أولًا: المعنى اللغوي:
تدل مادة (خشي) على خوفٍ وذعرٍ، فالخشية الخوف. ورجلٌ خشيان. وخاشاني فلانٌ فخشيته، أي: كنت أشّد خشيةً منه 1.
«والخشية: الرجاء، وبه فسّر حديث ابن عمر: قال له ابن عباس: لقد أكثرت من الدعاء بالموت حتى خشيت أن يكون ذلك أسهل لك عند نزوله، أي: رجوت» 2.
وجاءت بمعنى علمت، في قوله تعالى: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) } [الكهف:80] أي: فعلمنا 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
«الخشية هي تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته، وخشية الأنبياء من هذا القبيل» 4.
وقيل هي: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون على علم بما يخشى منه.
«وأصل الخشية خوف من تعظيم، ولذلك خص بها العلماء في آية: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] » 5.
فالمعنيان: اللغوي والاصطلاحي متوافقان؛ إذ كلاهما يدوران حول الخوف إلا أن المعنى الاصطلاحي خص بالخوف من الله.
وردت مادة (خشي) في القرآن الكريم (48) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 6 ... {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء:25]
الفعل المضارع ... 29 ... {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) } [الأنبياء:49]
فعل الأمر ... 5 ... {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [المائدة:3]
المصدر ... 8 ... {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء:31]
وجاءت الخشية في القرآن بمعناها اللغوي وهو: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها 7.
الخوف:
الخوف لغةً:
الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على الذّعر والفزع 8.
الخوف اصطلاحًا:
قال الرّاغب: «الخوف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّه الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدّنيويّة والأخرويّة» 9.
ويقول الجرجانيّ: «الخوف توقّع حلول مكروه أو فوات محبوب 10. وقيل: اضطراب القلب وحركته من تذكّر المخوف، وقيل: فزع القلب من مكروه يناله أو من محبوب يفوته» 11.
الصلة بين الخشية والخوف:
الخشية أشد من الخوف؛ لأنّها مأخوذة من قولهم: شجرة خاشية: أي يابسة، وهو فوات بالكلّيّة، والخوف: النّقص، ولذلك خصت الخشية باللّه، والخشية تكون من عظم المَخْشِيّ وإن كان الخاشي قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا 12.
الوجل:
الوجل لغة:
«الوجل خلاف الطّمأنينة، وجل الرجل يوجل وجلًا، إذا قلق ولم يطمئن» 13.
الوجل اصطلاحًا:
«الوجل استشعار الخوف عن خاطر غير ظاهر وليس له أمارة» 14، كذلك نجدها في كتاب الله تعالى تستعمل في سياق أخص من الخوف، وهو حالة نفسية تعرض للنفس عند بداية شيء ما 15.
الصلة بين الخشية والوجل:
قال السعدي رحمه الله: «الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل» 16.
الشفقة:
الشفقة لغةً:
أشفقت من الأمر، إذا رققت وحاذرت 17، وهي «صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس» 18. شفق: الشّفق والشّفقة: الاسم من الإشفاق. والشّفق: الخيفة 19.
الشفقة اصطلاحًا:
الشفقة هي ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، وهي عناية مختلطة بخوف 20.
«الإشفاق رقة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها» 21.
الصلة بين الخشية والشفقة:
«إن الشفقة ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان ومن ثم يقال للأم إنها تشفق على ولدها، أي: ترق له، وليست هي من الخشية والخوف في شيء.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) } [المؤمنون:57] .
ولو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن أن يقول ذلك، كما لا يحسن أن يقول يخشون من خشية ربهم» 22.
الرهبة:
الرهبة لغة:
رهب: خاف رَهْبَةً ورُهْبًا. ورجلٌ رَهَبوتٌ، أي: مرهوبٌ، يقال: رَهَبُوتٌ خيرٌ من رحموتٍ. أي: لأن تُرْهَب خيرٌ من أن تُرْحَم 23.
الرهبة اصطلاحًا:
الرهبة: هي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي مخافة مع تحرز واضطراب، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه 24.
الصلة بين الخشية والرهبة:
الرهبة خوف وانزعاج من مكروه، والخشية خوف وسكون في محل الأمل، مقرون بمعرفة 25.
تنقسم الخشية إلى أنواع، منها فطرية خارج التكليف يولد بها الإنسان، مثل: الخوف من الوحوش، ومن الموت، والمجهول، ومنها الخشية المحمودة التي تكون من الله، فتمنع صاحبها من الوقوع في المعاصي، أما الخشية المذمومة التي تكون من الناس، فتجعل صاحبها يقع في المحظورات، وتكون خشيته من الناس أشد من خشيته من الله، وهذا لا يفيده بشيء؛ لأن الله تعالى بيده الخير والنفع وليس البشر، مثل: الخشية من كساد التجارة، والخشية من الفقر، ومن الأعداء، ومن المخالفين، وهذه الخشية مذمومة تودي بصاحبها للتعرض لسخط الله، وعدم توفيقه له، ويكون في الدنيا والآخرة من الهالكين الخاسرين إن لم يتب.
أولًا: الخشية الفطرية:
الخشية الفطرية تكون: كالخشية من الثعبان أن يلدغه، أو السقوط من مكان مرتفع، أو الخشية من شخص يحمل سكينًا، أو من الزلازل والبراكين، أو الخشية من غضب الوالد أو عقابه، فهذا شيء طبيعي سببي لا يأثم عليه الإنسان؛ لأنه خارج التكليف، فالخشية من الحيوانات الضارية المتوحشة مثل الذئب، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الخشية الفطرية في نفس يعقوب عليه السلام.
ومن الآيات التي تدل على الخشية الفطرية:
قال تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) } [يوسف:13] .
ذكر ابن كثير: «وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيتكم، فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون» 26. وهذا أمر طبيعي خوف الوالد على أبنائه، وكذلك الحاكم على شعبه.
«ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب؛ لأنه أغلب ما يخاف في الصحاري» 27.
«اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعة؛ وأنه يخشى عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم» 28. فهو كان يخاف عليه من إخوته بعدما قص عليه الرؤيا ولكنه لم يصرح لهم. «إن نبي اللّه يعقوب كان ينطق بفطرة الأبوة المحبة، وهو خوفه من أن يأكله الذئب، وهم عنه غافلون» 29.
قال تعالى: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) } [يوسف:67] .
«فإنه خاف من العين عليهم، والعين حق، أي: أنها سبب حق في الظاهر قد تؤدي إلى الضرر، ولكن بإذن الله وإرادته» 30. وهذا لا ينافي كونه نبيًّا، فالحسد أمر مفروغ منه ولابد من الأخذ بأسباب السلامة.
«يا أولادي لا تدخلوا مصر من باب واحد ولكن ادخلوها من أبواب متفرقة حتى لا يحسدكم حاسد أو يكيد لكم كائد فيحل بكم مكروه» 31.
أراد أن يأخذ بالأسباب، فطلب منهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، لحاجة في نفسه الله أعلم بها، لكن بعض المفسرين أخذها على محمل الخشية من الحسد والله أعلم.
«وقال السدي: أراد الطرق لا الأبواب، يعني: من طرق متفرقة، وإنما أمرهم بذلك؛ لأنه خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا قد أعطوا جمالًا وقوة وامتداد قامة وكانوا أولاد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم المدينة؛ لئلا يصابوا بالعين فإن العين حق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين» 32.
قال تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) } [مريم:5] .
ذكر ما يخشاه، وعرض ما يطلبه، إنه يخشى من بعده، يخشاهم ألا يقوموا على تراثه بما يرضاه، وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين، وأهله الذين يرعاهم، ومنهم مريم التي كان قيمًا عليها وهي تخدم المحراب الذي يتولاه، وهو يخشى الموالي من ورائه على هذا التراث كله، ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته 33.
رأى أن قومه كانوا مهملين لأمر الدين، فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب وليًّا يقوم به بعد موته 34.
قال تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) } [مريم:23] .
قالت مريم: يا ليتني مت قبل هذا الوقت، وتمنت الموت؛ لأنها خافت أن يظن بها السوء في دينها، أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان 35. وهذا أمر طبيعي خوف الإنسان على سمعته وسمعة أهله وشرفهم، وكان ما قالته وهي تعلم ما جرى بينها وبين جبريل عليه السلام من الوعد الكريم استحياء من الناس وخوفًا من لائمتهم أو حذرًا من وقوع الناس في المعصية بما تكلموا فيها أو جريًا على سنن الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم 36.
وذكر بأنها تمنت الموت؛ خشية الاتهام الظالم، وهي البريئة الطاهرة التي اصطفاها رب العالمين 37.
وقالت استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، فاشتد بها الأمر هنالك، واحتضنت الجذع؛ لشدة الوجع، وولدت عيسى عليه السلام، فقالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه: يا ليتني مت قبل هذا. وتمنت مريم الموت من جهة الدين؛ إذ خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيغبنها ذلك، وهذا مباح 38.
قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7] .
فلما حملت أم موسى به، عليه السلام، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا، وأحبته حبًّا زائدًا، وكان موسى عليه السلام لا يراه أحد إلا أحبه، وأُلهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7] .
وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخاف جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها 39.
وها هي ذي أمه حائرة به، خائفة عليه، تخشى أن يصل نبأه إلى الجلادين، وترجف أن تتناول عنقه السكين. ها هي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة، عاجزة عن حمايته، عاجزة عن إخفائه، عاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينم عليه عاجزة عن تلقينه حيلة أو وسيلة .. ها هي ذي وحدها ضعيفة عاجزة مسكينة. هنا تتدخل يد القدرة، فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة، وتلقي في روعها كيف تعمل، وتوحي إليها بالتصرف {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح، وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحرور بردًا وسلامًا 40.
ثانيًا: الخشية الممدوحة:
إن القلوب لا تحيا إلا بقربها من الله تعالى والخشية منه، حيث إن الخشية تكون سببًا لبعد الإنسان عن المعاصي، ونجاته من النار، والفوز بالنعيم والراحة في الدنيا والآخرة، ومن أنواع الخشية الممدوحة:
1.الخشية من الله تعالى.
الخشية من الله أعلى مراتب الإيمان، حيث إن الإنسان يبلغ مرتبة الإحسان حين يعبد الله كأنه يراه، ويشعر بمراقبة الله له في كل لحظة، وكلما تمكنت الخشية من القلب كان الإنسان لله أعبد، وكان مراقبًا لله في السر والعلن، وفي الغيب والشهادة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) } [الأنبياء:48 - 49] .
قال ابن رجب: «فأما خشية الله في الغيب والشهادة، فالمعني بهما: أن العبد يخشى الله سرًّا وعلانيةً، وظاهرًا وباطنًا، فإن أكثر الناس يرى أنه يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن في خشية الله في الغيب إذ غاب عن أعين الناس، وقد مدح الله من يخافه بالغيب» 41.
2.خشية العذاب الدنيوي والأخروي.
الخشية من الله تعالى تجعل الإنسان دائم الذكر لله تعالى، مبتعدًا عن ارتكاب المعاصي و المحرمات، حريصًا على عمل الخير، مبادرًا في الأعمال الصالحة، مسرعًا في التوبة والرجوع إلى الله تعالى، خشيةً من العقاب وطلبًا للنجاة من النّار وطمعًا في الجنة، بينما الذين لا يخشون الله تعالى نجد قلوبهم متعلقة بحب الدنيا وزخارفها، لا يلقون بالًا للعبادات والأعمال الصالحة التي ترضي الله عنهم، ويعيشون وقلوبهم بعيدة عن الله، نسأل الله السلامة.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } [الرعد:21] .
{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} ، «خشية جلالٍ وهيبة ورهبة فلا يعصونه فيما أمر به» 42.
3.الخشية من الوقوع في الفاحشة.
يجوز للمسلم أن يعدد بشرط العدالة، كذلك أباح الله تعالى تعدد الزوجات إذا كانت الزوجة مريضة أو عقيمًا أو إذا خشي على نفسه الوقوع في الفاحشة.
قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) } [النساء:25] .
قال أبو الليث السمرقندي: «وهو رخصة نكاح الأمة {لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} يعني الإثم في دينه» 43.
« {لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي: لمن خاف وقوعه في الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان، ولا ضرر أعظم من مواقعته المآثم بارتكاب أفحش القبائح، وقيل: أريد به الحد؛ لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد، والأول هو اللائق بحال المؤمن دون الثاني؛ لإبهامه أن المحذور عنده الحد لا ما يوجبه» 44.
4.الخشية من التقصير في الاسترشاد إلى الحق.
كلما تمكنت الخشية من قلب الإنسان كلما كان أشد خشية من التقصير في جنب الله، فيكون دائمًا يقظًا محاسبًا لنفسه خوفًا من العذاب والعقاب.
قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) } [يس:11] .
« {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} أي: ما غاب من عذابه وناره، قاله قتادة. وقيل: أي: يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وانفراده بنفسه. {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} أي: لذنبه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أي: الجنة» 45.
5.الخشية من محبة الذرية المضرة.
أحيانًا يكون المال والولد فتنة شديدة للإنسان، فربما يرده عن دينه أو يرتكب جريمة، أو يظلم أحدًا، أو يسرق بسبب توفير الأموال لأبنائه.
قال تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) } [الكهف:80] .
{فَخَشِينَا} أي: خفنا والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه. وقيل: معناه: فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه على دينه.
{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) } [الكهف:81] . الإبدال: رفع الشيء ووضع آخر مكانه {خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} أي: صلاحًا وتقوى 46.
وقال البيضاوي: «أو يعديهما بعلته فيرتدا بإضلاله، أو بممالأته على طغيانه وكفره حبًّا له» 47.
6.الخشية من التفرق والتشرذم.
في الاتحاد قوة وفي التفرق ضعف، لذا ينبغي على المسلمين أن يكونوا متحدين على كلمة الحق (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) خشية أن يتسلل الخور إلى صفوفهم، ويصبحوا أحزابًا وشيعًا، فيطمع بهم عدوهم ويصبحوا لقمة سائغة ويستبيح بيضتهم.
قال تعالى: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) } [طه:94] .
«يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزابًا فيتقاتلون، فتقول: فرقت بني إسرائيل {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} ، يعني: لم تحفظ وصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي، أصلح وأرفق بهم» 48.
ثالثًا: الخشية المذمومة:
1.الخشية من الناس.
قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة:150] .
«أي: لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه» 49.
وقال أبو حيان: «ونهى عن خشيتهم فيما يزخرفونه من الكلام الباطل، فإنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر، وأمر بخشيته هو في ترك ما أمرهم به من التوجه إلى المسجد الحرام» 50.
قال تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب:37] .
«أي: تخفي ما سيبديه الله وتخشى الناس من إبدائه. والخشية هنا كراهية ما يرجف به المنافقون، والكراهة من ضروب الخشية» 51.
2.الخشية من الأعداء.
قال تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) } [التوبة:13] .
«في الآية إيماء إلى أن المؤمن يجب أن يكون أشجع الناس وأعلاهم همة ولا يخشى إلا الله» 52.
وقال أبو بكر الجزائري: «أتتركون قتالهم خشية منهم وخوفًا إن كان هذا {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ؛ لأن ما لدى الله تعالى من العذاب ليس لدى المشركين فالله أحق أن يخشى» 53.