فهرس الكتاب

الصفحة 1255 من 2431

هذا يستدعي أن يبذل المسلم الجهود المضاعفة أضعافًا كثيرةً على محاور عديدة في جهاد نفسه، وأصبحت مجاهدة النفس أمرًا ليس بالهيّن، يمكن أن ندّعي لصاحبها البطولة في السّمو وعلو الهمّة، ويكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه: (يأتي على النّاس زمانٌ الصّابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر) 97.

ومعنى جهاد النفس: استفراغ الوسع في تزكية النفس بترويضها على الطاعات، ومخالفة نوازعها الشريرة وأهوائها، والغاية من جهاد النفس: إدراك السعادة السرمدية.

ومقام المجاهدة من المقامات العظمية في الإسلام.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [العنكبوت:69] .

وهذا جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته، ومنه مجاهدة النفس، والمرابطة على ثغورها لئلا تنزع إلى أمر الشيطان في غفلة عن الإنسان، وهذا المقام هو المذكور في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) } [آل عمران:200] .

يقول ابن كثير في معنى قوله تعالى: « {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، أي: لنبصرنهم طرقنا في الدنيا والآخرة وقال بعض العارفين: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون 98.

وجهاد النفس من أفضل أنواع الجهاد، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات:40 - 41] .

أي: زجرها عن المعاصي والمحارم وقيل: «ترك الهوى مفتاح الجنة، وقال عبدالله بن مسعود: أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق فنعوذ بالله» 99.

وأما قطب فيقول في قوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} : «إن الإنسان إنسان بهذا النهي، وبهذا الجهاد، وبهذا الارتفاع، وليس إنسانًا بترك نفسه لهواها، وإطاعة جواذبه إلى دركها، بحجة أن هذا مركب في طبيعته، فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى، هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته، وجعل له الجنة جزاءً ومأوىً حين ينتصر ويرتفع ويرقى» 100.

والإنسان في هذه الدنيا يعيش حالة صراع مع أعداء ظاهرين وآخرين لا يراهم، وربما كانوا أشد فتكًا به من أعدائه المشاهدين، وإن أعدى أعداء المرء نفسه التي بين جنبيه، فإنها تحث على نيل كل مطلوب والفوز بكل لذة، حتى وإن خالفت أمر الله ورسوله 101.

والعبد إذا أطاع نفسه هلك أما إن جاهدها وزمها بزمام الإيمان وألجمها بلجام التقوى فإنه يحرز نصرًا في أعظم ميادين الجهاد.

وفي شأن السعادة واللذة التي تعقب مجاهدة الإنسان لهوى النفس يقول ابن القيم: «ومن فوائد غض البصر: أنه يورث القلب سرورًا وفرحةً وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوه بمخالفته، ومخالفة نفسه وهواه. وأيضًا فإنه لما كف لذته، وحبس شهوته لله أعاضه الله سبحانه مسرّةً ولذةً أكمل منها» 102.

عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النظر سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركه من خوف الله آتاه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه) 103.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (من غض بصره عن النظر الحرام: زوج من الحور العين حيث أحب، ومن اطلع فوق بيوت الناس حشره الله يوم القيامة أعمى) 104.

لقد تكرر القول بأن السعادة في هذه الدنيا أمر نسبي، وهي ومضات خاطفة أو ساعات معدودة لا تستمر ولا تدوم، بل لابد وأن تعتريها منغصات ومكدّرات من الأمراض والأعراض، لأن هذه الدنيا دار ممر للآخرة، والإنسان فيها مسافر، عما قريب سيحط رحاله إما إلى جنة أو إلى نار، وهي سجن المؤمن، لذا فهي محفوفة بالآلام والابتلاءات، والمصاعب والمشكلات.

قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) } [البلد:4] .

إن الفرح أو اللذة الدنيوية إنما هي لحظات قليلة يمكن اعتبارها إرهاصات للسعادة الحقيقية الدائمة، ولمحات أو إشارات سريعة تربط قلب المؤمن بمصيره الأبدي المنتظر، فيظل هذا القلب ينبض في الدنيا بأشواق الآخرة، وتظل النفس تتشوف لذلك النعيم المقيم الذي لا يقع في دائرة الإدراك أو الحواس.

وسنتعرض في هذا المبحث إلى بعض مظاهر السعادة الدنيوية من النقاط الآتية:

أولًا: الحياة الطيبة:

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل:97] .

الحياة الطيبة أعظم مظاهر السعادة الدنيوية وكذلك الأخروية، لأن الطّيّب: خلاف الخبيث، وقد تتسع معانيه فيكون الطيب: هو الحسن والأفضل في كل شيء، يقال: أرض طيبة للتي تصلح للإنبات، وريح طيبة: إذا كانت لينة.

قال تعالى: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس:22] .

طعام طيب إذا كان حلالًا مستلذًا، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون:51] .

أي: كلوا من الحلال، وكل مأكول حلال مستطاب.

وامرأة طيبة: إذا كانت حصانًا عفيفة، ومنه قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور:26] .

أي: الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، أو الكلمات الطيبات للطيبين.

وكلمة طيبة إذا لم يكن فيها مكروه، قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر:10] .

والكلام الطيب: توحيد الله وقول لا إله إلا الله. وبلدة طيبة: أي: آمنة، كثيرة الخير، قال تعالى: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ:15] .

ونفس طيبة بما قدّر لها، أي: راضية وطاب الشيء: لذّ وزكا.

وقوله تعالى: {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73] .

معناه طيبين في الدنيا فادخلوها 105، أي: الجنة.

ومن المدلولات المختلفة لكلمة الطيب في اللغة، يبدو واضحًا مقدار ما يتميز به المؤمن الذي يعمل الصالحات على غيره من حيازة الخير والحسن في كل شيء، حيث وردت هذه الكلمة في القرآن في مواضع عديدة، وفي كل موضع كانت توحي بالهناء والسرور.

يقول سيد قطب في قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} : «إن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمةً رغدةً ثريةً بالمال. فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: ففيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه. وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير، وآثاره في الحياة، ليس المال إلا عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله. وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات فما أكرمه من جزاء!» 106.

وقال غير واحد: الحياة الطيبة في الدنيا، أريد بها حياةً تصحبها القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى وقدّره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: (اللّهمّ قنّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كلّ غائبةٍ لي بخير) 107.

وهؤلاء أصحاب الحياة الطيبة زادهم الله من فضله فكل شيء في حياتهم طيب، الرزق والبلد، الطعام والشراب، الأزواج والزوجات أقوالهم طيبة، وطريقهم طيب.

يقول تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) } [الحج:24] .

هؤلاء الطيبون طيبون في كل شيء حتى تحيتهم طيبة مثل حياتهم، قال تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61] .

وهل السعادة تتحقق إلا بالحياة الطيبة التي وصفتها الآيات الكريمة السابقة؟

ثانيًا: البشريات العديدة:

قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) } [يونس:62 - 63] .

البشرى ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية في كثير من المواضع، وهذا يدل على أن الله عز وجل يريد لعباده الخير والسعادة والسرور.

قوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ} اختلف المفسرون فيمن يستحق هذا الاسم، قال بعضهم: هم الذين ذكرهم الله فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) } [يونس:63] .

وقال قوم: هم المتحابون في الله يجعل الله وجوههم نورًا ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدّام الرحمن يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون.

عن عبدالرحمن بن غنم رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أولياء الله فقال: (خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله) 108.

{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} اختلفوا في هذه البشرى على أقوال:

الأول: البشرى في الدنيا: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، سأل رجلٌ أبا الدّرداء عن قول اللّه تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} ، فقال ما سألني عنها أحدٌ غيرك إلاّ رجلٌ واحدٌ منذ سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: (ما سألني عنها أحدٌ غيرك منذ أنزلت، هي الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم أو ترى له) 109.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (لم يبق من النّبوّة إلاّ المبشّرات) قالوا وما المبشّرات؟ قال: (الرّؤيا الصّالحة) 110.

الثاني: هي الثناء الحسن، قال أبو ذر: قيل لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أرأيت الرّجل يعمل العمل من الخير ويحمده النّاس عليه قال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) 111.

الثالث: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله تعالى عند الموت.

قال تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30] .

وعن ابن عباس: «البشرى في الدنيا عند الموت، تأتيهم الملائكة بالبشارة وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن، يعرج بها إلى الله ويبشر برضوان الله» 112.

الرابع: قال الحسن: هي ما بشر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه كقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة:25] .

وقوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:223، التوبة:112، يونس:87، الصف:13] .

وقوله: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} [فصلت: 30] 113.

هذا وقد قدم السياق القرآني بشريات متعددة منها ما هو للدنيا مثل: تبشير إبراهيم عليه السلام وزوجه سارة بإسحاق.

قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } [هود:71] .

وزكريا عليه السلام {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) } [مريم:7] .

وأكثرها مبشرات لأهل الله من الأتقياء والمؤمنين والمحسنين الصالحين. قال تعالى في شأن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله مبشرًا بالرحمة والرضوان: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) } [التوبة 20 - 21] .

وبشر الذين قتلوا في سبيل الله في قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) } [آل عمران:169 - 171] .

وبشر تعالى أهل التوحيد والاستقامة في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) } [فصلت:30] .

وهناك الكثير من البشارات التي لا يتسع المقام لذكرها.

ولكن ما أعظم هؤلاء المؤمنين الذين أخذوا بأسباب السعادة، فأتم الله عليهم سعادته، بالحياة الطيبة في الدنيا، والبشريات المختلفة التي تملأ قلوبهم سرورًا وحبورًا وتشوفًا لاستكمال هذه السعادة في دار المقامة التي لا يمسهم فيها لغوب.

ثالثًا: الرضا:

قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) } [المائدة:119] .

وقال تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) } [البينة:8] .

والرضا واحد من المقامات العالية التي يبلغها المؤمن، وهو «ارتفاع الجزع في أيّ حكمٍ كان. وقيل رفع الاختيار، وقيل استقبال الأحكام بالفرح. وقيل سكون القلب تحت مجاري الأحكام. وقيل نظر القلب إلى قديم اختيار اللّه تعالى للعبد» 114.

وقيل: «من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه» 115.

وعن عمر رضي الله عنه أنه كتب لأبي موسى الأشعري: «أما بعد فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر» 116.

وقد تضمنت الآيات الكريمة السابقة الجزاء على الصدق والإيمان والأعمال الصالحة، ومجاهدة أعداء الله، بأن رضي عنهم فأرضاهم، فرضوا عنه وإنما حصل لهم هذا الرضى لأنهم رضوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا وبالإسلام دينًا ويتحقق الرضا عن الله للعبد إذا استوت في رضاه النعمة والمصيبة بحسب اختيار الله له، كما في قول عمر رضي الله عنه: «لو كان الصبر والشكر بعيرين لما باليت أيهما أمتطي» 117، لأن المسلم يذوق بالرضا طعم السكينة التي لا أنفع له منها، لأنها متى نزلت على فؤاده استقام، وصلحت أحواله وهدأ باله، فمن أعظم نعم الله على عبده المسلم أن ينزل السكينة عليه، ومن أعظم أسبابها الرضى عن الله في جميع الحالات.

والمسلم يعلم كذلك أن أعظم راحة وسرور ونعيم في الرضى عن ربه - تعالى وتقدس -في جميع الحالات لأن الرضى باب الله الأعظم ومستراح المحبين، فجدير بمن نصح لنفسه أن تشتد رغبته فيه وأن لا تستبدل به غيره 118.

يقول سيد قطب في قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة:8] : ورضا الله عنهم هو الرضا الذي تتبعه المثوبة، وهو في ذاته أعلى وأكرم مثوبة، ورضاهم عن الله هو الاطمئنان إليه سبحانه والثقة بتقديره، وحسن الظن بقضائه، والشكر على نعمائه، والصبر على ابتلائه، ولكن التعبير بالرضا هنا وهناك يشيع جو الرضا الشامل الغامر، المتبادل الوافر، الوارد الصادر بين الله سبحانه وهذه الصفوة المختارة من عباده، ويرفع من شأن هذه الصفوة -من البشر -حتى ليبادلون ربهم الرضى، وهو ربهم الأعلى، وهم عبيده المخلوقون، وهو حال وشأن وجوّ لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبر عنه، ولكن يتنسم ويستشرف ويستجلى من خلال النص القرآني بالروح المتطلع والقلب المتفتح والحسّ الموصول! ذلك حالهم الدائم مع ربهم {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} وهناك تنتظرهم علامة هذا الرضى {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100] 119. وليس هناك سعادة أعظم من أن يرضى العبد عن ربه فيتقبل الضراء كما يتقبل السراء برضى نفس وطمأنينة وشعور داخلي بعدم الجزع أو السخط.

رابعًا: الأمن النفسي والطمأنينة والسكينة:

قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [الأنعام:82] .

وقال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) } [النمل:89] .

من أعظم مظاهر سعادة المؤمن تحقق الأمن النفسي لديه، ولا نعمة أعظم من الأمن، عن عبيد اللّه بن محصنٍ الخطميّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه معافًى في جسده عنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدّنيا) 120.

بل ويمتن الله سبحانه على عباده الذين رضي عنهم بأن حقق لهم الأمن في غرفات الجنات هذا عن الأمن الحسي، أما الأمن النفسي، فيقول القرضاوي: «كما لا يتحسر المؤمن على الماضي باكيًا حزينًا، ولا يلقى الحاضر جزوعًا ساخطًا، لا يواجه المستقبل خائفًا وجلًا، ولا يعيش في فزع منه، ورهبة من غموضه، بل يعيش آمن النفس كأنه في الجنة، لأن إيمانه كان مصدرًا للأمن والطمأنينة والسكينة، ولا سعادة بدون هذا الأمن النفسي وقد قيل لحكيم: ما السرور؟ فقال: الأمن فإني وجدت الخائف لا عيش له، ولا عجب أن جعل الله الجنة دار السلام والأمن الكاملين، فأهلها في الغرفات آمنون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وتتلقاهم الملائكة منذ اللحظة الأولى {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) } [الحجر:46] » 121.

يقول المفسرون في تلك الآية الكريمة من سورة الأنعام: إن الناس يخافون من أشياء كثيرة وأمور شتى، ولكن المؤمن سدّ أبواب الخوف كلها، فلم يعد يخاف إلا الله وحده، يخافه أن يكون فرّط في حقه أو اعتدى على خلقه، أما الناس فلا يخافهم وهذا إبراهيم عليه السلام يدعو إلى توحيد الله وتحطيم الأصنام، فخوفه قومه من آلهتهم فقال إبراهيم متعجيًا: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) } [الأنعام:81] أي: الفريقين أحق بالأمن؟ فيجيبهم سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } .

بهذه الضمانات يعيش المؤمن حياته آمنًا مطمئنًا على رزقه وأجله وعلى أولاده وزوجه، فكان يذهب إلى ميدان الجهاد حاملًا روحه على كفه متمنيًا الموت في سبيل الله، ومن خلفه ذرية ضعاف موقن أنه يتركهم في رعاية رب كريم هو أبر بهم وأحنى عليهم منه 122.

قال ابن القيم رحمه الله: «في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدًا» 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت