فهرس الكتاب

الصفحة 2306 من 2431

ثالثًا: البطر والرياء:

البطر: هو الفخر والأشر والطغيان عند النعمة، وإن من سنة الله عز وجل إهلاك الأمم إذا بطرت وطغت.

قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) } [القصص:58] .

فقد كفروا نعمة الله عليهم وعاشوا في البطر، حيث أكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام 42.

ونعود لقصة قارون الذي تبطر واختال على الناس في زينته وافتخر على قومه بالعزة والمال والملك، فاستحق الهزيمة وعوقب بالخسف والهلاك، وذلك تحقيقًا لسنة الله على المتجبرين وأهل البطر.

قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76] ، فالله لا يحب الفرحين الأشرين البطرين المتكبرين؛ الذين لا يشكرون الله سبحانه على ما أعطاهم، فلم يستجب للنصح، {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص:79] ، فانتقم الله منه وجعله عبرة لغيره.

قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) } [القصص:81] .

فكان جزاؤه الهلاك والخسف والهزيمة، وذلك جزاء المتكبرين الذين يريدون البطر والرئاء 43.

والنعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد فصرفها في المفاخرة على الأقران، وكاثر بها أبناء الزمان، وأنفقها في غير طاعة الرحمن، فذلك هو البطر، والرياء: هو إظهار الجميل ليراه الناس، فكفار قريش حين خرجوا إلى بدر، كان لهم فخر وبغي 44.

قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: 47] .

وذلك أن أبا سفيان لما أحرز عيره بعث إلى قريش وقال: إن الله قد سلم عيركم فارجعوا، فأتى رأي الجماعة على ذلك، وخالف أبو جهل، وقال: والله لا نفعل حتى نأتي بدرًا؛ فننحر عليها الإبل، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، ويهابنا الناس، وذلك ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، فلما وصلوا بدرًا ما انتصروا وما نالوا مرادهم، بل سقوا كأس المنايا بدل الخمور، وناحت عليهم النوائح بدل القينات، وكانت أموالهم غنائم بدلًا من بذلها في الإسراف واللهو، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم في طلب الرياء والسمعة؛ ولكن أخلصوا لله النية، وقاتلوا احتسابًا في نصر دينكم، ولا تطلبوا غيره، وكونوا أهل تقوى وإخلاص 45.

فسنة الله في الناس أن يقصم ظهور المتكبرين، ويذل المتجبرين المرائين المختالين المتكبرين على الناس بصلفهم وغرورهم، ويجعل الله نهايتهم الخذلان والموت والهزيمة عقابًا لهم على بطرهم وفخرهم ورئائهم.

رابعًا: النفاق و المنافقون:

لقد بين كتاب الله ما عليه المنافقون من صلف وكبر، وما يقومون به من تثبيط العزائم، وبث روح الهزيمة في نفوس المؤمنين، وإن كلمة النفاق لم تعرفها العرب من قبل، وأخذت الكلمة من نافقاء اليربوع؛ لأن جحره له بابان إذا طلب من أحدهما هرب من الآخر؛ فاستخدم في الإسلام علامة على تلك الطائفة التي تبطن الكفر وتظهر الإسلام، وتكمن الغيظ والبغض وتعلن الرضاء والمودة، وهي تضمر الحقد والحسد وتجهر بخلافهما 46.

وصفات المنافقين التي ذكرها القرآن الكريم كثيرة جدًا، وهي تفضحهم وتظهر عوارهم، وتحذر من وجودهم في الصف المسلم، وتدعو المسلمين إلى تنقية وتنظيف صفوفهم من هؤلاء الذين يؤخرون النصر ويستجلبون الهزيمة، ويفرحون بها.

فمن صفات المنافقين أنهم يكرهون القتال.

قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) } [آل عمران:167 - 168] .

تهتم هذه الآيات الكريمة اهتماما خاصا بفريق من المنافقين الذين أدخلوا الفشل على المؤمنين من أول لحظة في يوم أحد، وهذا الفريق كان يتزعمه المنافق المدعو عبد الله بن أبي ابن سلول الذي فارق ركب رسول الله الذي كان يتألف من ألف رجل، وهو لا يزال في أثناء الطريق بين المدينة وأحد، وتابعه ورجع معه ثلث الركب ممن ينطوون على النفاق، وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل ونيف، وكان فريق من المؤمنين لا يزالون يظنون خيرًا بزعيم المنافقين ومن معه من المتخلفين، إذ لم يكن قد انكشف نفاقهم بعد.

فتبعوهم من ورائهم يحرضونهم على العودة للقتال إعلاء لكلمة الله بجانبهم، أو على الأقل مساعدتهم فيما قد يحتاجون إليه، وتكثير سوادهم أمام العدو إن لم يقاتلوا، أو ليدفعوا الأعداء عن المجاهدين، أو ليدفعوا العدو عن أنفسهم وعن أموالهم وذراريهم، فما كان من المنافقين وزعيمهم إلا أن تعللوا بأنهم لا يتوقعون من المشركين في هذا اليوم أي قتال، إذن فلا موجب لمواصلة السير في ركاب رسول الله.

وتحدث زعيم النفاق ابن أبي ابن سلول حديثًا كشف به عن ذات نفسه فقال: والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، فجاءت هذه الآيات لتظهر نفاقهم للناس وتفضحهم؛ ليعلموهم علم عيان ورؤية وظهور، إذ أن نصر المسلمين في بدر فتح الطريق أمام المنافقين للتظاهر باعتناق الإسلام، وعدم انتصارهم في أحد كشف عن هؤلاء المنافقين وأظهرهم على حقيقتهم، فإن من شأن الشدائد أنها تكشف عن معادن النفوس، وحنايا القلوب 47.

موقف المنافقين في الماضي والحاضر هو اتهام المجاهدين بإهلاك أنفسهم، وهو ما تدل عليه هذه الآيات، حيث قال المنافقون للمسلمين: إنكم ما وصلتم لهذا إلا لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة، هذا هو موقف المنافقين في غزوة أحد، وهو موقف يدل على فساد قلوبهم، وخبث نفوسهم، وجبنهم عن لقاء الأعداء.

وحالهم بعد انتهاء المعركة أشد شرًا، هؤلاء المنافقون لم يكتفوا بما ارتكبوه من جنايات قبيل غزوة أحد وخلالها، بل إنهم بعد انتهاء المعركة قالوا متحدثين عمن استشهدوا: لو أن هؤلاء الذين استشهدوا في أحد أطاعونا وقعدوا معنا في المدينة لما أصابهم القتل، ولكنهم خالفونا فكان مصيرهم إلى القتل، فرد القرآن عليهم بما يبطل أقوالهم عن طريق الحس والمشاهدة، وذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا يطيل الحياة، كما أن الخروج إلى ساحات القتال لا ينقص شيئا من الآجال، فكم من مجاهد عاد من جهاده سالمًا، وكم من قاعد أتاه الموت وهو في عقر داره 48.

والمنافقون يسعون لنشر البلبلة في صفوف المسلمين ويشككون بنصر الله لأوليائه، فقد اتخذوا موقفهم بالانسحاب بثلث الجيش بعدما بيتوه فيما بينهم لبث البلبلة في صفوف المسلمين وإرباكهم، وإضعاف روحهم المعنوية أمام المشركين، وشككوا بنصر الله لأوليائه فقالوا: لو كان الأمر كما قال محمد إن أولياء الله هم الغالبون لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، ويربطون بين النبوة والنصر، وأنه لو كان محمد نبيا ما هزم، وفاتهم أن النصر من عند الله وبتوفيقه، وأن الهزيمة بسبب مخالفات المسلمين.

فرد الله عليهم بأن الآجال والأعمار بيد الله، وأن النصر من عند الله، وأن من كتب عليه القتل فلا بد أنه مقتول، فلو كان في بيته وانتهى أجله، لخرج إلى مكان مصرعه، والحذر لا يمنع القدر، والأمر كله بيد الله، وقد فعل الله ما فعل من إلحاق الهزيمة بالمسلمين في نهاية غزوة أحد، ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص والثبات، وليميز ما في القلوب من أمراض ووساوس الشيطان 49.

فهؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى القتال في سبيل الله، أو إلى الدفاع عن النفس والأهل والوطن، أجابوا: لو نعلم أنكم تلقون قتالًا في غزوتكم لاتبعناكم وسرنا معكم، ولكننا نعلم أنكم لا تقاتلون، وهذا يدل على تأصل النفاق في قلوبهم، وأن غايتهم التلبيس والتدليس والاستهزاء وتعمية الحقائق، مع أن جمع المشركين في أحد، وخروج المسلمين لمقابلتهم قرينة قاطعة على إرادة القتال 50.

ومن صفاتهم أيضًا: عدم التهيؤ والاستعداد للقتال، وذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) } [التوبة:46] .

فلو أنهم أرادوا الجهاد لتأهبوا للسفر، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف، فحبسهم الله عنك وخذلهم؛ وقد أوقع الله في قلوبهم القعود، وهو عبارة عن الخذلان، وقد بين القرآن الكريم المفاسد التي تترتب على خروجهم، فهؤلاء خروجهم لن يزيدكم إلا فسادًا وشرًا؛ لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس والقعود عن الغزو أفسدنا الناس وحرضنا على المؤمنين، وفي ذلك تسلية للمؤمنين في تخلف المنافقين عنهم، ولأوضعوا فيكم الهزيمة والتخذيل والإفساد والتحريض والنميمة، وبغيتهم أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف والأراجيف فيما بينكم أو الرعب في قلوبكم؛ ويثبطون المؤمنين بقولهم: لقد جمعوا لكم كذا وكذا، ولا طاقة لكم بهم، وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تورث الجبن والفشل.

قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) } [التوبة:47] .

وفي قوله: {سَمَّاعُونَ} تحذير من العيون والعملاء الذين ينقلون إليهم الأخبار منكم، ويحدثونهم بأحاديثكم وهم عيون لهم 51.

والمنافقون يمتازون بالدهاء، ويتحججون بالعجز والأعذار، وهم صنف مبالغ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار، وذلك أن بعضهم قال نستأذنه، فإن أذن في القعود قعدنا وإلا قعدنا دون إذن، فهم عزموا على العصيان أذنت لهم أو لم تأذن، فقد قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) } [التوبة:43] .

ومن جملة حججهم وأعذارهم قوله تعالى عنهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] .

نزلت في: (الجد بن قيس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزوة تبوك قال له: يا أبا وهب، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ فقال: يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن؛ فلا تفتني بهن، وائذن لي في القعود عنك فأعينك بمالي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: قد أذنت لك، فأنزل الله تعالى هذه الآية) 52.

وأشد صفة تكشف حقدهم: أنهم يستاؤون من نصر المسلمين ويفرحون لهزيمتهم.

قال تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) } [التوبة: 50] .

فالحسنة هنا هي: الغنيمة والظفر، والمصيبة هي: الهزيمة والخيبة كهزيمة أحد، وذلك أنه إن تصبكم نعمة من الله بنصر وغنيمة تسؤهم وتحزنهم؛ لفرط حسدهم وكراهتهم لكم، وإن تصبكم مصيبة تؤلمكم كالذي أصابكم يوم أحد من الجراح والهزيمة، يقولوا مغتبطين لتخلفهم، وحامدين لرأيهم وسياستهم؛ قد احتطنا وأخذنا أمرنا من قبل المصيبة بتلافيها، حيث اعتزلنا المقاتلين، وقعدنا عن الحرب، ودارينا الكفرة وواليناهم، وسلمنا مما أصابهم من قتل وجرح، وينصرفوا وهم كثيرو الفرح بهزيمة المسلمين، ونجاة أنفسهم بأخذهم حذرهم واحتياطهم بالتخلف عنكم 53.

وهم يوالون الكفار ويدارونهم ويناصرونهم عليكم، قال الله فيهم: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة:52] .

فالدائرة هي: الهزيمة، والمنافقون يسارعون بالاعتماد على الكفار دون الله، ويعللون اعتذارهم عن موالاتهم بأنهم يخافون خوفًا بالغًا أن تحل بهم المصائب والدوائر 54.

ويثبطون الناس ويوهنون من عزائمهم.

قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18] .

وكان من جملة قولهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا 55.

ويظنون بالله الظنون الباطلة ويستبطئون النصر ويكرهون الشهادة في سبيل الله ويعتبرونها قتلًا للنفس، فهم يظنون أن لا ينصر الله محمدًا، كما ظن الجاهلية حيث اعتقدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل في المعركة أو أنه لا ينصره الله 56، وذلك يوم الخندق حين قالوا: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12] .

وذلك هو ظن الجاهلية الغبية، التي لا تفهم معنى النبوة، ومعنى التأييد الإلهي، قال تعالى عنهم: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران:154] .

وقد قال بعضهم لبعض لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم تقتل رؤساؤنا، أي: «لو كان الاختيار لنا لم نخرج، ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة، وهذا كان رأي ابن أبي وغيره» 57.

قال تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران:154] .

ومن صفاتهم أنهم مشككون ومترددون ومذبذبون، ففي غزوة الخندق شكت قلوبهم، وكان ديدنهم أنهم يتحيرون، إذ كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي أحيانًا، وأنه غير صحيح أحيانًا فهم مذبذبون 58، وقد قال الله فيهم: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة:45] .

ويعرفون بوجوههم عند ذكر الموت والقتال، فهم لا يطيقون سماع ذكر القتال، وتتغير معالم وجوههم رعبًا وخوفًا، قال الله فيهم: {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [محمد:20] ، يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله، وأمر به نكل عنه كثير من الناس، وهم المنافقون الذين في قلوبهم مرض، وحالهم عند نزول سورة مشتملة على حكم القتال ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت؛ لشدة فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء 59.

وقال أيضًا: فحالهم عند حد الجد، وبدء المعركة والقتال، تراهم تدور أعينهم رعبًا وخوفًا لا يدرون ما يصنعون، فيصيرون كالذي يعاني سكرات الموت ويبحث عمن ينقذه، ولو أنهم استمسكوا بدينهم وكانوا مع أهله يدًا على من سواهم، لم يقدر عليهم عدو، ولم ينهزم جيش المسلمين لوجود منافقين في صفهم من أمثال هؤلاء 60.

وتتنوع أوصاف المنافقين في طبائعهم، فتارة تعرفنهم في لحن القول، وتارة في الأفعال كترك الطاعات، وتارة في فعل القبيح، وأكثر فسادهم في أحوال الجهاد كما تبين معنا، وكثيرة الآيات التي تتحدث عما يظهر منهم من آثار الكفر في الأقوال والأفعال مما جاء به القرآن، ولا مجال لحصرها في هذه الدراسة، لذلك سنكتفي بالقدر الذي أوردناه.

خامسًا: التنازع والفرقة:

قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران:152] .

فالآية الكريمة ذكرت المؤمنين بأن الله قد حقق وعده معهم في أول المعركة بأن سلطهم على المشركين، يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلًا ذريعًا، وأراهم من النصر والظفر بالمشركين ما وعدهم، حتى إذا تنازعوا واختلفوا في أمر الله، قذف عليهم عدوهم، وخرجت خيل المشركين عليهم من ورائهم، ولقد بين سبب التنازع وهو طلب الدنيا والغنيمة، فحصل بذلك الانهزام، وهو النتيجة الحتيمة للتنازع والتخاصم والتخالف، والتقدير: حتى إذا فشلتم وصرتم فريقين انهزمتم، والمعنى: حتى إذا عجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما بينكم، منع الله عنكم نصره، وتحول نصركم إلى هزيمة، وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم 61.

وفيها تصوير بديع للمعركة، وعرض كامل لمشهدها، ولتداول النصر والهزيمة فيها، فبعد أن ولى المشركون الدبر، وامتلأ الوادي بما خلفوه من الغنائم، وحين رآها الرماة، ورأوا إخوانهم المسلمين ينتهبونها دونهم؛ عصفت بهم ريح الطمع، واختلفوا فيما بينهم، وخلا ظهر المسلمين، رجع المشركون إلى الميدان، وأحاطوا بهم من الخلف والأمام، وأكثروا فيهم القتل والجراح، ودارت الدائرة عليهم بعد أن كانت لهم 62.

ثم أمرهم بالطاعة، ونهاهم عن التنازع الذي هو أكبر أسباب الفشل والهزيمة.

قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال:46] .

والتنازع غالبا يكون بسبب الأغراض الشخصية، وتقديم الأغراض والمصالح الدنيوية على المصالح العامة، وتلك أكبر أسباب النزاع، وهذه أكبر البلايا التي يأتي من قبلها الشر للمسلمين؛ لأنه قد يخالف بعض المسلمين فتكون العقوبة عامة للجميع، والفرقة من أكبر أسباب الضعف والخور وعدم انتظام الكلمة، وهذا النزاع والتفرق والاختلاف هو مشكلة عظمى في أقطار الأرض؛ لأن من يتسمون باسم المسلمين ينازع بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا، فأنى ينصرهم الله؛ فمن تنازعوا فشلوا وذهبت قوتهم ودولتهم، ويصير الأمر إلى غيرهم؛ وهذه وصايا سماوية، وتعاليم من رب العالمين عظيمة، من أخذ بها ظفر، ومن تركها فشل وذهبت ريحه لا شك 63.

ونحن نرى اليوم في عالمنا الإسلامي ما يمكر به الأعداء لأمتنا الإسلامية من السير على قاعدة (فرق تسد) ، وما يبثونه من نعرات تؤدي إلى النزاع والاختلاف والفرقة وشق الصف، وما وضعوه من حدود وهمية بين البلاد الإسلامية، واختلقوا حواليها المشكلات الدائمة، وشغلوهم بها في قضايا دولية، ومحاكم وهمية لا تقدم ولا تؤخر في قراراتها؛ حتى لا تجتمع كلمتهم على مقاتلة الأعداء والتجهز للتغيير.

سادسًا: مخالفة أوامر القيادة:

إن طاعة القائد شرط أساسي للنصر، وفي قصة طالوت عندما خرج بالجنود من بيت المقدس، قال لهم: إن الله مختبركم وممتحن مقدار صدقكم في لقاء عدوكم، واستجابتكم لأوامر قائدكم بنهرٍ يعترض طريقكم، فإياكم والشرب منه، فمن غلبته شهوته وشرب من مائه، فليس من أتباعي؛ لأنه إذا عصاني اليوم، فهو أحرى أن يعصي أمري وقت اشتداد الحرب فتحدث الهزيمة، ومن لم يذق ماءه استجابة لهذا الأمر وصبر، فإنه مني، وهو ضالع معي في لقاء العدو 64.

قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة:249] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت