فهرس الكتاب

الصفحة 639 من 2431

بيت النبوة

أولًا: المعنى اللغوي:

بالنظر في مصطلح (بيت النبوة) نجد أنه مركبٌ إضافي يتكون من كلمة (بيت) وكلمة (النبوة) ولا بد من تعريف كل كلمة على حدة، ثم يعرف المركب كله بعد ذلك.

أما كلمة (بَيْت) فأصلها: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنه يقال: بات: أقام بالليل، كما يقال: ظل بالنهار، ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أبيات وبيوت، لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشِعْر ... وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته، وصار أهل البيت متعارفًا في آل النبي صلى الله عليه وسلم 1

وأما النبوة فمختلف فيها، هل هي من النبأ أو من النبوة؟ فإن كانت من النبأ فهي متروكة الهمزة، وإن كانت من النبوة فهي على أصلها، قال ابن السكيت: «النبي وهو من أنبأ عن الله عز و جل فترك همزه، وإن أخذته من النبوة وهو الارتفاع من الأرض، أي: شرف على سائر الناس، فأصله غير الهمز» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرفها ابن حزم بأنها «الوحي من الله تعالى بأن يعلم الموحى إليه بأمرٍ ما يعلمه لم يكن يعلمه قبل» 3

أقول: وإذا كانوا عرفوا النبي بأنه «من اختصه الله سبحانه و تعالى بسماع وحي بحكم شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا» 4 فإنه يمكن أن تعرف النبوة بأنها إيحاء الله تعالى إلى نبيٍ من الأنبياء بأي طريقٍ من طرق الوحي بحكم أو شرعٍ، أمر بتبليغه أو لم يؤمر.

بيت النبوة كمركب إضافي:

أما إذا أردنا تعريف مصطلح (بيت النبوة) باعتباره مركبًا إضافيًا، فيكون تعريفه باعتبار مفرداته؛ فهو المنزل الذي كان ينزل فيه الوحي على أي نبيٍ من الأنبياء.

وشاع إطلاقه على أسرة نبينا صلى الله عليه وسلم من شخصه وأقاربه.

لم يرد مصطلح (بيت النبوة) في الاستعمال القرآني.

وقد عبَر عن القرآن عن معناه بألفاظ أخرى، وهي:

1.بيوت النبي: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) [الأحزاب:53] .

2.أهل البيت: قال عز وجل: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب:33] .

3.نساء النبي: قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) [الأحزاب:32] .

1.أهل البيت:

أهل البيت لغة:

«أهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، وأهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا -إذا قيل: أهل البيت- لقوله عز و جل {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب:33] . وعبر بأهل الرجل عن امرأته» 5.

بل صرح بعضهم بأن أهل البيت «عبارة عن النساء، الواحد والجمع فيه سواء. ولكن الضمير الذي يرجع إليه يكون جمعًا ومذكرًا اجتنابًا عن التصريح، لأجل حرمة النساء» 6.

أهل البيت اصطلاحًا:

«كل من يكون من ألزام النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء والأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص وألزم كان بالإرادة أحق وأجدر» 7.

الصلة بين بيت النبوة وأهل البيت:

لفظان مترادفان، فأهل البيت، هم بيت النبوة.

آل البيت:

آل البيت لغة:

الآل: «أهل الرجل وعياله أيضًا: أتباعه وأولياؤه، ... وأصله أهلٌ، أبدلت الهاء همزةً، فصارت: أألٌ، توالت همزتان، فأبدلت الثانية ألفًا فصار: آل. وتصغيره: أويلٌ وأهيلٌ» 8

«وقد ورد الآل في القرآن على ثلاثة أوجهٍ:

الأول: بمعنى القوم والتبع: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) } [القمر:41]

الثاني: بمعنى أهل البيت والحاضرين من أهل القوت والنفقة: {إِلَّا آلَ لُوطٍ} [القمر:34]

الثالث: بمعنى القرابة والذرية الكلية: {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} [آل عمران:33] .

{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم:6] .

ويستعمل فيمن يختص بالإنسان (اختصاص ذاته) إما بقرابة قريبة، أو بموالاة.

آل البيت اصطلاحًا:

وآل النبي: أقاربه. وقيل: المختصون به من حيث العلم. وذلك أن أهل الدين ضربان: ضرب مختص بالعلم المتقن والعمل المحكم. فيقال لهم: آل النبي وأمته وضرب مختصون بالعمل على سبيل التقليد.

ويقال لهم: أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يقال لهم: آل النبي. وكل آل النبي أمته، وليس كل أمته آله. وقيل لجعفر الصادق: الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقوا وكذبوا. فقيل: ما معناه؟ قال: (كذبوا في أن الأمة كافتهم آله، وصدقوا أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته فهم آله» 9 وآل البيت أصبح علمًا على آل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

الصلة بين بيت النبوة والآل البيت:

آل البيت أعم من بيت النبوة، فـ (آل البيت) يشمل زوجاته صلى الله عليه وسلم، وقرابته، سواء الذي كانوا في حياته، أو الذين جاؤوا بعد مماته.

1.بيت النبوة محط أنظار الأمة، وموطن قدوتها، لذلك حظي برعاية خاصة من المولى عز و جل، تتمثل هذه العناية في إرادة الله تعالى تطهيرهم، وفي مجموعة وصايا أمر الله بها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

أولًا: إرادة الله تعالى تطهير بيت النبوة:

يقول تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33] .

هذا جزء آية، بدايتها {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} جاءت ضمن مجموعة وصايا وتوجيهات لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت هذه في خاتمتها لتكون بمثابة التعليل لها، فكأنه قال: إنه أمركم بهذه الأوامر إرادة إذهاب الرجس عنكم، وإرادة تطهيركم. ولئلا يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم، ولتصونوا عنها بالتقوى 10.

فيخبر المولى عز و جل بأسلوب الحصر أنه يريد إذهاب الرجس عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويريد تطهيرهم، والقصر قصر قلب، والمعنى: «ما يريد الله لكن مما أمركن ونهاكن إلا عصمتكن من النقائص وتحليتكن بالكمالات ودوام ذلك، أي: لا يريد من ذلك مقتًا لكن ولا نكاية» 11.

بعد جملة توجيهات لهذا البيت الطاهر، بيت النبي صلى الله عليه وسلم تأتي هذه الجملة {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} فالتكاليف فيها مشقة على النفس الإنسانية، فتأتي مثل هذه التعليلات لتخففها على النفس، فالإنسان إذا علم الحكمة من التكليف، والغاية السامية التي ترتب عليه خفت شدته عليه، ويسر أمره، «وفي التعبير إيحاءاتٌ كثيرةٌ، كلها رفاف، رفيق، حنون؛ فهو يسميهم {أَهْلَ الْبَيْتِ} بدون وصفٍ للبيت ولا إضافة. كأنما هذا البيت هو البيت الواحد في هذا العالم، المستحق لهذه الصفة. فإذا قيل: «البيت» فقد عرف وحدد ووصف ... فالتعبير عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك تكريم وتشريف واختصاص عظيم.

وهو يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} .. وفي العبارة تلطف ببيان علة التكليف وغايته. تلطفٌ يشي بأن الله سبحانه و تعالى يشعرهم بأنه بذاته العلية يتولى تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم. وهي رعاية علوية مباشرة بأهل هذا البيت» 12.

وأهل البيت في هذه الآية يشمل أزواجه صلى الله عليه وسلم ومن ذكر في الحديث من ذريته وقرابته، فعن عائشة قالت: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل 13 من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ) 14.

وعن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء 15 وعليٌ خلف ظهره، فجللهم بكساء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، قالت: أم سلمة وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك، وأنت على خير) 16.

قيل: «لم يدخلها لاستغنائها بظاهر الكتاب، فليطمئن قلبها» 17.

وفي بعض الروايات تقول السيدة أم سلمة رضي الله عنها: (فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله، قال: إنك إلى خير، إنك إلى خير) 18.

وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب بعضهم إلى أن الآية خاصة بأزواجه صلى الله عليه وسلم لأن الآية نزلت فيهن ابتداءً، وذهب آخرون إلى أنها خاصة بذريته صلى الله عليه وسلم للحديث المتقدم.

و «توسطت طائفةٌ بين الطائفتين فجعلت هذه الآية شاملةً للزوجات ولعليٍ وفاطمة والحسن والحسين؛ أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات، ولكونهن الساكنات في بيوته النازلات في منازله، وأما دخول عليٍ وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما ورد من الأحاديث المصرحة بدخولهم» 19.

ودخول أزواجه فيهم أمر لم يخالف فيه إلا الرافضة، وهم مردود عليهم، «والتحقيق أنهن داخلات في الآية، وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت. أما الدليل على دخولهن في الآية، فهو أن سياق الآية صريحٌ في أنها نازلة فيهن، والتحقيق: أن صورة سبب النزول قطعية الدخول.

وأما الدليل على دخول غيرهن في الآية، فهو الأحاديث التي تنص على دخول علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنه. وبما ذكر من دلالة القرآن والسنة، تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنه كلهم 20.

وقد اختلف في المراد بالرجس هنا على أقوال كثيرة، فقيل: «الإثم، وقيل: الشرك، وقيل: الشيطان، وقيل: المعاصي، وقيل غير ذلك» 21.

والمعاني كلها متقاربة، ولا يوجد تعارض بينها، ولعلها كلها مرادة.

فإذهاب الرجس إزالة الأقذار العالقة، والتطهير: صيانة عن الأقذار التي يمكن أن تلحق الإنسان، وفي الجمع بين إرادة إذهاب الرجس وإرادة التطهير «لطيفة، وهي أن الرجس قد يزول عينًا ولا يطهر المحل؟

فقوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} أي: يزيل عنكم الذنوب، ويطهركم أي يلبسكم خلع الكرامة» 22

ثانيًا: وصايا الله تعالى لنساء بيت النبوة:

وإذا كان للبيت النبوي الشريف خصوصياته وفضائله فإن عليه أيضًا تكاليف كثيرة، وقد ذكر في سورة الأحزاب مجموعة من التكاليف والوصايا التي أمر بها نساء هذا البيت الشريف.

ذكرت هذه التكاليف في قوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) } [الأحزاب:32 - 34] .

وهذه التكاليف وإن كانت عامة في كافة النساء إلا أنها أكدت في حق نساء هذا البيت لمكان القدوة عندهن.

ولنتناول هذه التكاليف بشيء من الإيضاح الذي يجليها.

تبدأ الآية الكريمة بنداء أمهات المؤمنين بأفضل وصف لهن، وهو وصفهن بـ {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ} ثم تذكرهن بمكانتهن، وتخبرهن أن مكانتهن عالية جدًا، ومنزلتهن رفيعة وذلك في حال ما إذا التزمن التقوى، ثم ينهاهن {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} ويأمرهن {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} وفي تذكيرهن بهذه المكانة وأنهن لسن كبقية لنساء لتنبيههن إلى أنه ينبغي أن يبالغن في امتثال هذه التكاليف، فهو توجيه لهيئة الكلام بأن يكون في غير ميوعة ولينٍ، ولموضوع الكلام، فيما هو متعارف عليه بين الناس.

والمعنى «لا تلين القول، فيطمع الذي في قلبه فجور {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} صحيحًا لا يطمع فاجرًا» 23.

وهذا تحذير من هيئة الكلام «فإن الناس متفاوتون في لينه، والنساء في كلامهن رقةٌ طبيعيةٌ وقد يكون لبعضهن من اللطافة ولين النفس ما إذا انضم إلى لينها الجبلي قربت هيئته لهيئة التدلل لقلة اعتياد مثله إلا في تلك الحالة. فإذا بدا ذلك على بعض النساء ظن بعض من يشافهها من الرجال أنها تحبب إليه، فربما اجترأت نفسه على الطمع في المغازلة فبدرت منه بادرة تكون منافية لحرمة المرأة» 24.

وفي الإتيان بقوله {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} بعد فاء السببية لطيفة، وهي أنه سبحانه و تعالى ينفي التهمة عنهن، فنهيهن عن إلانة القول أمام الأجانب ليس اتهامًا لهن، وإنما حفاظًا عليهن من الفساق مرضى القلوب.

وبهذا يرد على أذناب الغرب الذين يعيشون بيننا، فهم يقولون: أنتم ضعاف القلوب، ولهذا تسترون نساءكم وتنهونهن عن مخاطبة الرجال، وأما نحن فلسنا بحاجة إلى مثل هذه الأمور لأنا أقوياء النفوس، لا يتطرق إلى أذهاننا ما يتطرق إلى أذهانكم من الفحشاء.

فنقول لهم: إننا لا نتهمكم، ولكن نحافظ على نسائكم، فلنفترض جدلًا أنا ضعاف النفوس سيئي القصد، ألا تخاف على زوجتك وابنتك منا-إن كنا بهذه الصفات-!

ثم إننا إذا نظرنا إلى مجتمعاتكم لا نرى فيه الطهر الذي تزعمون، والعفاف الذي تدعون، بل نرى فحشًا وخيانات، ونرى اغتصابًا واعتداءً على الأعراض، كم من حالات الخيانة حدثت عندكم من خلال غنج النساء ولينهن بالقول،! رأينا انطلاق سعار الشهوات، سعارٌ حيواني لا يخبو ولا ينطفأ، بل أدى بكم إلى عقد وأمراض نفسية، أدى بكم إلى الشذوذ بكافة أشكاله.

والمرض نوعان:

1.مرض القلوب.

2.مرض الأبدان.

ومرض القلوب: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي.

وأما مرض الأبدان: فمثل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} 25 [النور:61] .

والمراد هنا مرض الشهوة الذي يعتري القلوب.

«وعطف {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} على {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} بمنزلة الاحتراس، لئلا يحسبن أن الله كلفهن بخفض أصواتهن كحديث السرار» 26.

يقول صاحب الظلال: «ومن هن اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير؛ إنهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا يرف عليهن خاطر مريض، فيما يبدو للعقل أول مرة. وفي أي عهدٍ يكون هذا التحذير؟ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جميع الأعصار .. ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب. وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد، وفي كل بيئة، وتجاه كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم، وأم المؤمنين. وأنه لا طهارة من الدنس، ولا تخلص من الرجس، حتى تمتنع الأسباب المثيرة من الأساس. فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش اليوم فيه» 27 في عصر الفتن والشهوات يجب على المرأة أن تحتشم في زيها وصوتها وحركاتها وسكناتها حتى تبقى نبعًا للطهر والنقاء في مجتمع يغرق الكثير منه في الرذيلة.

ثم يأتي هذا الأمر الإلهي لهن بالقرار في البيوت {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وقد قرئت بفتح القاف وكسرها «فمن كسر جعله من الوقار. ومن فتح جعله من الاستقرار» 28.

فهو «من وقر يقر وقارًا في المكان: إذا ثبت فيه، وقيل: هو من قررت في المكان أقر، والأصل واقررن، حذفت الراء الأولى وألقيت حركتها على القاف فصار وقرن.

قال النحاس: يجوز أن يكون {وَقَرْنَ} من قررت به عينًا أقر، فيكون المعنى: واقررن به عينًا في بيوتكن» 29.

قال ابن فارس: «الواو والقاف والراء: أصلٌ يدل على ثقل في الشيء. منه الوقر: الثقل في الأذن. يقال منه: وقرت أذنه توقر وقرًا. والوقر: الحمل. ويقال نخلةٌ موقرةٌ وموقرٌ، أي: ذات حملٍ كثير» 30.

وأيًا كان أصله فإن المقصود الأمر لهن بملازمة البيت إشارة إلى أن البيت هو المهمة الأولى للمرأة، وليس المراد نهيهن عن الخروج من البيوت على الإطلاق.

قيل: هو أمر وجوب لهن «خصصن به، وهو وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيرًا لهن. وتقويةً في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن عبادة، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي صلى الله عليه وسلم في خلالها يكسبها حرمة ... وهذا الحكم وجوب على أمهات المؤمنين وهو كمال لسائر النساء» 31.

و «إضافة البيوت إليهن لأنهن ساكنات بها، أسكنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يميز بعضها عن بعضٍ بالإضافة إلى ساكنة البيت، يقولون: حجرة عائشة، وبيت حفصة، فهذه الإضافة كالإضافة إلى ضمير المطلقات في قوله تعالى {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق:1] .

وذلك أن زوج الرجل هي ربة بيته، والعرب تدعو الزوجة البيت، ولا يقتضي ذلك أنها ملك لهن، لأن البيوت بناها الرسول صلى الله عليه وسلم تباعًا تبعًا لبناء المسجد، ولذلك لما توفيت أزواجه كلهن أدخلت ساحة بيوتهن إلى المسجد في التوسعة التي وسعها الخليفة الوليد بن عبد الملك في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة، ولم يعط عوضًا لورثتهن» 32.

أقول: كأني بالآية تشير إلى أمرين اثنين يجب أن تتحلى بهما المرأة المسلمة:

الأول: الوقار والاحترام، فلا تتميع ولا تتسكع كما تفعل المستهترة.

الثاني: أن المهمة الأساسية للمرأة المسلمة هي بيتها، فيلزمها الاعتناء به أولًا، وهي مهمة شاقة ليست بالهينة، فهو مصنع الرجال.

ولصاحب الظلال كلام رائع في هذا الأمر، أذكر بعضه -خشية الإطالة- يقول: «وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقًا. إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقر وما عداه استثناء طارئًا لا يثقلن فيه ولا يستقررن. إنما هي الحاجة تقضى، وبقدرها.

والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة» 33.

لما كان الغرض من أمرهن بملازمة البيوت هو الستر عليهن، وألا يفتح سبيلٌ للفساق للنيل منهن، وكان هناك حاجات تحملهن على الخروج نهاهن عن إظهار زينتهن فقال سبحانه و تعالى {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} أي: لا تظهرن زينتكن.

والتبرج أصله التباعد والظهور، فـ» البرج: تباعد ما بين الحاجبين، وكل ظاهر مرتفع فقد برج ... والتبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. وتبرجت المرأة: أظهرت وجهها. وإذا أبدت المرأة محاسن جيدها ووجهها قيل: تبرجت، وترى مع ذلك في عينيها حسن نظرٍ» 34.

واختلف في صفة التبرج المذكور في الآية، فقيل: «التبختر، وقيل: كانت لهن مشية تكسرٍ وتغنجٍ، فنهاهن عن ذلك، وقيل: كانت المرأة تمشي بين يدي الرجل، فذلك هو التبرج، وقيل: هو أن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده ليواري قلائدها وعنقها وقرطها، ويبدو ذلك كله منها، فذلك هو التبرج، وقيل: أن تبدي من محاسنها ما أوجب الله تعالى عليها ستره» 35.

وأرى أنه لا يوجد تعارض بين هذه الأقوال، ولعلها كلها صور لما كان يحدث في الجاهلية من تبرجٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت