقد شاع على ألسنة الناس أن المقصد من تحريم الخمر هو حفظ العقل، وذلك أن الإنسان إذا شرب الخمر ذهب عقله، فحرمت حفظًا للعقل من جهة العدم بدفع ما يضر به ويؤدي إلى إذهابه وتعطيله.

غير أننا بعد قليل من التأمل نجزم بأن الخمر قد حرمت مراعاة للمقاصد الشرعية الخمسة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

فأما الدين: فقد أشار إلى حفظه بتحريمها قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة:91] : فصد الخمر عن الصلاة فساد للدين.

قال الرازي: «أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر الله فظاهر؛ لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى، وأما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك؛ لأنه إن كان غالبًا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعًا من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة» 71.

ومن فساد الدين ما ينشأ من الفرقة والعداوة بين المؤمنين بسبب الخمر والذي نص عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة:91] .

وأما حفظ النفس: فمعلوم أن الخمر سبب لسفك الدماء واستسهال العدوان على الناس وإزهاق أرواحهم وإتلاف جوارحهم وأبدانهم، وواقع الناس على اختلاف زمانهم وبلدانهم يشهد أن عموم الجنايات والجرائم لا تقع إلا تحت تأثير الخمور والمسكرات، وكل ذلك من الإثم الذي أشار إليه قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] .

وقد يكون كذلك أثرًا للعداوة والبغضاء الحاصلة من الخمر والميسر، قال الرازي: «أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد؛ لأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء.

وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال؛ لأن من صار مغلوبًا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبًا فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيرًا مسكينًا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له، فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم» 72.

وأما حفظ العقل: فواضح معلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت